« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: علم الطلاسم الصامتة (آخر رد :عبد الغفور)       :: الاختيارات والاجرام (آخر رد :ابو فرات)       :: الملاغم البرانیة مؤلف جابر بن حیان الکوفي الخراساني، أبوموسی (آخر رد :المعلم)       :: علاء بغدادي برنامج مثلث االشيح خادم الساده (آخر رد :الحساس)       :: تذبير قديم (آخر رد :الادريسي باقر)       :: الجزء السابع من جامع التحف والغرائب أو الفلاحه النبطيه او البستان مخطوط أكثر من رائع (آخر رد :ابو تميم)       :: الجزء الحادى عشر جامع التحف والغرائب أو الفلاحه النبطيه او البستان مخطوط أكثر من رائع (آخر رد :ابو تميم)       :: منهاج الدكّان ودستور الأعيان لكوهين العطار، أبو المنى ابن أبي نصر، (آخر رد :احجار)       :: جلب الحبيب للزواج 1 ولا اسرع من هيك (آخر رد :ahmedd)       :: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته (آخر رد :ابو فرات)      



إضافة رد
قديم 07-21-2017, 04:24 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
علي العذاري
 
الصورة الرمزية علي العذاري
 






علي العذاري غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
علي العذاري is on a distinguished road

افتراضي إثبات الأشهر القمرية بين الرؤية والحسابات الفلكية



إثبات الأشهر القمرية بين الرؤية والحسابات الفلكية



بقلم
فادي عبد الغني شامية




عام 1429هـ/ 2008م

محتويات البحث
المقدمة--------------------------------------------------4
خطة البحث------------------------------------------------5

الفصل الأول: الأشهر القمرية والأشهر الشمسية---------------------------6
المبحث الأول: التعريف العلمي للأشهر القمرية ---------------------6
المطلب الأول : أطوار القمر وعمره الزمني ------------------6
المطلب الثاني: تغيّر المطالع ---------------------------6
المطلب الثالث: المدة الزمنية لرؤية ولادة الهلال----------------7
المطلب الرابع: ولادة الهلال----------------------------8
المطلب الخامس: رؤية الهلال وبداية الشهر القمري--------------9
المبحث الثاني: التعريف العلمي للأشهر الشمسية--------------------11
المطلب الأول: مدة الأشهر الشمسية، عددها ومقدارها------------11
المطلب الثاني: السنة الكبيسة---------------------------11
المبحث الثالث: التقاويم المرتبطة بالقمر والتقاويم المرتبطة بالشمس---------11
المطلب الأول: التقويم القمري --------------------------11
المطلب الثاني: التقويم الشمسي -------------------------12
المطلب الثالث: الإعجاز القرآني في الربط بين التقويم الشمسي والتقويم-القمري--14

الفصل الثاني: الحسابات الفلكية في الميزان ---------------------------18
المبحث الأول: يسألونك عن الأهلة ---------------------------18
المطلب الأول: هل الحسابات الفلكية وسيلة يقينية للتنبؤ بالرؤية------18
المطلب الثاني: التنبؤ بالرؤية عبر الحساب مسعى قديم-----------18
المبحث الثاني: الاختلاف حول وحدة المطالع ---------------------20
المبحث الثالث: هل يمكن أن تتضارب نتائج الحسابات الفلكية كما تتضارب نتائج الرؤية؟ --21
المطلب الأول: ضبط الشهادة للتقليل من الخطأ في الرؤية ---------21
المطلب الثاني: التضارب في نتائج الحسابات الفلكية ------------21
المبحث الرابع: الشهر عند الله والشهر عند الناس-------------------25
المطلب الأول: ما كان الله ليضيع إيمانكم -------------------25
المطلب الثاني: وحدة المطالع والوحدة الإسلامية---------------27

الفصل الثالث: بين الرؤية الشرعية والحسابات الفلكية ---------------------30
المبحث الأول: حجج المتمسكين بالرؤية الشرعية ------------------31
المبحث الثاني: المتمسكون بالحسابات الفلكية ---------------------31
المطلب الأول: حجج المتمسكين بالحسابات الفلكية--------------34
المطلب الثاني: أقوال العلماء المعاصرين ممن يعتمد على الحسابات الفلكية34
المطلب الثالث: الأخذ بالحساب الفلكي في النفي فقط-------------36
المطلب الرابع: الانتصار للحسابات الفلكية ------------------37
المبحث الثالث: هل يمكن توحيد التقويم القمري؟ -------------------38
المطلب الأول: مشروع التقويم القمري الموحد ----------------38
المطلب الثاني: مشروع القمر الإسلامي --------------------40
المطلب الثالث: الرؤية من خلال الفضائيات!-----------------40

خلاصة البحث-------------------------------------------42
المراجع ----------------------------------------------43

مقدمة

واجه العالم الإسلامي منذ القديم مشكلة إثبات الهلال وتحري الدقة في هذا الأمر، لما له من أهمية دينية وزمنية كبيرة لدى المسلمين، لكن المشكلة تفاقمت مع انهيار الدولة الإسلامية، حيث صار كل قطر من الأقطار العربية والإسلامية يتحرى الهلال بطريقته، ما سبب فروقات تعدت في كثير من المرات اليومين، وانعكس ذلك بطبيعة الحال على حال المسلمين ونسكهم وأعيادهم وتقويمهم.

ثمة أمر آخر فاقم المشكلة وهو انتشار المسلمين في العالم وانقسامهم في المهاجر كانعكاس لانقسامهم في دولهم، فضلاً عن دخول العامل السياسي على الخط، مضافاً إلى الخلاف الفقهي حول وحدة المطالع.

مع تطور العلم دخلت الحسابات الفلكية كعامل إضافي في المشكلة حيث أخذت بها بعض الدول كعامل يقيني وحيد في تحديد ثبوت ولادة الهلال، ورفضتها دول أخرى، بينما "استأنست" بنتائجها أغلبية الدول.

وعلى الصعيد الفقهي اعتبر بعض العلماء أن الحسابات الفلكية قد حلت محل الرؤية الشرعية للهلال كنتيجة طبيعية لتطور العلم، ورفض آخرون ذلك، بينما اعتمد فريق ثالث على الحسابات الفلكية في حالة النفي فقط، أي نفي إمكانية الرؤية أصلاً.

هذه الفوضى في إثبات الأشهرالقمرية جعلت من مواقيت الحج ورمضان وغيرهما مدعاة للانقسام بدل الوحدة، وسبباً لسخرية العالم منا، وموضوعاً للنقاش يكاد لا ينتهي.

هذه العوامل الهامة جعلت للموضوع أهميته الكبرى لدى الناس، بمختلف فئاتهم، الأمر الذي شكّل الحافز الأهم لكتابة هذا البحث القصير، بالرغم من قلة المراجع الشرعية التي تناولت المسألة بالتفصيل ولا سيما في الشق المتعلق بالحسابات الفلكية، الأمر الذي دفعي للاعتماد على العديد من الدراسات غير المنشورة، والبيانات الصادرة عن مراكز الرصد، والمقالات والأبحاث المنشورة في الصحف أو على شبكة الإنترنت.


خطة البحث

يعتمد البحث على المنهج التحليلي بحيث يشرح المشكلة والظاهرة المرتبطة بها، ويحلل في الأسباب والنتائج، ويقارن بين الآراء المختلفة، وصولاً لترجيح أحدها، ثم يقدم جملة اقتراحات لحل المشكلة المتعلقة بإثبات الهلال.

على هذا الأساس جرى تخصيص الفصل الأول لشرح ظاهرة إثبات الهلال من الناحية العلمية الفلكية، ولا سيما المسائل المتعلقة بأطوار القمر وعمره الزمني، وتغيّر المطالع، وولادة الهلال والمدة الزمنية لرؤية الولادة، وبداية الأشهر القمرية. كما جرى التطرق إلى التقاويم المختلفة، القمرية والشمسية، مع التوقف أمام الإعجاز القرآني البديع في الربط بين التقويم الشمسي والتقويم القمري.

الفصل الثاني تركز حول بحث المشكلة من الناحية الشرعية وارتباطاتها الفلكية، لناحية تبيان مدى دقة الحسابات الفلكية، والخلاف حول وحدة المطالع، ثم تبيان حجج المتمسكين بالرؤية الشرعية، والآخرين المتمسكين بالحسابات الفلكية، مع عرض لأقوال العلماء في المسألة، والانتصار أخيراً للحسابات الفلكية.

الفصل الثالث جرى تخصيصه لبحث مسائل ذات صلة بالمشكلة موضوع البحث، حيث جرى بحث مسائل الخطأ في الرؤية أو التقدير، والتضارب الظاهر في نتائج الحسابات الفلكية أحياناً. كما خصص المطلب الأخير لعرض عدد من الاقتراحات.

بخصوص المراجع، فقد جرى الاعتماد على عدد من الكتب الفقهية القديمة والحديثة لاستخراج حكم المسائل ذات الصلة، كما اعتمدت على كتب الحديث التسعة لاستخراج الأحاديث المتعلقة بالأهلة، أو لتخريج ما يرد منها في كتب ودراسات متفرقة، وفي تفسير الآيات اعتمدت على تفسير ابن كثير كأساس. وفي دراسة الظاهرة الفلكية المتعلقة بالقمر اعتمدت على عدد كبير من الكتب والدراسات المنشورة وغير المنشورة، إضافة إلى مواقع الإنترنت المتخصصة.

وفي رصد مواقف العلماء المعاصرين من الرؤية أو الحساب تحريت هذه الآراء والفتاوى في عدد من الكتب والمجلات والصحف ومواقع الإنترنت.

الفصل الأول: الأشهر القمرية والأشهر الشمسية
المبحث الأول: التعريف العلمي للأشهر القمرية
المطلب الأول: أطوار القمر وعمره الزمني
الشهر القمري من الناحية العلمية هو المدة الزمنية التي تستغرقها دورة القمر حول الأرض. في الحساب الدقيق فإن القمر يحتاج إلى29.55 يوماً ليدور دورة كاملة حول الأرض، وهذا هو العمر الزمني للشهر القمري. معنى ذلك أن عمر القمر عندما يكون في طور البدر هو 14.5 يوماً تقريباً. وعمر القمر وقت الولادة هو صفر.

وخلال دورة القمر حول الأرض يجتمع كل من الأرض والقمر والشمس مرتين على خط واحد، أولاهما عندما يكون القمر بدراً، أي عندما تكون الأرض بين القمر والشمس، وثانيهما بعدها بحوالي 14.5 يومًا عندما يصبح القمر محاقًا، حيث يكون القمر بين الشمس والأرض، وحيث إن القمر ليس نجمًا بل جرمًا مظلمًا لا يرسل أي أشعة، لذلك لا يمكن رؤيته من على سطح الأرض إلا عن طريق قيامه بعكس الأشعة الواقعة عليه من الشمس التي تصل تقريبًا إلى الصفر في وضع المحاق، حيث يكون القمر كالمرآة التي أعطت ظهرها لمصدر الضوء، وبالتالي لا تجد أشعة لتعكسها، لذلك لا يمكن رؤيته، وكما هو معروف فإن للقمر أطواراً هي: المحاق، والهلال، والتربيع، والأحدب، والبدر، فعندما نرى جميع قرص القمر مضيئاً، يكون القمر في طور البدر، وعندما يكون نصفه مضيئا يكون في طور التربيع الأول (بداية الشهر) أو التربيع الثاني (نهاية الشهر)، وعندما يكون القمر على شكل قوس جميل نطلق عليه اسم الهلال، والمرحلة التي بين التربيع والبدر يسمى القمر فيها أحدب .

المطلب الثاني: تغيّر المطالع
من المعروف أن الأرض مقسمة إلى 360 خطاً طولياً وهمياً بمعدل ساعة لكل 15 خطاً أو درجة، وأن رحلة القمر حول الأرض تستغرق 29.55 يوماً، فإذا اعتبرنا الـ24 ساعة مسافة زمنية، وقسمنا هذه المسافة على العمر الزمني للشهر القمري يكون ناتج القسمة هو 0.8 ساعة تقريباً، أي 48 دقيقة و46 ثانية، وهذه هي المسافة الزمنية التي يقطعها القمر كل يوم، أي أن تغير المطالع بالنسبة للأرض يكون كل 48 دقيقة و46 ثانية.
إن وحدة المطالع تعني إمكانية رؤية الهلال في آن واحد مع اختلاف الأماكن، بينما اختلاف المطالع تعني عدم إمكانيتها بتلك الصفة، وعلى هذا الأساس فلا يمكن أن يرى الهلال في كل العالم في يوم واحد وليلة واحدة، وأما في العالم الإسلامي وتحديداً من ماليزيا إلى موريتانيا فيمكن أن يرى الهلال في ليلة واحدة أو في ليليتين، ولا يمكن أن يتعدى إلى ثلاث ليالٍ، لذا فإنه من الوارد أن يُرى الهلال في العالم الإسلامي كله في يوم واحد، أو في يومين .

المطلب الثالث: المدة الزمنية لرؤية ولادة الهلال
العمر الزمني للشهر القمري ومساره تبعاً لخطوط الطول يعطينا حسابياً المدة الزمنية لرؤية ولادة الهلال، وهي مدة تزيد كلما ابتعدنا عن نقطة البداية باتجاه الغرب. ولتحديد بداية الشهر القمري يجب تحديد اللحظة المكانية لولادته، أي الزمان والمكان الذي يمكن رؤية الهلال فيه على الكرة الارضية عند الغروب.

لنفرض أن بداية الشهر القمري كانت عند بداية خطوط الطول (الزاوية 180)، فإنه وفي الثانية الأولى لغروب الشمس، سيتمكن الجزء الغربي لذلك الخط من رؤية الهلال، لفترة زمنية تزيد كلما ابتعدنا عن الخط 180 أي خط البداية، فإذا أكملنا دورة كاملة، أي أربعاً وعشرين ساعة، متابعين غروب الشمس حتى وصلنا إلى نقطة البداية، فإننا سنتمكن من رؤية الهلال في هذه النقطة الأخيرة لمدة 48 دقيقة و 46 ثانية، ويكون مرتفعاً عن الأفق مقدار جزء من 15 درجة (14.775) أي 6.77% من المسافة الدائرية ما بين شروق الشمس وغروبها، وذلك يكون في اليوم التالي، بعد 24 ساعة من البداية.

لنفرض الآن أن ولادة الشهر القمري كانت على أحد خطوط الطول الذي يمر بمكة المكرمة، فهذا يعني أن كل المدن غرب مكة ستتمكن من رؤية الهلال لمدة تزيد كلما تبعنا غروب الشمس، فالمدن التي تغرب فيها الشمس بعد ساعة من غروبها بمكة تستطيع رؤية الهلال لمدة دقيقتين وثانيتين، والمدن التي تغرب فيها الشمس بعد ساعتين ترى الهلال لمدة 4 دقائق و4 ثوانٍ، والمدن التي تغرب فيها الشمس بعد أربع وعشرين ساعة من غروبها في مكة، نستطيع رؤية الهلال لمدة 48 دقيقة و46 ثانية.

إذاً، فإنه وفي بداية كل شهر قمري، فإن الهلال يولد في مكان واحد فقط على الكرة الأرضية حين غروب الشمس في ذلك المكان، وكل المناطق التي تقع غرب هذا المكان تستطيع رؤية الهلال بأحجام تكبر، وفترات تمتد، كلما اتجهنا غرباً مرافقين غروب الشمس .

قال تعالى: "هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب، ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون" . وقال أيضاً: "وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالعُرجُونِ الْقَدِيمِ" ، وقال: "وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا" .

المطلب الرابع: ولادة الهلال
تعني ولادة الهلال الجديد أن يصبح بالإمكان رؤيته مرة أخرى من على سطح الأرض، وهذا يعني أن القمر قد خرج عن تزامنه على خط واحد مع الأرض والشمس، وبالقدر الذي يمكنه من عكس مقدار كافٍ من أشعة الشمس يمكن أن تلتقطه العين، ولكي يصل القمر إلى هذا الحد الأدنى من الرؤية يكون عمره قد أصبح من 17 إلى 20 ساعة، ويكون قد أخذ زاوية مقدارها حوالي 12 درجة من الشمس، غير أن هناك شرطًا آخر حتى يمكن رؤية الهلال، وهو أن يحدث وضع المحاق قبل غروب الشمس بوقت كافٍ يسمح للقمر بأن يصل للوضع الذي يصبح فيه مرئيًّا حتى يمكن رؤيته بعد غروب الشمس مباشرة، ففي هذه الحالة يبقى القمر مرئيًّا لمدة 48 دقيقة فقط بعد الغروب، أما إذا حدث وضع المحاق عند الغروب أو بعده فلا يمكن في هذه الحالة رؤية الهلال .

مما سبق نستنتج أنه حتى نتمكن من رؤية الهلال يوم التاسع والعشرين من الشهر الهجري لابد من توافر شرطين أساسين تستحيل الرؤية بغياب أحدهما:
أولاً: أن يكون القمر قد وصل إلى مرحلة المحاق (الاقتران أو تولد الهلال أو الاستسرار) قبل غروب الشمس، لأننا نبحث عن الهلال، وهو ـ أي الهلال ـ مرحلة تلي المحاق، فإذا لم يكن القمر قد وصل إلى مرحلة المحاق فلا جدوى إذاً من البحث عن الهلال.
ثانياً: أن يغرب القمر بعد غروب الشمس، لأننا سنبحث عن الهلال عندما يخف وهج السماء بعد غروب الشمس، فإذا كان القمر سيغيب أصلاً قبل غروب الشمس، فهذا يعني أنه لا يوجد هلال في السماء نبحث عنه بعد الغروب .

المطلب الخامس: رؤية الهلال وبداية الشهر القمري
منذ القدم قام علماء الفلك والرياضة بوضع القواعد والمعايير الدقيقة لحساب بداية الشهر القمري، وأول من وضع المعايير الدقيقة هم البابليون الذين ربطوا عباداتهم بحركة القمر، وعنهم أخذ اليهود وبقية الأمم، فانتشرت تلك المعايير لعدة قرون لدى العرب، وقد اعتبر البابليون أن بداية الشهر القمري هي زمن اختفائه كلياً، ومن الناحية العلمية الحديثة فإن ما اعتمده البابليون لبداية الشهر القمري هو المحاق، أي الوصول إلى نقطة التزامن أو الاقتران بين الأرض والقمر والشمس، أي وقوعها على خط واحد مع وجود القمر بين الأرض والشمس، بحيث يصبح القمر في هذه الحالة غير مرئي تماماً.
مع ظهور الإسلام تغيرت بدايات الشهور القمرية لدى المسلمين، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، وبهذا يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد ربط بداية الشهر القمري مع بداية القدرة على رؤية القمر (الهلال)، أي بعد 17 إلى 20 ساعة (حوالي ثلاثة أرباع يوم) من وصوله إلى المحاق.
إن مما تجدر الإشارة إليه هنا، أنّ الحساب الفلكي المتطور اليوم إنما يعتمد على إمكانية الرؤية في البلدان الإسلامية في تحديده لبداية الشهر القمري بحيث يـُثبت إمكانية الرؤية، ولكن بواسطة الحساب، ذلك أن دراسة إمكانية رؤية الهلال مسألة مختلفة تماماً عن تحديد ميلاده، فقد يحدث أن يتجاوز القمر الشمس قبل غروبها بدقائق معدودة مثلاً، وهكذا سيكون الهلال الجديد قد ولد، ولكننا لن نستطيع أن نراه لأن عمر الهلال الصغير سيكون بضعة دقائق وسيضيع في سطوع الشمس القريبة منه للغاية.
إشارة إلى أنه عادة ما تصبح رؤية الهلال ممكنة بعد مغيب الشمس بـ 10-15 دقيقة، ويختفي عن الرؤية قبل وصوله الأفق بدرجتين تقريباً بسبب سماكة الغلاف الجوي عند الأفق مما يحجب ضوء الهلال الذي هو ضعيف أصلاً. وبالطبع لن نستطيع أن نرى الهلال إذا لم يولد، أي إذا لم يتجاوز الشمس من الغرب إلى الشرق، لأننا يجب أن نبحث عنه بعد غروب الشمس مباشرة .





المبحث الثاني: التعريف العلمي للأشهر الشمسية
المطلب الأول: مدة الأشهر الشمسية، عددها ومقدارها
تدور الأرض حول نفسها مرة كل 24 ساعة، وتدور حول الشمس مرة كل 365 يوماً و 5 ساعات و 48 دقيقة و 46 ثانية -365.2418967 يوما بالعدد العشري-، فتستكمل سنة واحدة تسمى السنة الشمسية أو السنة المدارية أو السنة الفصلية أو السنة الموسمية، وهي مقسمة إلى اثني عشر شهراً محددة المدة، بداية ونهاية، بشكل اصطلاحي، بغض النظر عن حركة القمر. وعندما تدور الأرض دورة واحدة حول الشمس، تكون قد دارت حول نفسها 365 دورة، ويكون القمر قد دار حول الأرض 12 دورة .

المطلب الثاني: السنة الكبيسة
بعد تقسيم السنة الشمسية إلى اثني عشر شهراً بشكل اصطلاحي ستواجهنا مشكلة تتمثل في الكسور من الزمن، على اعتبار أن الأرض تدور حول الشمس كل 365.2418967 يوماً، وبما أن هذا العدد ليس صحيحا، فقد وجب التصحيح كل أربع سنوات. بمعنى آخر لو أردنا أن نبدأ التعداد من اليوم فإن مدة السنة الأولى تكون (365.2422) أي 365 يوماً اصطلاحاً، والسنة الثانية (365.2422+0.2422=365.4844) أي 365 والثالثة (365.2422+0.4844=365.7266) أي 365 وأما السنة الرابعة فتكون (365.2422+0.7266=365.9688) أي 366 يوماً، أي بزيادة يوم واحد، هو مجموع الكسور على مدى أربع سنوات، وهذه السنة تسمى اصطلاحاً بالسنة الكبيسة .

المبحث الثالث: التقاويم المرتبطة بالقمر والتقاويم المرتبطة بالشمس
المطلب الأول: التقويم القمري
التقويم هو الطريقة التي يستخدمها الإنسان لضبط الوقت، ويتكون التقويم عادة من ثلاث وحدات رقمية تمثل ثلاث فترات زمنية هي اليوم والشهر والسنة.

التقويم القمري كما التقويم الشمسي، كلاهما قديم، وهما مستخدمان، لحساب وتعداد الأيام والتواريخ.

لقد عرف العرب التقويم القمري قبل الإسلام، وكانوا يسمون الثلاث الأول من الشهر القمري غُرر، واللواتي بعدها نـُقل، واللواتي بعدها تُسع لأن أخراهن التاسعة، واللواتي بعهدها عشر، لأن أولاهن العشرة، واللواتي بعدها البيض، لأن ضوء القمر فيهن إلى آخرهن، واللواتي بعدهن درع جمع درعاء، لأن أولهن أسود لتأخر القمر في أولهن منه، ومنه الشاة الدرعاء وهي التي رأسها أسود، وبعدهن ثلاث ظلم، ثم ثلاث حنادس، وثلاث دآدى، وثلاث محاق لانمحاق القمر أو الشهر فيهن .

عندما جاء الإسلام تعززت أهمية الأشهر القمرية لأن الإسلام ربط بينها وبين الكثير من الشعائر الدينية، قال تعالى: "يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج" .

وقد بقيت الشهور القمرية على حالها لجهة التسمية، وهي: المحرم، صفر، ربيع الأول، ربيع الثاني، جمادى الأولى، جمادى الآخرة، رجب، شعبان، رمضان، شوال، ذو القعدة، ذو الحجة.

ولما صار عمر بن الخطاب رضي الله عنه خليفة المسلمين اعتمد السنة التي هاجر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كبداية للتعداد والتأريخ، ولذلك أُطلق على التقويم القمري الشهري إسم الهجري لإرتباط التعداد بتاريخ هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام. وكانت بداية التعداد من يوم الجمعة الأول من شهر المحرم الموافق 16 تموز (يوليو) من عام 622 م على التقويم اليولي أي 7 تموز 622 م غريغوري .

المطلب الثاني: التقويم الشمسي
استخدم قدماء المصريين التقويم الشمسي وقسموا السنة إلى 12 شهراً متساوياً في عدد الأيام، كل منها 30 يوماً، واعتبروا الأيام الخمسة الزائدة على ذلك عيداً وسموها عطلة نهاية السنة، وأخذ اليهود عن البابليين التقويم الشهري القمري، والذي يبدأ تعداده في 6 أيلول (سبتمبر) من عام 3761 قبل الميلاد، وهم يضيفون شهراً قمرياً على التقويم القمري كل سنتين أو ثلاث لكي يوائموا بين التقويم الشهري القمري والتقويم الشمسي المداري. فتأتي بعض أعوامهم 12 شهراً ويأتي بعضها 13 شهراً.

في سنة 46 قبل الميلاد عيّن الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر الفلكي الإسكندراني سوسيجنس ليقوم بتعديل وتحويل التقويم من القمري الشهري إلى السنوي الشمسي، فاعتمدت السنة اليولية، نسبة إلى يوليوس قيصر، ومدتها 365.25 يوماً، في حين أن مدة السنة المدارية 365.24218967 يوماً أي بفارق 11 دقيقة و15 ثانية في السنة الواحدة بين السنة التي اعتمدها يوليوس قيصر والمدة الزمنية الحقيقية لاكتمال دورة الأرض حول الشمس. ولذلك فقد حدث في عام 1572 بعد الميلاد أن تراكم هذا الفرق الضئيل حتى بلغ عشرة أيام كاملة مما دعا البابا غريغوري الثامن إلى تكليف الفلكي كريستوفر كلافيوس لحل هذه المعضلة، الذي قام بإعادة تعريف السنة ب365.2422 يوماً بفارق 0.0078 جزء من اليوم عن التقويم اليولي وسمي هذا التقويم بالغريغوري والذي يبدأ في أول كانون الثاني، وبذلك تم تقليص الفرق بين التقويم الجديد والمدة الزمنية الحقيقية لدوران الأرض حول الشمس إلى 3.12 يوماً لكل 400 سنة، أي يوم واحد لكل مئة وثلاث وثلاثين سنة تقريباً . واعتمدت السنة التي ولد فيها المسيح عليه الصلاة والسلام كبداية للتقويم الغريغوري ولذلك سمي هذا التقويم بالميلادي أيضاً . واعتبر الأول من كانون الثاني (1 يناير) بداية للتقويم الغريغوري الميلادي .

من الناحية العلمية فإنه ليس ثمة دلالة فلكية في تسمية التقويم السنوي بالميلادي، والدلالة تاريخية فقط بسبب اعتبار بداية تعداد السنوات من السنة التي ولد فيها المسيح عليه السلام، فالتقويم الشمسي هو عبارة عن دورة فلكية دقيقة، أما التاريخ الميلادي فجهد بشري واتفاق جماعي ليس له أي دلالة فلكية علمية، كما ليس للشهور الشمسية أية دلالة علمية، فهي مجرد اصطلاح توافق عليه الناس فجعلوا تعداد الأيام في الأشهر الغريغورية على ما هو معروف: يناير (كانون الثاني): 31 يوماً، فبراير (شباط): 28 يوماً و29 يوماً في السنة الكبيسة، مارس (آذار): 31 يوماً، أبريل (نيسان): 30 يوماً، مايو (أيار): 31 يوماً، يونيو (حزيران): 30 يوماً، يوليو (تموز): 31 يوماً، أغسطس (آب): 31 يوماً، سبتمبر (أيلول): 30 يوماً، أكتوبر (تشرين الأول): 31 يوماً، نوفمبر (تشرين الثاني): 30 يوماً، ديسمبر (كانون الأول): 31 يوماً .
المطلب الثالث: الإعجاز القرآني في الربط بين التقويم الشمسي والتقويم القمري
مما تقدم يتبين لنا أنه ثمة تقويمان، تقويم سنوي شمسي، حولي، فصلي، موسمي، مداري. وهو يتكرر كلما أتمت الأرض دورة كاملة حول الشمس، مدته 365 يوماً و5 ساعات و48 دقيقة و 46 ثانية أي 365.2422 يوماً بالعدد العشري. يتم تصحيحه كل أربع سنوات بإضافة يوم واحد في السنة المسماة كبيسة، باستثناء مرة واحدة كل مئة وثلاث وثلاثين سنة تقريباً. العلامات الفارقة لهذا التقويم هي الفصول الأربعة وبداياتها، وتسمية السنة بالميلادية، وتقسيمها إلى أشهر، وتحديد بدايتها بالأول من يناير (كانون الثاني) كمسألة اصطلاحية، ليس لها أي مدلول علمي فلكي كوني نمطي منتظم. وهناك أيضاً تقويم شهري قمري مرتبط بدورة القمر حول الأرض، مدة الشهر فيه 29.55 يوماً. علاماته الفارقة تكمن في بدايات الشهور، ومنازل القمر.

إذاً هناك تقويم سنوي يعتمد دورة الأرض حول الشمس كوحدة قياس، وهناك تقويم شهري يعتمد دورة القمر حول الأرض كوحدة قياس، والسنة القمرية، كما الشمسية، ليس لها مدلول علمي كوني نمطي نعرفه. كما ليس لعبارة السنة الهجرية أو الميلادية أي دلالة علمية فلكية.

التقويم الشمسي كما القمري حاجة للبشرية، ففي التقويم الشمسي ضبط للمواسم وتنظيم لأمور الحياة الراتبة، وفي التقويم القمري اقتفاء لمواسم النسك في رمضان وأشهر الحج وغيرها، والتي جعلها الله طوافة على الفصول، ففي مدة ثلاثين عاماً يمكن للمرء أن يشهد النسك في كل مواسم وفصول العام.

التقويمان يكمل أحدها الآخر في نمط مبدع، وإنه لمن نعم الله علينا- نحن المسلمين- أن الله قد ربط نسكنا بالتقويم القمري، ولم يربطها بالتقويم الشمسي، وإلا حصل خلط ولغط، فإن الأمم التي اعتمدت التقويم المداري اضطرت إلى إسقاط أيام من تقويمهم فاختلطت عليهم مواقيتهم.

وثمة إشارة قرآنية مبهرة فيما تقدم. قال سبحانه: "إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق الله السماوات والأرض منها أربعة حرم" . الآية ذكرت عدة الشهور ولم تذكر عدة السنة أو السنة كما نعرفها اصطلاحاً، والمقصود بطبيعة الحال الشهور القمرية، "يوم خلق الله السماوات والأرض، منها أربعة حرم"، وهي: ذو القعدة، ذو الحجة، محرم ورجب.

ومن المفيد الإشارة هنا إلى أن الأشهر المذكورة في القرآن الكريم هي الأشهر القمرية، ويستحيل بحال من الأحوال أن يكون المقصود منها ما تعارف عليه الناس من الأشهر الغريغورية، لذا فإن المقصود من أن الحج أشهر معلومات، كما ورد في الآية في سورة البقرة، هو الأشهر القمرية، والمقصود بالأشهر الواردة بلا تحديد في كفارة القتل الخطأ، وهي صيام شهرين متتابعين، وكذلك عدة المرأة المتوفى عنها زوجها، وهي أربعة أشهر وعشرة أيام، كل ذلك مقصود فيه الأشهر القمرية بطبيعة الحال، وهي إما أن تكون 29 أو 30 يوماً حسب تحقق الرؤية في المكان والزمان المحددين، من عدمها.

وإذا كانت الإشارة القرآنية الأولى ذات دلالة متعلقة بالشهور التي خلقها الله، وعدتها وأيامها، فإن القرآن حوى إشارة أكثر إعجازاً حول الرابط بين التقويم الشمسي والتقويم القمري. قال تعالى: "ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازادوا تسعا" . المقصود هنا بطبيعة الحال السنة الشمسية، فأهل الكهف لبثوا في كهفهم، كما هو معروف في كتب التفسير، ثلاثمائة سنة، ولم يلبثوا ثلاثمائة وتسع سنين، ولو حصل ذلك لورد التعبير بصيغ غير تلك الواردة في القرآن، أي: تسع وثلاثمائة سنة، أو ثلاث مئة سنة وتسع سنين، أو ثلاثمائة وتسع سنين، لكن في "ازدادوا تسعا" إشارة إلى أن أهل الكهف لبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنة فقط، أما السنوات التسع فهي الفارق بين التقويم الشمسي والتقويم القمري!. فالسنة تساوي 365.2418967 يوماً، والثلاث مئة سنة تساوي 109,572.569 يوماً، فإذا قسمنا هذا العدد على 12، هي عدد الشهور القمرية، ثم قسمنا الناتج على العمر الزمني للشهر القمري، أي 29.55 يوماً، لكان الجواب 309.00 ولا أدق من ذلك. سبحان الله العظيم.. قال في كتابه الكريم: "وكل شئ فصلناه تفصيلا" .

نستنتج أن المَواطن التي ذكرت فيها السنة في القرآن الكريم هي السنة الشمسية، إلا موضعين جاءت عبارة السنة مقرونة بعبارة، "مما تعدون" أي أنها سنة بحسب ما نعده نحن. قال تعالى: "إن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون" ، وقال: "يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون" ، ولقد استنتج الباحثون مؤخراً أن الناتج لتقسيم المسافة التي يقطعها القمر في ألف سنة قمرية على زمن يوم أرضي هو 299792.5 كم في الثانية، وهي تماماً سرعة الضوء المستخلصة من القياسات العلمية الحديثة، وفي ذلك إشارة إعجازية جديدة وردت في الآيتين السابقتين، واللتين اقترنتا بعبارة "مما تعدون"، في إشارة إلى عدة الشهور، إي إلى السنة القمرية. سبحان الله العظيم .

وإذا كانت لفظة يوم تعني معنى محدداً، فإن لفظة سنة تحتمل أن تكون سنة شمسية أو سنة قمرية، لكن يلاحظ أن المَواطن التي ورت فيها لفظة سنة في القرآن عنت السنة الشمسية، وأن المواطن التي وردت فيها لفظة عام عنت السنة القمرية. انظر إلى قوله تعالى:"فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا" ومن المعلوم أن الآية تتحدث عن الحج وهو مرتبط بالسنة القمرية، وكذلك في قوله تعالى :"إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاماً" ، ومعلوم أن الآية تتحدث عن تلاعب المشركين بترتيب الأشهر الحرم وهي أشهر في السنة القمرية. في المقابل لم ترد في القرآن الكريم لفظة سنة إلا لتدل على السنة الشمسية كما يبدو واضحاً من السياق والقرائن. أنظر في قوله تعالى: "ولبثت فينا من عمرك سنين" ، على سبيل المثال لا الحصر.


الفصل الثاني: الحسابات الفلكية في الميزان
المبحث الأول: يسألونك عن الأهلة
المطلب الأول: هل الحسابات الفلكية وسيلة يقينية للتنبؤ بالرؤية؟
قال تعالى: "يسألونك عن الأهلة" ، ولأهمية هذه المواقيت التي ذكرها الله في كتابه، كان الناس يتتبعونها بالمشاهدة، ويبنون على هذه المشاهدة توقيت شهورهم وتالياً مناسكهم.

مع تطور العلم باتت هذه المواقيت اليوم علماً يقينياً سهلاً، ولقد أصبح بالإمكان أن نحسب المواقيت الزمانية لمنازل الهلال إلى ما دون الثانية، والمواقيت المكانية إلى ما دون الأنملة، كما أصبح بالإمكان القول إن الحسابات الفلكية أكثر مصداقية ودقة بملايين المرات من رؤية العين البشرية.

لقد رفض الفقهاء في الماضي الاعتماد على الحسابات لاختلاطها بالتنجيم والشعوذة، لكنها اليوم وسيلة يقينية، تقوم على أسس علمية مجردة، هدفها تحديد إمكانية الرؤية من عدمها، وبالتالي يستحيل من الناحية العلمية أن يولد الهلال في المكان والزمان الذي تقول الحسابات الفلكية بعدم إمكانية ولادته فيه، وإذا ما نصت الحسابات الفلكية على إمكانية الرؤية فهذا معناه ولادة الهلال يقيناً، على أن يبقى أمر مشاهدته من قبل الناس أمراً مرهوناً بهم وبالظروف المساعدة أو المعيقة لهم .

بناء على ما تقدم، هل أصبح بالإمكان الاستغناء عن الرؤية الشرعية واستبدالها بالحساب الفلكي، طالما أن الأول ظني والثاني قطعي في تحديد المواقيت؟ هذا ما سنعالجه في المطلبين التاليين، ولكن لا بد أولاً من المزيد من التوضيح حول هذه الحسابات اليقينية.

المطلب الثاني: التنبؤ بالرؤية عبر الحساب مسعى قديم
اعتمد الانسان منذ القدم على الحسابات أساساً لتحديد التقاويم وحساب الأشهر وبدايتها، واتخذت الحضارات القديمة الأشهر القمرية أساساً لتقاويمها كالبابليين والمصريين والصينيين والإغريق، وكان ذلك أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت علم الفلك إلى الأمام في تلك الحضارات. ولقد كانت القبائل العربية تُعنى بالرؤية من أجل تحديد الأشهر الحرم في أوقات الخصومات والحروب المستعرة بينهم ومن أجل مواسم الحج.

ومنذ ما قبل الإسلام والجهود العلمية منصبة على وضع معايير علمية للتنبؤ بإمكان رؤية الهلال، ولعل أشهر هذه المعايير ما كان معمولاً به حتى بداية القرن الماضي، وهو ما يسمى معيار الاثنتي عشر درجة، والمقصود بهذا المعيار من الناحية العملية أن رؤية الهلال تكون ممكنة مساء التاسع والعشرين من الشهر القمري، إذا كان غروب القمر يتأخر عن غروب الشمس بمقدار 12 درجة، أي بمقدار 48 دقيقة من الناحية الزمنية. وعلى هذا الأساس، وضعت الجداول من قِبَل علماء الفلك المسلمين، وقد يطلق على هذه الجداول، الأزياج، كزيج الخوارزمي وغيره. يعتمد هذا المعيار كما هو واضح على علاقة هندسية بين مواقع القمر والشمس والمشاهد من حيث الزمان.

هناك معيار آخر، يعرف بمعيار انخفاض الشمس، بحيث تكون رؤية الهلال ممكنة إذا كان انخفاض الشمس تحت الأفق الغربي عند غروب القمر يساوي مقداراً معيناً يبلغ نحو 9 درجات. يعتمد هذا المعيار كما هو واضح على درجة لمعان ضوء الشمس وأثره في الأفق بعد الغروب.

ونظراً لارتباط العبادات والمناسبات الدينية لدى المسلمين بالأشهر القمرية، فقد برز الكثير من علماء الفلك المسلمين، الذين تطرقوا الى مثل هذه الموضوعات، أشهرهم البتاني 850 – 929م والبيروني 972 – 1048م وناصر الدين الطوسي 1258 – 1274م وابن الشاطر المتوفى 1376م، وغيرهم. وفي القرن الماضي قام اللواء المصري محمد مختار باشا 1846-1897 بتأليف كتابه القيِّم "التوفيقات الإلهامية في مقارنة التواريخ الهجرية بالسنين الإفرنجية والقبطية من سنة 1 إلى سنة 1500 هجرية" .

في العام 1977 أحدث "فرانس برون" الباحث في المرصد الفلكي للجامعة الأمريكية في بيروت تطوراً نوعياً في هذه المسألة، حين تطرّق إليها من منظار فلكي فيزيائي، فركز على الظروف الحقيقية والخاصة بالمشاهد والتي لوحظ فيها قدرة العين البشرية على التقاط صور الأجسام الساطعة. وفي العام 1984، قام الفلكي الإسلامي الماليزي، محمد الياس، باقتراح معيار جديد حاول فيه التوفيق بين المعايير القديمة ومعيار برون السالف، من خلال رسمه للخط الزمني القمري أو International Lunar Dateline ( I.L.D.L )، وقد قسم العالم بناء لذلك إلى 3 مناطق تتحد في رؤية الهلال وهي: الأمريكتان، وأوروبا وأفريقيا وغرب آسيا، وشرق آسيا والمحيط الهادي . كما نشر الدكتور حميد مجول النعيمي، ومجموعته بقسم الفلك – كلية العلوم – جامعة بغداد في الثمانينيات دراسات في غاية الأهمية حول هذا العلم.

المبحث الثاني: الاختلاف حول وحدة المطالع
الخلاف حول مدى اعتبار وحدة المطالع قديم. مذهب الشافعية والصحيح عند الأحناف، وعكرمة ، والقاسم بن محمد ، وسالم ، وإسحاق بن إبراهيم ، أن لكل مطلع رؤيته وأنه لا يتبع أهل مطلع رؤية مطلع آخر، خلافاً للجمهور الذين لا يعتدون باختلاف المطالع، فمتى رأى الهلال أهل بلد، وجب الصوم على جميع البلاد، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، وهذا خطاب عام للأمة كلها أن تصوم بالرؤية، لا تخصيص فيه ببلد أو بقوم أو بعشيرة أو بحدود سياسية .

استدل الجمهور أيضاً بحديث ابن عمر قال: "تَرَاءَى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصامه وأمر الناس بصيامه" ، وعن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "إني رأيت الهلال". قال: "أتشهد أن لا إله إلا الله أتشهد أن محمداً رسول الله"، قال: نعم، قال: "يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدا" .

الشافعية استدلوا بحديث كُرَيْب عن ابن عباس ومُلَخَّصُه أن كُرَيْبَاً كان بالشام ورأى الهلال مع معاوية بن أبي سفيان ليلة الجمعة، ثم عاد إلى ابن عباس في الحجاز آخر شهر رمضان، فلما سأله ابن عباس متى رأيتم الهلال، قال: "رأيناه ليلة الجمعة"، فأخبره ابن عباس أنهم رأوه في الحجاز ليلة السبت، فقال له كريب: "ألا تكتفي برؤية معاوية وأصحابه" (وكان إذ ذاك هو الخليفة) فقال ابن عباس: "لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم" .

وقد رد الجمهور بأن هذا الحديث ليس صريحاً في إثبات اختلاف المطالع، وأنه يعبر عن فهم ابن عباس للحديث المعبر عنه بقوله: "هكذا أمرنا"، وفهم ابن عباس، وهو صحابي، ليس حجة عند جماهير العلماء إذا انفرد، سيما أن الحسن البصري علم برجل كان بمصر من الأمصار فصام يوم الإثنين وشهد رجلان أنهما رأيا الهلال ليلة الأحد، فقالا للحسن: "لا يقضي ذلك اليوم الرجل ولا أهل مصره إلا أن يعلموا أن أهل مصر من أمصار المسلمين قد صاموا يوم الأحد فيقضونه". وفي هذه الفتوى إثبات أن ما قاله ابن عباس إنما هو رأي ارْتآَه ، وفَهم فَهِمَه من الحديث وليس هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم نفسه كما قد يفهم البعض.

عموماً فإن كل أهل العلم ممن قالوا بهذا الحديث لم يعلقوا الرؤية بالحدود السياسية وإنما علقه بعضهم بمطلع الهلال وبعضهم ربطه بمسافة القصر، ولم يقل أحد من أهل العلم البتة أن الرؤية يعمل بها في إطار الحدود السياسية الجغرافية .

المبحث الثالث: هل يمكن أن تتضارب نتائج الحسابات الفلكية كما تتضارب نتائج الرؤية؟
المطلب الأول: ضبط الشهادة للتقليل من الخطأ في الرؤية
احتمال الخطأ وتوهم شيء يلمع في السماء على أنه الهلال أمر كان وما يزال وارداً، وما يجب لفت النظر إليه هو أنّ الأجواء والآفاق المحيطة بالكرة الأرضية في هذه الأيام تختلف اختلافاً كبيراً عما كانت عليه قبل قرون، نتيجة لعدة ظواهر طبيعية ناتجة عن سوء تعامل الإنسان مع الطبيعة، ولذلك من الضروري إعادة النظر في أسلوب التدقيق والتحقيق المتبع في قبول الشهادة أو رفضها.

إن الآفاق والأجواء المحيطة بالكرة الأرضية باتت ملوثة بالكثير من الأبخرة، والغازات والسحب الدخانية على اختلاف أنواعها ودرجاتها من دخان وضباب وبخار ماء، وغشاوة ضبابية، ولطخة، وسخام، ونفثات غازية متقطعة... وكلها تحمل مجموعة من الغازات مثل بخار الماء، وغاز الكلور الناتج عن تبخر مياه البحار والمحيطات، وأول وثاني أوكسيد الكربون الناتج عن احتراق البنزين من تحركات السيارات والطائرات، وثاني وثالث أوكسيد الكبريت الناتج عن محطات توليد الطاقة الكهربائية ومحطات تكرير النفط، والهيدروجين الكبريتي الناتج عن تفاعل ثاني أوكسيد الكبريت في الفضاء مع بخار الماء في تأثير الأشعة فوق البنفسجية وأول وثاني أوكسيد النيتروجين، ولا يخلو حالياً أفق أو جزء من أجواء الأرض مهما بدا نقياً وصافياً من آثار هذه الغازات السابحة في الافق الغربي على شكل ريشة تبدو لعين الناظر بعد مغيب الشمس كأنها هلال، لأنها بسبب كثافتها المختلفة عن كثافة الهواء وارتفاعها فوق الأفق تعكس أشعة الشمس بعد المغيب وترتفع هذه الشذرات الشاردة من سطح الأرض إلى أعالي الجو على شكل تدفق ريشي بسبب حركة الأرض حول نفسها من الغرب إلى الشرق. ويمكن للراصد في هذه الأيام أن يشاهد بالعين المجردة في كل ليلة من ليالي الشهر أهلّةً وهمية إذا أمعن النظر بعد مغيب الشمس في كل بلدان العالم تقريباً. هذا إضافة إلى "التلوث الضوئي"، وهو النور الذي ينتشر في الجو فوق المدن المنارة بالمصابيح الكهربائية في الشوارع والطرقات وأمام المنازل والمصانع وما شابه ويؤدي إلى إحداث توهج في الفضاء الذي ينعكس عن بعض الريشات الغازية من الضباب الرقيق التي تأخذ شكل خيط دقيق من النور يشبه الهلال. كما أن تواجد آلاف الأقمار الصناعية المصنوعة من مادة معدنية مصقولة ولامعة وعاكسة للنور، والتي تدور بشكل مستمر وبسرعة متباينة تصل أحياناً إلى سرعة دوران الأرض حول نفسها قد يوقع في اللبس .

إن العوامل المتقدمة توجب على الجهات الشرعية التي تتولى الحكم على شهادة الشهود في مسألة الرؤية أن تأخذ ذلك بعين الاعتبار، وهي إن كانت مصرة على الرؤية لا الحساب، -خلافاً لما انتصرنا له في الفصل السابق- إلا أن التشدد في قبول الشهادة بات أولى.

على سبيل المثال لا الحصر فإنه لم يعد مقبولاً الأخذ بقول شهود عدول ادعوا رؤية الهلال من مكان ما، إذا شهد عدول آخرون بأنهم رصدوا الهلال في نفس المكان ولم يروه، كما لم يعد مقبولاً الأخذ بقول الشاهد الواحد في المسألة ولو كان عدلاً، لا غبار في عدالته، في إثبات هلال رمضان، وهو أمر مختلف به أصلاً بين أئمة المذاهب، خصوصاً أن غالبية الفقهاء اكتفوا بشهادة العدل الواحد في دخول شهر رمضان، أما ما يخص إثبات الهلال لعيد الفطر فقد اجمع الفقهاء على وجوب شهادة شاهدين. كما لم يعد مقبولاً عدم اعتبار الحسابات الفلكية، بالحد الأدنى في النفي، وبالتالي رد شهادة الشهود إذا كانت شهادتهم تتعارض مع الحسابات الفلكية التي تقطع باستحالة الرؤية، قياساً على ما كان فقهاؤنا قد قرروه برد شهادة الشاهد التي تتعارض مع شهادة شياع النفي أو مع التعارض مع الواقع. لقد شدد فقهاؤنا على ضرورة تحقق: البلوغ، والإسلام، والعدالة، وسلامة الحواس، كشروط لازمة لقبول الشهادة برؤية الهلال، لكن المعرفة بحد أدنى من العلم المتعلق بالهلال ومنازله وأوضاعه باتت مطلوبة أيضاً .

المطلب الثاني: التضارب في نتائج الحسابات الفلكية
إن انتظام حركة القمر جزء من النظام الفيزيائي الكوني الذي خلقه الله تعالى وجعله مرتبطاً ببعضه بدقة متناهية، ولم يحصل في تاريخ الاتحاد العالمي لعلماء الفلك الذي يضم في عضويته آلاف العلماء أيُّ اختلافٍ حول تعيين وقت دخول وخروج القمر من المحاق. لقد بلغت دقة الحسابات الفلكية وبمساعدة من أجهزة الحاسب الإلكتروني أنها باتت قادرة على حساب كافة التأثيرات الجذبية الطفيفة التي يتعرض لها القمر من قبل كل من الشمس والأرض والكواكب السيارة القريبة من الأرض على حركة ومدار القمر. مع ذلك فإننا نسمع إلى اليوم حسابات فلكية غير متوافقة أحياناً، فما هو سر ذلك؟!.

إن هذه الاختلافات ناتجة عن استخدام الطرق المختلفة فيما بين الفلكيين لتعيين أوائل الشهور، وهي ليست ناتجة عن خطأ أو قصور في قدرة الحسابات نفسها، أي أن الاختلاف ليس بسبب الحسابات، ولكن بسبب اختلاف في التعاريف التي تقوم عليها الحسابات، فلو اتفق الفلكيون على طريقة الرؤية وحسبوا موقع القمر بناءً عليها، لاتفقوا جميعاً على مكان واحد وزمان واحد لغروب الهلال قبل أو بعد الشمس.

إذاً، إن الاختلافات الظاهرة لا تعود إلى خطأ أو قصور في الحساب ودقته، ولكن تعود إلى المعيار المعتمد من قبل الجهة القائمة على الحسابات، أو إلى القراءة غير المختصة لتقارير هذه الجهات، حيث أن الأغلب في التقارير الحسابية الفلكية أنها واحدة، لكن عرضها وقراءتها مختلف. أضف إلى ذلك تباعد البلاد الإسلامية فيما بينها، ما يتيح إمكانية الاختلاف العلمي المبرر بين المناطق المتباعدة على الكرة الأرضية. كما أنه في في بعض البلاد الإسلامية يتم تعيين أوائل هذه الشهور القمرية بالحساب، حيث تقيم حساباتها على أساس وقت المحاق وعندها تعلن أول الشهر القمري، -أي وفق المعيار البابلي القديم-، وفي بلاد أخرى يُعتمد الزمن الذي يمكن أن يُرى فيه الهلال، وعندها تعتبر الأيام التي تلي أيام الرؤية أول الشهور المذكورة- وهي الطريقة الشرعية الصحيحة-، بينما تعتمد دول أخرى على الرؤية فقط كما في السعودية حيث المعتمد هو الرؤية البصرية بعيداً عن الجدال الفلكي بحيث يشهد من يرى الهلال أمام مجلس القضاء الأعلى، ويبنى الحكم بناء لذلك، وهناك بلاد إسلامية أخرى (تركيا على سبيل المثال) تعتمد على قرار اللجنة الفقهية للمؤتمر الإسلامي الذي عقد في مدينة "إسطنبول" عام 1978م بشأن شروط رؤية الهلال، وهي:
1 - ألا تقل زاوية ارتفاع الهلال عن الأفق في لحظة غروب الشمس عن 5 درجات قوسية.
2 - ألا يقل بعد القمر الزاوي عن الشمس عن 8 درجات قوسية.
وعندما تظهر الحسابات الفلكية تطابق هذه الشروط أو أحسن منها، فسوف يتم اعتبار اليوم التالي لتوفر هذه الشروط هو بداية ذلك الشهر القمري .

وعموماً فإن الإشكالات الناتجة عن المعايير المختلفة في الحسابات الفلكية، وطريقة عرض النتائج مسألة تحتاج إلى حسم، وهو أمر ليس بالصعب أبداً ، إذ ينبغي للجهات المسؤولة عن إعداد التقاويم أو تحديد بدايات الأشهر القمرية في الدول الإسلامية اعتماد معيار يأخذ إمكانية رؤية الهلال بعين الاعتبار، بحيث يشترط غياب الهلال بعد غروب الشمس كدلالة على دخول الشهر، فلو غرب الهلال قبل الشمس لما اعتبر ذلك دليلاً لدخول الشهر حتى وإن كان الهلال قد ولد فلكياً قبل الغروب .

ولتحديد بداية الشهر القمري وفق المعيار الإسلامي، يجب تحديد الشروط اللازمة التي تسمح للعين المجردة بتمييز هلال الشهر الجديد، وهناك عوامل كثيرة تؤثر على عملية الرؤية هذه أهمها:
1 - عمر الهلال وبعده الزاوي عن قرص الشمس.
2 - ارتفاع الهلال عن مستوى الأفق وقت الغروب.
وقد تم التأكيد على هذه الشروط من قبل الدكتور محمد إلياس، والدكتور حميد مجول النعيمي، والدكتورمسلم شلتوت، وغيرهم .

المبحث الرابع: الشهر عند الله والشهر عند الناس
المطلب الأول: ما كان الله ليضيع إيمانكم
الخطأ في أي من العبادات وارد، كما الخطأ في تقدير بداية ونهاية الشهور، ولا سيما هلال رمضان وذي الحجة، فهل هذا يعني ذهاب العمل؟ وهل إذا تبين أن الوقوف في عرفة لم يكن في وقته الصحيح بناء على الخطأ في احتساب الشهر، فيعني ذلك حكماً أن ملايين الحجاج لم يحجوا؟

الجواب طبعا لا، قال تعالى "وما كان الله ليضيع إيمانكم" ، فما على العباد سوى الاجتهاد، وما يعتبرونه بناء على هذا الاجتهاد صحيحاً، فهو عند الله كذلك، قال تعالى : "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" .

أكثر من ذلك فإن العلماء قالوا بأنه لا يجوز لمن رأى الهلال أن يفطر إذا كان قومه صائمون ولسبب ما لم يستطع أن يبلغهم، ومعنى ذلك أن الوحدة في المشاعر والمناسك مقدمة على الصحة في الحساب. إلى هذه الدرجة حرص الإسلام على جمع الناس في عبادتهم. عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون" . وهكذا فإن حكم الصوم والفطر مرتبط بالناس وحكم الحج مرتبط بالناس، وقد ورد في الحديث عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون" .

إنه لمن القواعد المقررة عند أهل العلم أن المسلم،- في ظروف معينة-، يمكن أن يصيب أجر العامل دون أن يعمل، وأجر العابد ولو لم يتعبد، وأجر المجاهد ولو لم يجاهد. قال رسول: "إن في المدينة أقواماً ما صعدنا جبلاً ولا نزلنا وادياً إلا كانوا معنا حبسهم العذر" . وفي الحديث دليل واضح على إمكانية أخذ الأجر بغير إصابة العمل إن علم الله منا توفر النية وتحري الفعل ولكن عدم القيام به لعذر كعذر الخطأ في التقدير.

وبالأساس فإن كافة الأحاديث التي تحض على الرؤية، تحض بالوقت عينه على التقدير، والتقدير يحتمل الخطأ والصواب، كما إتمام الشهر بسبب الغُم، فقد يكون الهلال مولوداً ولكن لم تتحقق رؤيته لألف سبب وسبب، ومع ذلك تصح المناسك والعبادات وتقع في أوقاتها وينال المسلمون الأجر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له" .

لقد كان المسلمون فيما مضى يعيّدون في بلد، فيما يكون الآخرون في بلد مجاور صائمين، فلا يعيب هؤلاء على هؤلاء، والكل مقبول صومه وفطره عند الله. وقد قرره الفقهاء بشأن الخطأ في التقدير أن لا إعادة على الأمة ولا إثم.

يقول العلامة يوسف القرضاوي: "الخطأ في مثل هذه الأمور مغتفر، فلو أخطأ الشاهد الذي شهد بأنه رأى هلال رمضان، أو شوال، وترتب عليه أن صام الناس يومًا من شعبان أو أفطروا يومًا من رمضان، فإن الله تعالى أهلٌ لأن يغفر لهم خطأهم، وقد علمهم أن يدعوا فيقولوا: ربنا لا تُؤاخِذْنا إن نَسِينا أو أخطأنا. حتى لو أخطأوا في هلال ذي الحجة، ووقفوا بعرفة يوم الثامن أو العاشر، في الواقع ونفس الأمر، فإن حجهم صحيح ومقبول، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره. وقـد ثبتَ عـن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قـال: صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وقد روى أبـو داود هذا الحديث تحت عنوان: باب إذا أخطأ القوم الهلال. وقال الإمام الخطابي: معنى الحديث أن الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قومًا اجتهدوا، فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين، فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعة وعشرين، فإن صومهم وفطرهم ماضٍ، فلا شيء عليهم من وزر أو عنت، وكذلك هذا في الحج إذا أخطأوا يوم عرفة، فإنه ليس عليهم إعادته ويجزيهم أضحاهم كذلك، وإنما هذا تخفيف من الله سبحانه ورفق بعباده.

المطلب الثاني: وحدة المطالع والوحدة الإسلامية
لقد تبين لنا ما سبق أهمية اتباع الناس في البلد الواحد، وحض الإسلام على ذلك، وبناء على ذلك فعلى المسلم أن يلتزم مع أهل البلد الذي يقيم معهم، حتى أنه لو سافر إلى بلد آخر فوجد الناس مفطرين أو صائمين خلافاً لحال بلده الذي جاء منه، التزم معهم في صومهم أو فطرهم، والمسألة لا علاقة لها بالتقسيمات السياسية أو الجغرافية، بقدر ما تنسجم مع ضرورة حفظ وحدة المسلمين في أداء النسك والعبادات والشعائر وتجنب الفتنة، والإحراج بأن يكون فلان مفطراً وغيره صائماً.

لو افترضنا قيام فرد أو فئة من المسلمين، تصوم مع أول من يعلن الصيام وتفطر مع أول من يعلن الفطر، بدعوى أن الأمة الإسلامية أمة واحدة، وهي أمة لا تعترف بالتقسيمات السياسية التي وضع المحتل المستعمر في أغلبها، وأن المطالع بين البلدان الإسلامية واحدة، فهل يصح هذا التصرف؟

بطبيعة الحال لا، لأن هذا السلوك سيؤدي إلى فتنة، وضياع الوحدة التي يظن هؤلاء بأنهم يسعون إليها، فإذا بهم ومن خلال سعيهم إلى توحيد الأمة كلها، يفرطون بوحدة أهل البلد الذي يعيشون فيه!، وبالتالي لا تتحقق الغاية التي يريدونها، بل يتحقق عكسها. ولذلك فقد قال العلماء إنه لو سافر المسلم إلى أهل بلد فالتزم معهم العيد خلافاً لبلده الأصلي وجاء رمضان 29 يوماً، فكان مجموع أيام صومه 28، فعليه أن يعيّد معهم، على أن يقضي يوماً واحداً بعد رمضان. إلى هذه الدرجة شدد الإسلام على الوحدة، وتجنب الفتنة.

من جهة أخرى فإن مسألة اختلاف المطالع هي محل اختلاف بين أهل العلم منذ عهد بعيد، فمن العلماء من يرى أن لا عبرة باختلاف المطالع، وأن على المسلمين جميعاً أن يصوموا إذا ثبتت رؤية الهلال في بلد، والرأي الآخر في المسألة وهو أن لكل بلد رؤيتهم كما قال به جماعة من أهل العلم، والمسألة مسألة اجتهادية محتملة، وقد استدل كل فريق بأدلة من الكتاب والسنة والقياس، وقد رجح الدكتور حسام الدين بن موسى عفانه، في موسوعته: "يسألونك" القول الأول بعد النظر في أدلته، ولعل الصواب هو ما ذهب إليه الدكتور عفانة ولا سيما في زماننا بعدما تطورت وسائل الاتصال .

يقول العلامة يوسف القرضاوي: "إن السعي إلى وحدة المسلمين في صيامهم وفطرهم، وسائر شعائرهم وشرائعهم، أمرٌ مطلوب دائماً، وإذا لم نصل إلى الوحدة الكلية العامة بين أقطار المسلمين في أنحاء العالم، فعلى الأقل يجب أن نحرص على الوحدة الجزئية الخاصة بين أبناء الإسلام في القطر الواحد، فلا يجوز أن نقبل بأن ينقسم أبناء البلد الواحد، أو المدينة الواحدة، فيصوم فريقٌ اليوم على أنه من رمضان، ويفطر آخرون، فمن المتفق عليه أن حكم الحاكم، أو قرار ولي الأمر يرفع الخلاف في الأمور المختلف فيها، فإذا أصدرت السلطة الشرعية المسؤولة عن إثبات الهلال في بلد إسلامي ـ المحكمة العليا، أو دار الإفتاء، أو رئاسة الشؤون الدينية، أو غيرها ـ قرارها بالصوم أو بالإفطار، فعلى مسلمي ذلك البلد الطاعة والالتزام؛ لأنها طاعة في المعروف، وإن كان ذلك مخالفاً لما ثبت في بلد آخر، فإن حكم الحاكم هنا رجح الرأي الذي يقول: إنَّ لكل بلد رؤيته .

الفصل الثالث: بين الرؤية الشرعية والحسابات الفلكية
المبحث الأول: حجج المتمسكين بالرؤية الشرعية
يعتمد الرافضون للحسابات الفلكية على الحديث المتفق عليه: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ، الشهر هكذا وهكذا"، يعني تسعة وعشرون وثلاثون. ويضيفون إلى الحديث ما نقل عن ابن تيمية في مجموع الفتاوى، وعن معظم العلماء المتقدمين، عدم اعتبارهم أقوال أهل الفلك والحساب في إثبات الرؤية. ويستنبطون من الحديث وأقوال الفقهاء بأن إثبات الهلال لا يكون إلا بالرؤية، ولا يعتمد على الحساب في ذلك، على اعتبار أن المقصود بالكتابة والحساب في الحديث هو العلوم التي تؤهل صاحبها لعمل الحساب الفلكي، وليس مجرد الكتابة، وبما أن هذا الأمر قليل، حتى في أيامنا هذه، فإنه لا يصح الاعتماد على حسابات الفلكيين، حتى لو كانت صحيحة لأن الشارع لا يُعَلِّقْ الحكم الشرعي على علم يختص به بعض العباد!. ويقر هؤلاء بدقة الحسابات الفلكية لكنهم يبدون التخوف من خطأ الحاسب لا الحساب، فكيف نترك القطعي للظني؟ وكيف ندع رؤية الهلال المتيسرة لجميع الأمة في حين أن الحسابات الفلكية لا تتيسر إلا للخاصة من أهل الاختصاص والخبرة؟ .
المانعون استدلوا أيضاً بحديث "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، فقالوا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حدد في هذا الحديث الطريقة الشرعية التي يكون بها الصوم والإفطار، فهذا الحديث عندهم يدل على عدم جواز العمل بالحسابات الفلكية في إثبات هلال رمضان، وكذلك لدلالة النص الآخر: "لا تصوموا إلا لرؤية الهلال".
وفي معرض ردهم على تشبيه دخول الشهر بدخول وقت الصلاة، لناحية الاعتماد على الحساب لا الرؤية، استشهدوا بقوله تعالى: "أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا" للقول بأن التثبت من رؤية الشمس غير مطلوب ولكن المطلوب هو إدراك الوقت، خلافاً لأمر الهلال، فإذا علمنا بدخول وقت الصلاة بأي طريقة كانت، جاز لنا اعتمادها والصلاة بناء عليها، ولهذا يقبل علماء الشريعة بالحساب الفلكي في تحديد أوقات الصلاة، في حين أن دخول الشهر ربطه الشارع بالرؤية، لا بخروج الهلال، ولو كان بالأخير لجاز الأخذ بالحساب، والقاعدة الأصولية تقول: "العلم الصحيح لا يناقض النص الصريح" .

المبحث الثاني: المتمسكون بالحسابات الفلكية
المطلب الأول: حجج المتمسكين بالحسابات الفلكية
للمتمسكين بالحسابات الفلكية رأي يخالف أولئك الذين يصرون على تحقق الرؤية الشرعية. من وجهة نظر هؤلاء فإن زمن الرؤية ولى تماماً، كما ولى زمن ترقب الناس للشمس لتحديد مواعيد صلاتهم، وكما استطعنا أن نحدد مواقيت الصلاة والسحور والإفطار إلى ما دون الثانية، على أي بقعة على وجه الأرض بعدما كنا نرقب الشمس كي نعرف وقت الصلاة والسحر والفطر، فأصبحنا ننظر إلى الساعة ونقرر بناء على ذلك، فإنه بالإمكان أن نحدد الشهور القمرية في أية بقعة في العالم بناء على الحساب الفلكي اليقيني، بلا أي شكل من أشكال الترقب للأهلة.

من وجهة نظر هؤلاء العلماء فإنه لا يجوز لنا اليوم أن نترك العلم اليقيني المتعلق بولادة الشهر القمري، ونذهب إلى الرؤية التي يحتمل فيها الخطأ بشدة لألف سبب وسبب، وإذا كان سلفنا معذور في اعتماده على الرؤية لعدم وجود البديل اليقيني، فإنه لا عذر لنا اليوم وقد بات بمقدورنا تحديد لحظة ولادة الهلال بنسبة خطأ لا تزيد عن واحد في المليون، ثم نشر الخبر عبر وسائل الإعلام بثوانٍ معدودة. هذا من حيث العقل.

من حيث النقل فإن هؤلاء العلماء يجدون كل النصوص ذات الصلة – وخلافاً للعلماء المتمسكين بالرؤية-مؤيدة لرأيهم:

قال تعالى: "هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب، ما خلق الله ذلك إلا بالحق، يفصل الآيات لقوم يعلمون" . وقال:"وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب، وكل شيء فصلناه تفصيلا" ، فقد قدر الله منازل القمر ليعلمنا ويرشدنا إلى تعداد السنين ومعرفة الحساب أي لنصل إلى العلم اليقيني، والعلم اليقيني هو العلم المبني على الحسابات الفلكية اليوم، لا على الرؤية الشرعية.

وفي الأحاديث أدلة أيضاً:
قال صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأَيتموه فأفطروا. فإن غُمي عليكم فاكملوا عدة شعبان ثلاثين" . وقال أيضاً: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له" .وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم الشهر، فأكملوا العدة ثلاثين" .

وفق هؤلاء العلماء لم يخل حديث من هذه الأحاديث المتقدمة إلا وأشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى احتمال تعذر الرؤية، كما لم تخل الأحاديث من طلب واضح بأن تقدر الأمة للهلال قدره، بناء على احتمال تعذر الرؤية، وهو الأعم الأغلب، وأعلى التقدير كما هو معروف الحساب الفلكي، وهو أوجب من مجرد التخمين، وعليه فإن ما لا يتحقق الواجب إلا به فهو واجب، وإذا كان التماس الهلال لتحديد النسك واجب، فإن اعتماد الحساب واجب أيضاً، لأن العلم اليقيني لا يتحقق إلا به.

كما أن من القواعد الشرعية المعروفة اختيار الأسهل دائماً في الخيار بين الأمر ما لم يكن في ذلك ضرر أو مخالفة شرعية، لما عرف من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، أنه كان يختار أيسر الأمور وأهونها "ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما"، وقد وصفه القرآن الكريم بقوله سبحانه "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم" ، وأن التوجيه الإلهي لأمة محمد صلى الله عليه وسلم هو: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" . وعلى هذا الأساس لم يكن من المعقول أن تقرر الشريعة وسيلة أخرى لم تكن بحسبانهم أو في مقدورهم، فكانت الرؤية، وبالمعيار نفسه ليس من المعقول أن يبقى الحكم على ما هو عليه من اتباع للرؤية وإهمال للحساب اليقيني والأيسر.

هذا ونقل القليوبي من فقهاء الشافعية عن العبادي قوله: "إذا دل الحساب القطعي على عدم رؤية الهلال لم يقبل قول العدول برؤيته، وترد شهادتهم". ثم قال القليوبي: "هذا ظاهر جلي، ولا يجوز الصوم حينئذ، وإن مخالفة ذلك معاندة ومكابرة" . وقد كان هذا في القرن السابع عشر الميلادي، فكيف والحال أن الحسابات باتت يقينية في القرن الحادي والعشرين، وهل من عذر لنا اليوم في رفض نتائج هذه الحسابات، وقد أخذ بها علماؤنا من مئات السنين.

وقد ذهب أبو العباس بن سريج من أئمة الشافعية، إلى أن الرجل الذي يعرف الحساب، ومنازل القمر، إذا عرف بالحساب أن غداً من رمضان فإن الصوم يلزمه، لأنه عرف الشهر بدليل، فأشْبَهَ ما إذا عرف بالبينة، لأنه سبب حصل له به غلبة ظن، فأشبه ما لَوْ أخـبره ثقة عن مشاهدة، وقال غيره :يجـزئهُ الصـوم ولا يلزمه، وبعضهم أجاز تقليده لمن يثق به.

ويرفض هؤلاء العلماء أن الحسابات غير متيسرة إلا للخاصة وبالتالي لا يجوز الاعتماد عليها، بالاستشهاد بأقوال لابن قتيبة وابن سريج وابن السبكي في جواز ذلك، أسوة بالعديد من القضايا الشرعية التي يبنى الحكم فيها على ما تجيده فئة مختصة في الأمة.

وللحق فإن هذا النهج ذو وجاهة واضحة، أفليس من العجيب أن القوانين التي استخدمها علماؤنا الأوائل أمثال: البتناني والطوسي والبزجاني في علم الفلك ما زالت تستخدم حتى اليوم من قبل وكالة الفضاء الأميركية -"ناسا"، في حين أن بعضنا يرفض الاعتماد على الحسابات الفلكية؟!. أليس من العجيب أن نرفض الحساب الذي اعتمده أجدادنا منذ مئات السنين وحددوا بواسطته بدقة حسابية متناهية شروق الشمس وغروبها يومياً وشروق القمر وغروبه يومياً ومواعيد خسوف القمر وكسوف الشمس، من خلال وسائل بدائية، كالأزياج (مفرد زيج) والحلقة الاعتدالية وذات الجيب وذات النقطتين وعصا الطوسي، وكلها وسائل بدائية لكنها تدل على عظمة فكرية؟! .

المطلب الثاني: أقوال العلماء المعاصرين ممن يعتمد على الحسابات الفلكية
علماء هذا الزمان الذين يأخذون بالحسابات الفلكية كثر، ومنهم مجموعة اهتمت بالدراسات المتعلقة بالفلك والشهور القمرية، وعلى رأس هؤلاء العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، الذي يعتبر أن "الحساب القطعي اليوم وسيلةً لإثبات الشهور، ويجب أن يقبل من باب قياس الأولى، بمعنى أن السنة التي شرعت لنا الأخذ بوسيلة أدنى، لما يحيط بها من الشك والاحتمال -وهي الرؤية- لا ترفض وسيلة أعلى وأكمل وأوفى بتحقيق المقصود" .

ويقول العلامة يوسف القرضاوي رداً على من يقول برد الحساب بدعوى أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا باعتبار الرؤية في إثبات الشهر، "إن هذا الكلام فيه شيء من الغلط أو المغالطة، لأمرين: الأول: أنه لا يعقل أن يأمر الرسول بالاعتداد بالحساب، في وقت كانت فيه الأمة أمية، لا تكتب ولا تحسب، فشرع لها الوسيلة المناسبة لها زمانًا ومكانًا، وهي الرؤية المقدورة لجمهور الناس في عصره.الثاني: أن السنة أشارت بالفعل إلى اعتبار الحساب في حالة الغيم، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: فإن غم عليكم فاقدروا له، وهذا القَدْر له أو التقدير المأمور به، يمكن أن يدخل فيه اعتبار الحساب لمن يحسنه .

من هؤلاء أيضاً العلامة الشيخ الدكتور مصطفى أحمد الزرقا رحمه الله، حيث قال: "لا أجد في اختلاف علماء الشريعة المعاصرين اختلافًا يدعو إلى الاستغراب بل إلى الدهشة أكثر من اختلافهم من جواز الاعتماد شرعًا على الحساب الفلكي في تحديد أوائل الشهور القمرية في عصر ارتاد علماؤه أجزاء من الفضاء الكوني وأصبح من أصغر إنجازاتهم النزول على القمر. وإذا كان الرصد الفلكي وحساباته من الزمن الماضي لم يكن له من الدقة والصدق ما يكفي للثقة به والتعويل عليه، فهل يصح أن ينسحب ذلك الحكم إلى يومنا هذا؟ إن النظر إلى جميع الأحاديث النبوية الصحيحة الواردة في هذا الموضوع يبرز العلة السببية في أمر الرسول –صلى الله عليه وسلم- بأن يعتمد المسلمون في بداية الشهر ونهايته رؤية الهلال بالبصر لبداية شهر الصوم ونهايته، ويبين أن العلة هي كونهم أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، وهذا يدل بمفهومه أنه لو توافر العلم بالنظام الفلكي المحكم الذي أقامه الله تعالى بصورة لا تختلف ولا تتخلف، وأصبح هذا العلم يوصلنا إلى معرفة يقينية بمواعيد ميلاد الهلال في كل شهر وفي أي وقت، تمكن رؤيته بالعين الباصرة إذا انتفت العوارض الجوية التي قد تحجب الرؤية؛ فحينئذ لا يوجد مانع شرعي من اعتماد هذا الحساب والخروج بالمسلمين من مشكلة إثبات الهلال، ومن الحالات التي أصبحت مخجلة بل مذهلة حيث يبلغ فرق الإثبات للصوم والإفطار بين مختلف الأقطار الإسلامية ثلاثة أيام. إن الفقهاء الأوائل لم يعتمدوا الحساب المبني على الحدس والتخمين، ولم يكن في وقتهم علم للفلك قائمًا على رصد دقيق بوسائل محكمة .

بدوره لخص العلامة الشيخ محمد المختار السلامي، المسألة بضرورة:
- أن يعتبر الحساب وسيلة يقينية لثبوت دخول الشهور القمرية ونهايتها.
- وأن العبرة بوضع القمر وضعاً تمكن رؤيته.
- وأن كل دعوى رؤية تخالف الحساب هي دعوى مرفوضة يكذب صاحبها شأن الشهادة بما يخالف الواق.
- وأن القصد هو العمل على توحيد المسلمين في أعيادهم وفي صومهم ونسكهم .

وكانت صدرت فتوى للدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية، جاء فيها: إن الرؤية في اللغة العربية من أفعال العلم وليست من أفعال الإدراك البصري فقط, فالعلم المتواصل إليه بالبصر والحساب والكاميرات والأقمار الصناعية شيء يمكن أن يصل بنا إلى الإدراك، ونتيجةً لما يصيب الأرض من تلوثٍ مستمرٍ فإننا بعد عشر سنوات مثلاً، قد لا نستطيع رؤية الهلال رغم أننا على يقينٍ تام من وجوده، ولذلك فإن هناك العديدَ من المؤتمرات قررت بالإجماع أن تحديد بداية الشهور العربية بالحساب الفلكي أمر قطعي في ثبوت بداية الشهر .

بدوره أفتى المجلس الأوروبي للافتاء والبحوث أنه يثبت دخول شهر رمضان، أو الخروج منه بالرؤية البصرية سواء أكانت بالعين المجردة أم بواسطة المراصد شرط ألا تنتفي إمكانية الرؤية في أي قطر من الأقطار بواسطة الحساب الفلكي، فإذا جزم هذا الحساب باستحالة الرؤية المعتبرة شرعًا في أي بلدٍ فلا عبرةَ بشهادةِ الشهود التي لا تُفيد القطع وتحمل على الوهم أو الغلط أو الكذب، وذلك لأن شهادة الشهود ظنية وجزم الحساب قطعي، والظن لا يقاوم القطعي فضلاً عن أنه يقدم عليه باتفاق العلماء .

المطلب الثالث: الأخذ بالحساب الفلكي في النفي فقط
ثمة فريق من العلماء المعاصرين حاول التقريب بين من يدعو لرد الحساب، أو اعتماده عند تعارض نتيجته مع الرؤية، وبين من يدعو لاعتماد الحساب وحده وترك الرؤية.
يتمثل رأي هؤلاء العلماء، وعلى رأسهم العلامة يوسف القرضاوي، والعلامة مصطفى الزرقا ، بالأخذ بالحساب الفلكي القطعي في النفي لا في الإثبات، "تقليلاً للاختلاف الشاسع الذي يحدث كل سنة في بدء الصيام وفي عيد الفطر"، وهو موقف دار الإفتاء المصرية أيضاً.

ومفاد الأخذ بالحساب في النفي أن نظل على إثبات الهلال بالرؤية، ولكن إذا نفى الحساب إمكان الرؤية، وقال إنها غير ممكنة، لأن الهلال لم يولد أصلاً في أي مكان من العالم الإسلامي، كان الواجب ألا تقبل شهادة الشهود بحال، لأن الواقع الذي أثبته العلم الرياضي القطعي يكذبهم، وفي هذه الحالة لا يطلب ترائي الهلال من الناس أصلاً، ولا تفتح المحاكم الشرعية ولا دور الفتوى أو الشؤون الدينية أبوابها لمن يريد أن يدلي بشهادة عن رؤية الهلال.

وقد ذكر أحد كبار الفقهاء الشافعية، وهو الإمام تقي الدين السبكي (ت 756هـ(، في فتاواه أن الحساب إذا نفى إمكان الرؤية البصرية، فالواجب على القاضي أن يرد شهادة الشهود، لأن الحساب قطعي والشهادة والخبر ظنيان، والظني لا يعارض القطعي، فضلاً عن أن يقدم عليه .

وقد كان للشيخ محمد مصطفى المراغي، شيخ الأزهر الشهير في وقته رأي ـ حين كان رئيسًا للمحكمة العليا الشرعية ـ مثل رأي السبكي، برد شهادة الشهود إذا نفى الحساب إمكان الرؤية.

المطلب الرابع: الانتصار للحسابات الفلكية، إثباتاً ونفياً
مما تقدم يتضح لنا أهمية وجدوى الأخذ بالحسابات الفلكية في مسألة إثبات الهلال، وهو ما نرى وجوب الانتصار له في زماننا هذا استناداً إلى الأدلة الفقهية المعتبرة، وفتاوى علماء كبار في الأمة، والتفكير العلمي السليم.

إن النص على وسيلة ما لحكم شرعي ما لا ينفي جواز اعتماد وسيلة أخرى إذا كانت تحقق المقصود، ومن ذلك أن الله نص في قوله "وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا" فلا يعقل أن يقال بأن الحج بالسيارة أو الطائرة لا يصح لأن النص حصر وسيلة السفر بما ورد في الآية، وأما قولهم بأن الحسابات الفلكية ظنية في نتائجها، والرؤية قطعية، فإن هذا ينطبق على العصور السابقة، أما وقد أصبح الفلك علماً والحسابات الفلكية تتم بشكل دقيق ويقيني فإن الأمر اختلف عما كان عليه سابقاً.

أما القول إن الرؤية ميسورة للعامة، والحسابات الفلكية لا تكون إلا للخاصة فهذا يرد عليه أن رؤية الهلال في ساعاته الأولى لا تكون ميسورة لجميع الناس، وبناء عليه فإن النص لم يتوجه للكافة، وإنما إلى مجموعة خاصة يمكنها تطبيق النص، وكذلك الحسابات الفلكية فهي متاحة للخاصة، ويمكن الاطلاع على نتائجها من خلال وسائل الإعلام.

أما الاستدلال بحديث "نحن أمة أمية.." فهو وصف للأمة في زمانه وقد ارتفع هذا الوصف عن هذه الأمة، وبمفهومه المخالف فإنه يؤيد القول بجواز الاستدلال بالحسابات الفلكية على ثبوت هلال رمضان .

إن دلالة قوله تعالى "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " تحثنا على الرجوع لأهل الاختصاص والخبرة، عن طريق الحسابات الفلكية ذات النتائج اليقينية.

المبحث الثالث: هل يمكن توحيد التقويم القمري؟
المطلب الأول: مشروع التقويم القمري الموحد
في الحقيقة، واستناداً إلى جوهر شريعتنا الغراء التي تحض على العلم واتباع الحكمة أينما وجدت، فإنه يمكننا القول إن الكثير من الاجتهادات والخلافات الفقهية في مسألة الرؤية واختلاف المطالع باتت خارج زماننا الحالي، بعدما تطورت وسائل الرصد والاتصال وعلوم الفلك، وبالتالي لم تعد ثمة حاجة إلى الكثير من الأوضاع التي أوجد فقهاؤنا -جزاهم الله خيراً- حلاً لها فيما مضى.

في الحقيقة بات بمقدورنا اليوم أن نوحد التقويم القمري الهجري بشكل نهائي من خلال اتفاق المسلمين على أن تكون نقطة واحدة في هذا العالم، ولتكن مكة المكرمة، هي نقطة بداية الشهر القمري، وأن خط طولها هو الخط الشرعي العالمي لدخول الأشهر القمرية بحيث يقيد بزمان ومكان كنظام دائم يلتزمه المسلمون لضبط حساباتهم في كل بقاع الأرض، فلا يبقى مجال للتفاوت والاختلاف، فإذا ثبتت الرؤية فى مكة المكرمة ثبوتاً شرعياً فعلى جميع المسلمين اعتماد تلك الرؤية.

الفكرة ليست بدعة لا أصل موجود لها، وهي أصلاً إحدى توصيات الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك، ذلك أن الناس اصطلحوا من قبل على أن يكون بداية اليوم على الكرة الأرضية هو بداية خطوط الطول في المحيط الهادي، أي بين القارة الأمريكية من الشرق والآسيوية من الغرب، عند مضيق بَرِنغ بين منطقة ألآسكا الأمريكية وتشوكتسكي الروسية، وهي الجهة المقابلة تماماً لمنطقة غرينتش البريطانية التي تقع على خط الطول صفر، أي عند منتصف اليوم على الكرة الأرضية، وكل الناس اليوم يوقتون بناء على هذا الاتفاق الذي أجمع عليه الناس، فلماذا لا يتفق المسلمون على أن يكون خط الطول الذي يمر من منطقة مكة المكرمة هو المعيار لإثبات الأهلة، وهكذا تتحق وحدة الأمة الإسلامية في إثبات الأهلة.

إن من مظاهر التخلف في عالمنا الإسلامي أن لا يكون تقويمه موحداً، وأن تختلف الأيام فيه!، علماً أن جميع التقاويم الشمسية المتبعة في البلدان الغربية تشير إلى اليوم الذي يولد فيه هذا الشهر القمري الجديد بناءً على الأرصاد والحسابات الفلكية المعمول بها في تلك البلدان. وكان محصّل التقدم التقني والعلمي في الغرب أن أصبحت معرفة ورصد دخول القمر في المحاق وخروجه من البديهيات العلمية المتعارفة عليها!!. إن وضع تقويم قمري إسلامي موحد ملزم للمسلمين يعرف به بداية ونهاية الشهر مسبقاً أصبح في هذا العصر ضرورة مُلحّة للدول الإسلامية من أجل وضع البرامج التربوية المشتركة والتحقيق الاقتصادي والاجتماعي وما شابه. إن من شأن هذا التقويم تحديد بدايات ونهايات الشهور القمرية بشكل قاطع ثابت لا علاقة له بالرؤية العينية للهلال، وبناء عليه يمكن أن تقوم علاقة رياضية حسابية ثابتة بين التواريخ الإسلامية والميلادية في كافة العلاقات والمعاملات والمستويات بين الدول المعنية .

إنه ليس من الصعب تحقيق مجموعة من الشروط والمواصفات التي يمكن من خلالها اعتماد تقويم قمري موحد، عبر الاتفاق على الوسيلة الصحيحة لتحديد التاريخ، واتخاذ الشهر القمري كوحدة زمنية، ومراعاة تحقق شرط مولد الهلال، وأن يكون بالإمكان رؤية هذا الهلال في مكان ما من الكرة الارضية، وأن يكون التقويم المقترح قابلاً للتطبيق من الناحية الفلكية عند كافة المسلمين في جميع انحاء المعمورة، وأن يكون متناسقاً مع النظام العالمي للتوقيت .
إنه، وعلى الرغم من أن هذا المقترح يبدو طبيعياً جداً، فإننا كما يبدو ما زلنا بحاجة إلى عمل مضنٍ من أجل ترسيخ ما انتهى إليه القطعي من علوم الحساب الفلكي، وهذا بالضبط ما دعا إليه المجلس الأروبي للأفتاء، بعدما حدد مفهوم دخول الشهر شرعياً، بحدوث الاقتران، وأن يتأخر غروب القمر عن غروب الشمس ولو بلحظة واحدة، والأهم هو اختيار موقع مكة المكرمة الجغرافي أساساً للشرطين المذكورين.
المطلب الثاني: مشروع القمر الإسلامي
ثمة فكرة أخرى لتوحيد التقويم القمري تعتمد على الرؤية من خلال القمر، وتقوم على أساس أن القمر يدور حول الأرض مرة كل ساعة ونصف بمعدل 16 مرة في اليوم، وبالتالي فإن جميع الدول الإسلامية والعربية على مستوى العالم على اختلاف المواقيت والأزمنة تتفق أو تتلاقى في جزءٍ كبيرٍ جدًّا من الليل؛ حيث إن ليلهم واحد، ونهارهم واحد مع اختلاف وقت بداية ونهاية الليل والنهار، ولذلك فإنه بالإمكان وضع جهاز استطلاع جوي داخل القمر الإسلامي بما يتيح لكل دولة أن تتأكد من ظهور الهلال أو عدم ظهوره؛ بحيث إنه إذا ظهر الهلال فإن الجميع يرونه.

الفكرة كانت قد عرضت، في مؤتمر التقويم الهجري الموحد في عام 1414هـ، والعديد من المؤتمرات الإسلامية الدورية الأخرى، وتمت الموافقة عليها ، باعتبارها تحل مسألة الاختلاف في التقويم، سواء كان الخلاف على الأخذ برواية دولة واحدة وتعميمها على جميع الدول، أو على دولة أخرى، أو الخلاف على الرؤية الفلكية والرؤية العينية، كما أنه يستطيع توحيد الرؤية الشرعية على مستوى الدول العربية والإسلامية، كخطوةٍ أولى لتحقيق الوحدة في جميع المجالات الأخرى، وهو الأمر الذي أصبح المسلمون جميعًا في أمسّ الحاجة إليه. الغريب أن المشروع يعوقه حالياً التمويل، وربما أمور سياسية أخرى، فضلاً عن أن بعض الدول ترى أنها حلت المشكلة من خلال اعتماد الحسابات أو إنشاء المراصد والأقمار الخاصة بها، فيما لا تزال أخرى متمسكة برؤية الهلال في إطارها الإقليمي بالعين المجرَّدة!!

المطلب الثالث: الرؤية من خلال الفضائيات!
في الماضي كان المسلمون يتحرون رؤية الهلال من خلال العين المجردة، ومع الوقت صار بالإمكان استعمال المناظير، لكن تطور العلم اليوم جعلنا قادرين على تحري حركة القمر من خلال الأقمار الاصطناعية، كما أن وسائل الاتصال بلغت من التطور أنها قادرة على تصوير المشهد مهما كان بعيداً وإيصاله للمشاهد، أفلا يمكن اليوم ربط الأقمار الاصطناعية بالفضائيات، لتصوير ولادة الهلال ونقله مباشرة إلى المشاهدين لتتحق الرؤية الشرعية لكل المسلمن بالعالم حول ولادة الهلال؟

قد يقول قائل إن التصوير في هذه الحال يصور لنا حركة القمر ولا يصور ولادته، لأن ولادة القمر هي عملية رؤيته من على الأرض في نقطة جغرافية معينة، لكن أليس بالإمكان التعاون بين القمر والمراصد الأرضية المتطورة لتصوير ولادة الهلال من على الأرض وربط الولادة بالمشاهدين في العلم من خلال الفضائيات؟! ألا تقوم عدسات الفضائيات في هذه الحالة بالدور الذي كانت تقوم به عين البدوي في السابق ولكن بقدرات أكبر وبدقة أعلى؟! ألا تستحق هذه المسألة من المجامع الفقهية دراستها؟!

إن استفادة الأمة الإسلامية من العلوم والوسائل التكونولوجية الحديثة ليس ترفاً، بل هي إن هذه الاستفادة هي عين ما جاءت به هذه الشريعة الخالدة، لأن قدرتها على التطور والتماشي مع متطلبات الزمان والمكان هو الذي يضمن لها هذا الاستمرار في الحياة، شريعة خالدة وحدها لكل زمان ومكان، ومن لدن حكيم عليم.

الجدير بالذكر أن الأفكار الثلاث المتقدمة فيما سبق من مباحث يمكن أن تتكامل في بينها لحل نهائي وأكيد لمشكلة اختلاف الرؤية والتقويم.


خلاصة البحث

لقد عرضنا من خلال هذا البحث إلى جملة مسائل ومعلومات متعلقة بالهلال، تعريفاً، وولادة، وأطواراً،ً ومطالع، متوقفين أمام التقويمين الشمسي والقمري، وقد خلصنا إلى الحاجة لكلا التقويمين، وأن ديننا المعجز قد أشار في العديد من آياته إلى هذه الحاجة وإلى التكامل العجيب بين التقويمين، كما في قوله تعالى: "ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازادوا تسعا"، ثلاثمائة سنة قمرية، وازدادوا تسعاً، هي الفارق بين التقويم الشمسي والتقويم القمري!.

في الفصل الثاني عرضنا بالتفصيل للرؤية والحساب كوسيلتين لإثبات الهلال أو نفيه، وخلصنا إلى يقينية الحسابات الفلكية ودقتها، والحاجة إليها، واعتمادها بالحد الأدنى كوسيلة نفي، وصولاً إلى الاعتماد عليها بشكل كامل كبديل عن الرؤية اقتضته التطورات العلمية الهائلة.

في الفصل الثالث بحثنا العديد من المسائل ذات الصلة، وخلصنا إلى عدم وجود تعارض في الحسابات الفلكية، بل في قراءتها استناداً إلى معايير مختلفة، وإلى ضرورة توحيد هذه المعايير، كما اقترحنا جملة معايير للتشدد في قبول شهادة الشهود لدى الذين يصرون على الرؤية، وبيّنا أن الله ما كان ليضيع إيمان الناس بفعل الخطأ في التقدير والحساب، وأن اليوم عند الله هو اليوم عند الناس، وأنه لا يجوز ولا يصح مخالفة الجماعة التي يعيش المسلم بينها بفعل اختلاف التقويم والتقدير بين بلدان المسلمين، كما بحثنا مسألة وحدة المطالع والخلاف حولها، كما قدمنا مجموهة اقتراحات للخروج من الحالة غير الطبيعية التي تعاني منها الأمة الإسلامية جراء اختلافها في تحديد بدايات الشهور، منها: مشروع التقويم القمري، مشروع القمر الإسلامي، وأخيراً، الرؤية من خلال الفضائيات، مع إمكانية تكامل هذه الاقتراحات.

إن الفصول السابقة حاولت جاهدة أن تقدم فكرة مختصرة عن المشكلة، مع إيجاد الحل لها، وقد جعلت نبراساً لها ضرورة تقديم طرح يتناسب مع أمة إقرأ، في القرن الحادي والعشرين، باعتبار ذلك عين ما جاءت به هذه الشريعة الخالدة. والله أسأل أن يكون الهدف قد تحقق، بفضل الله أولاً وآخراً.


المراجع
1- القرآن الكريم

في كتب الحديث والتفسير
2- ابن كثير، عماد الدين بن إسماعيل الدمشقي، تفسير ابن كثير، دار الكتب العلمية، بيروت، ط5، 1986.
3- ابن ماجة، الإمام محمد بن يزيد بن ماجة، سنن ابن ماجة، دار الفكر، بيروت، 1995.
4- أبو داوود، الإمام سليمان بن الأشعث السجستاني، سنن أبي داوود، المكتبة العصرية، صيدا.
5- البخاري، الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، دار الكتب العلمية، بيروت.
6- الترمذي، الإمام محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، جامع الترمذي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1987.
7- مسلم، الإمام مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري، صحيح مسلم، دار المعرفة، بيروت، 1994.

في كتب الفقه والأعلام
8- أبو زيد، بكر، فقه النوازل، مكتبة جدة، جدة، 1988م.
9- الزرقا، مصطفى، العقل والفقه في فهم الحديث النبوي، دار القلم، دمشق، 1996.
10- الزرقا، مصطفى، فتاوى الزرقا، دار القلم، دمشق، 2001.
11- الزركلي، خير الدين، دار العلم للملايين، بيروت، ط10، 1992.
12- السبكي، تقي الدين، فتاوى السبكي، مكتبة القدس، القاهرة.
13- النووي، محي الدين يحي بن شرف، المجموع، شرح كتاب المهذب في الفقه الشافعي للإمام أبي اسحاق الشيرازي، دار الفكر، بيروت، 1999.
14- سابق، سيد، فقه السنة، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 8، 1987.
15- عفانة، حسام الدين بن موسى، يسألونك، جامعة القدس، القدس، 2004.


في الكتب ذات الصلة بالموضوع
16- القرضاوي، يوسف، كيف نتعامل مع السنة، دار الشروق، بيروت، 2000.
17- شاكر، أحمد محمد، أوائل الشهور العربية :يجوز إثباتها شرعًا بالحساب الفلكي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، 1939م.
18- مختار باشا، محمد، التوفيقات الإلهامية في مقارنة التواريخ الهجرية بالسنين الإفرنجية والقبطية من سنة 1 إلى سنة 1500 هجرية، تقديم الدكتور محمد عمارة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1980.
19- مغربي وطرابلس، سيد وحيد الدين وحسين بن علي، التقاويم وحساب تحويلها، دار التبيان، الرياض، 1988.
20-عبد الرزاق، جمال الدين، التقويم القمري الاسلامي الموحد، تقديم ادريس بن صاري، الجمعية المغربية لعلم الفلك، الرباط، 2007.


في الأبحاث والمجلات والصحف والتقارير
21- المجلة العالمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، العدد الرابع.
22- التقرير الفلكي لولادة هلال رمضان للعام الهجري 1428، مرصد أم القرى.
23- عبد القادر، عابد، مقابلة، صحيفة الغد الأردنية.
24- الأحمدي، عامر، الإعجاز بين التقويم القمري والشمسي، صحيفة الرياض، عدد رقم 12002، 4 أيار2001.
25- الحساب الفلكي هل يكون شاهد نفي أو إثبات؟، ندوة، المنامة، صحيفة الوسط البحرينية، العدد 1863، 13-10-2007.

في الدراسات المنشورة على الإنترنت
26- أسامة، بثينة، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، موقع إسلام أون لاين: Islamonline.net، 2002.
27- الفنجري، أحمد شوقي، الروح في ضوء القرآن الكريم، موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي للقرآن والسنة: عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
28- القرضاوي، يوسف، في رد على سؤال متعلق باختلاف المطالع والخطأ في الشهادة، موقع إسلام أون لاين، بتاريخ 19-12-2006: عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
29- القرضاوي، يوسف، مشكلة ثبوت الهلال، موقع القرضاوي: عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
30- النعيمي، حميد مجول، المحاق والهلال من منظور فقهي وفلكي، موقع جمعية الإمارات للفلك: عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
31- ثويني، علي، رأس السنة وشجون الشهور، صحيفة الحوار المتمدن الإلكترونية، عدد: 1782، 1-1-2007: عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
32- شلتوت، مسلم، الحساب الفلكي لتحديد أوائل الشهور العربية، موقع: عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
33- صمدي، رضا أحمد، الرؤية لا تثبت بالحساب، موقع علماء الشريعة: عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
34- عودة، محمد شوكت، الفرق بين ولادة الهلال وظهوره علمياً، موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة التابع لرابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة: عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
35- موقع إخوان أون لاين، هلال رمضان: هل تتوحد الرؤية، بتاريخ 27-9-2005: عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
36- موقع الأخدود في 22-9-2006 على الرابط الآتي: عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
37- موقع البينات، التقرير الفلكي لولادة هلال رمضان للعام الهجري 1428: عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
38- موقع جمعية الإمارات للفلك، علم الفلك وأوائل الشهور القمرية،27-9-2005:
عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط










  رد مع اقتباس
قديم 10-20-2017, 12:25 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
الكاشف






الكاشف غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
الكاشف is on a distinguished road

افتراضي

بارك الله فيكم
وزادكم الله علما وسرا







  رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Loading...


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir