المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الامام الصادق عليه السلام كما عرفه علماء الغرب


علي العذاري
07-26-2012, 11:33 AM
الامام الصادق عليه السلام كما عرفه علماء الغرب


بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على محمد وال محمد

العنوان هو لكتاب يضم بين دفتيه مجموعة من الأبحاث العلمية التي أعدها مركز الدراسات العليا المتخصصة في تاريخ الأديان بجامعة استراسبورغ الفرنسية، وذلك عبر مشاركة نخبة من علماء الإستشراق وأساتذة الجامعات الأوروبية والأميركية وعلماء ومتخصصين من الدول الإسلامية منهم السيد المغيب موسى الصدر. وتواصلا مع تاريخ عريق من الاهتمام بالدراسات الشرقية والإسلامية بدءً من أوائل القرن التاسع عشر الميلادي يخصّص هذا المجمع العلمي بالجامعة الأوروبية العريقة دورته المنعقدة في شهر مايو/ أيار من العام 1968 لدراسة الشيعة الإمامية وتاريخها العلمي والحضاري، ويدعو ما لا يقل عن 25 من أشهر العلماء والمتخصصين الأكاديميين.
نشرت دار المطبوعات الجامعية الفرنسية هذه المجموعة من البحوث باللغة الفرنسية في العام 1970تحت عنوان ‘’الامام الصادق في نظر علماء الغرب’’. ثم أخذت طريقها إلى اللغة الفارسية بقلم ذبيح الله منصوري. وبشيء من التصرف ترجم الكتاب إلى اللغة العربية نور الدين آل علي المتضلع في اللغات الثلاث الفرنسية والفارسية والعربية. وصدر الكتاب عن دار القارئ ببيروت في هذا العام .2007
يقع الكتاب في 416 صفحة من الحجم الكبير مشتملاً على توطئة لصاحب الفضل في النشر باللغة العربية محمد قبازرد، وتقديم الدكتور محمد عبدالمنعم خفاجي الأستاذ بجامعة الأزهر، ومقدمة المعرّب، وثبت بالمراجع العربية وآخر للأجنبية وأخيراً فهرس الكتاب. غطى الكتاب في تناوله موضوعات شتى وخاض في تخصصات متنوعة اتسعت لها مدرسة الإمام الصادق كمعرفته باللغات الفارسية والعبرية والنبطية وإلمامه بعلوم كالطب والكيمياء، وعلم الهيئة والنجوم، وغيرها.
خطط واقعية بعيدا عن المغالاة
وإلى جانب النظر إلى الإمام على أنه مؤسس العلوم العرفانية في الإسلام، وبيان خططه الواقعية لإنقاذ (الشيعة) والسير بهم بعيدا عن المغالاة وتأليه العباد وتجنب العزلة عن الناس يتعرض الكتاب في كثير من صفحاته إلى نظريات الإمام حيال موضوعات علمية مهمة من قبيل: نشأة الكون، نظرية الضوء، أشعة النجوم، أسباب بعض الأمراض، البيئة. وإذ يشتهر عصر الصادق وأبيه بالتنوع الثقافي، انعكس ذلك في مدرسته التي استوعبت الحوارات مع مختلف الأصناف بما فيهم الملحدين، ومن هنا لا يغفل الكتاب التعرض لصبر وأناة الإمام العلمية أثناء إلقاء دروسه في مسجد النبي (صى الله عليه واله) وصبره خارج الدرس أيضاً ولو كان على حساب راحته وإن زاحم وقت طعامه. وفي لفتةٍ أخلاقية بارزة ينقل الكتاب صورة رائعة من تعامل الإمام مع المستفسرين والمستشكلين سواءً كانوا مسلمين أم ملحدين جاحدين إذ يقابلهم جميعا بصدرٍ رحب، ووجه باشّ، حتى إذا ما انصرف أي منهم انصرف وهو إما مقتنع ومسترشد قالع عن غيّه، أو حتى معاند ولكنهما معا يكنان الاحترام والتبجيل للإمام.
ملاحظات نقدية حول الكتاب
خلا الكتاب على تنوع مباحثه من انتظامٍ يسمح بتقسيم الكتاب ضمن فصول أو أبواب تجمع تحتها نثار العناوين الفرعية، فكان على سبيل المثال من الممكن تقديم باب يعنى بتقديم شواهد من خبرة وعلم الإمام في العلوم الدينية بتفرعاتها المغطاة بالكتاب، وآخر بالعلوم الأخرى التجريبية مثلا ، وثالث للعرفان والفلسفة والحكمة. ومن منظور القيمة الأكاديمية فات على جهة النشر وربما المعرّب بيان أدوار ومساهمات الخبراء الخمسة والعشرين في هذا المنتدى العلمي الرحب. وذلك يضيع - برأي الكاتب- ثمرتين ممكن جنيهما من وراء هذا العمل الضخم، أولا: نسبة الآراء الواردة في الكتاب إلى أصحابها للتعرف على جهة ومقدار التبني العلمي للرأي أو الفكرة المساقة، إذ ربما من الصعب توافق جميع الباحثين على مستند واقعة تاريخية فضلاً عن دلالته المستمدة من كيفية قراءته ومعالجته نظراً لتعدد مناهج القراءة (التفكيك) والنقد بعيدا عن الهالة، ومن ثم كيف يقدم في طي الكتاب هل على أنه رأي أم قناعة وعند من؟.
وثانياً: يقدم الكتاب تلك البحوث في إطار جامع وفي نسقٍ ناجز ينطلق مسبقاً من تقديس وتبجيلٍ للإمام وهذا لا يضير كثيراً إلى حدّ ما إذ يمكن تبرير ذلك بالقيمة والمكانة المرموقة للإمام والمجمع عليها من الباحثين عموماً، إلا أن الكتاب غيّب الصورة الحوارية التي ربما جرت بها الدورة العلمية فخلا من المداخلات والنقاشات والملاحظات وأخيراً اللبس والإشكالات التي لا بد أن تكون صاحبت تقديم تلك البحوث أو على هامشها، ولا أقل من علامات استفهام لم يجد لها الباحث جوابا تستحث البحث الأكاديمي بالمواصلة على الطريق. باختصار شديد غابت الصورة الجدلية ‘’الحيّة’’ عن المباحث المتناولة.
على مستوى المضمون تسود في الكتاب الطريقة السردية للأفكار المتناولة، وترد بعض التعميمات، وذلك نظراً لغياب الجوانب الفنية والأكاديمية المشار إليها أعلاه، إذ تسترسل أسطر الكتاب في أكثر من موضع بتقرير أمور وحقائق تعوزها الإحالات للمصادر ما يشكل نقيصة في مجمل الصورة الجميلة التي أحدثها تداعي نخبة عالمية لبحث قضية مهمة أضافت جديداً وأثمرت كتاباً رائعاً لمكتبتنا الإسلامية العربية.

علي العذاري
07-26-2012, 11:34 AM
تمهيد





ولد الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) في المدينة المنورة في يوم الاثنين السابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين(1) ) أو سنة ثمانين للهجرة(2) . وأمه هي فاطمة بنت قاسم بن محمد بن أبي بكر، المكنّاة بأم فروة، وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، أي أن نسبها ينتهي إلى أبي بكر من ناحيتي الأب والأم.
وقام جدّه علي بن الحسين زين العابدين بتربيته ورعايته طوال مدة اثنتي عشرة سنة، فنهل منذ صباه من منهل جده زين العابدين (عليه السلام) في الأدب والفقه والمعارف الإسلامية والزهد والتقوى. أما والدة الإمام علي ابن الحسين زين العابدين (عليه السلام) فهي شهر بانويه بنت يزرجرد بن شهريار بن كسرى، ويسمونها أيضاً شاه زنان، وقيل جهان بانويه، وقيل سلافة، وقيل خولة.
وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) سمّاها مريم، وكانت تدعى سيدة النساء(3) . قضى الإمام زين العابدين (عليه السلام) بضع سنين في كنف جدّه الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم نشأ في مدرسة عمه الحسن وأبيه الحسين سبطي الرسول (صلى الله عليه وآله) وتغذى من نمير علوم النبوة، واستقى من مصادر آبائه الطاهرينن فهو وارث علم جدّه علي (عليه السلام) وأبيه الحسين (عليه السلام).
وأما عن زهده وورعه ومواعظة، فهو إمام الزهاد وقدوة المتقين وهداية المتعظين، قلّ أن تجد كتاب زهد وموعظة لم يرد فيه. (قال علي بن الحسين، أو قال زين العابدين (عليه السلام) ). وقد جاء في سيرة الإمام أنه كان يخطب الناس في كل جمعة ويعظمهم، ويزهدّهم في الدنيا، ويرغبهم في أعمال الآخرة، ويقرع أسماعهم بتلك القطع الفنية من ألوان الدعاء والحمد والثناء التي تمثل أروع صورة للعبودية المخلصة لله سبحانه وتعالى.
وقد ترك لنا زين العابدين (عليه السلام) هذه الأدعية والخطب في وثيقة سميت (بالصحيفة السجادية) تعتبر تراثاً ربانياً فريداً، يبقى على مر الدهور مصدر عطاء ومشعل هداية ومدرسة أخلاق وتهذيب، فهذه الوثيقة هي حقاً ثمرة المدرسة المحمدية وتراثها الخالد، وقد قدّر للإمام زين العابدين (عليه السلام) أن يعاصره مرحلةً من أدق المراحل التي مرت على الأمة الإسلامية في القرون الأولى من تاريخ الإسلام.
فقد شهد النصف الثاني من القرن الأول امتداداً للفتوح الإسلامية من الحجاز إلى أدنى الشرق وأقصى الغرب، فزعزع المسلمون عروش الأكاسرة والقياصرة، وضموّا إليهم شعوباً مختلفة وبلاداً واسعة، وأصبح المسملون قادة القسم الأكبر من العالم الممتدين وقتئذ وخلال نصف قرن.
ومع أن هذه القيادة جعلت من المسلمين قوةً كبرى على الصعيد العالمي من الناحيتين السياسية والعسكرية، إلاّ أنها عرضتهم لخطرين داهمين خارج النطاق السياسي والعسكري، وكان لا بد من الإقدام على عمل حاسم للوقوف في وجههما:
أما الخطر الأول فهو الذي نجم عن انفتاح المسلمين على ثقافات الأمم المتحضرة، وعلى اعراف تشريعية، وأوضاع اجتماعية مختلفة نتيجة لتفاعلهم مع الشعوب التي دخلت في دين الله أفواجاً وكان لابد من عمل على الصعيد العلمي يؤكد للمسلمين أصالتهم الفكرية وشخصيتهم التشريعية المتميزة المستمدّة من الكتاب والسنّة.
وكان لابد من حركةٍ فكرية اجتهادية تفتح آفاقهم الذهنية ضمن ذلك الإطار لكي يستطيعوا أن يحملوا مشعل الكتاب والسنّة بروح المجتهد البصير، والممارس الذكي، الذي يستطيع أن يستنبط ما يفيده في كل ما يستجد له من حالات(4) ، فكان لابد إذن من تأصيل الشخصية الإسلامية، ومن بذر بذور الاجتهاد، وهو ما قام به زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) الذي أنشأ حلقةً للبحث والدرس في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) ليحدّث الناس بصنوف المعرفة الإسلامية من تفسير وحديث وفقه، ويفيض عليهم من علوم آبائه الطاهرين ويمرّن النابهين منهم على الفقه والاستنباط.
وقد تخرج من هذه المدرسة عدد كبير، منهم فقهاء المسلمين من الصحابة والتابعين الذين وردت أسماء بعضهم في كتب سير الصحابة من أمثال جابر بن عبد الله الأنصاري، وعامر بن وائلة الكناني، وسعيد ابن جهان الكناني، وسعيد بن المسيّب بن حزن. وقد قال زين العابدين (عليه السلام) عن الأخير: (سعيد بن المسيّب أعلم الناس بما تقدم من الآثار).
ومن التابعين سعيد بن جبير ومحمد بن جبير بن مطعم وأبو خالد الكابلي والقاسم بن عوف واسماعيل بن عبد الله بن جعفر وإبراهيم والحسن ابنا محمد بن الحنفية وحبيب بن أبي ثابت وأبو يحيى الأسدي وأبو حازم الأعرج وسلمة بن دينار المدني وغيرهم(5) ، فجمع من حوله الفقهاء ورواة الحديث، وأقرّ المسلمون جميعاً بعلمه واستقامته وأفضليته، وانقاذ الواعون منهم إلى زعامته وفقهه ومرجعيته، حتى لقد اعترف أعداؤه بفضله، واستنجدوا بعلمه وإرشاداته، فهذا عبد الملك بن مروان وقد اصطدم بملك الروم، الذي هدده باستغلال حاجة المسلمين إلى استعمال نقود بلاد الرومان في التعامل حيث أراد بذلك إذلال المسلمين وفرض شروطه عليهم، فوقف عبد الملك متحيراً، وضاقت به الأرض، وقال كما جاء في الرواية (أحسبني شأم مولودٍ في الإسلام).
وجمع أهل الرأي واستشارهم، فلم يجد عند أحد منهم رأياً يعنى به، فقال له القوم: (إنك لتعلم الرأي والخرج من هذا الأمر) فقال: (ويحكم)، مَن؟ (قالوا: (الباقي من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله).
قال: (صدقتم)، وهكذا كان، فقد فزع إلى الإمام زين العابدين (عليه السلام)، الذي بعث ولده محمداً الباقر إلى الشام، وزوده بتعليماته الخاصة، فوضع خطة جديدة للنقد الإسلامي، وأنقذ الموقف عندئذٍ(6) ولقد فصّل الدميري في حياة الحيوان القول في هذه القضية وذكرها بالأرقام.
وإننا لو جمعنا ما قيل في علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) وعلمه وفضله وزهده وعبادته لأصبح كتاباً مستقلاً، وروضة تسرّ الناظرين، ولكننا نخرج بذلك عن الهدف، وقُصارى الأمر أن نسوق ما قاله بعض الأئمة فيه، فقد قال الزهري: (ما رأيت هاشمياً من علي بن الحسين، ولا أفقه منه). وقال سعيد بن المسيّب: (ما رأيت قط مثل علي الحسين). وقال الإمام مالك: (إنما سمي زين العابدين لكثرة عبادته). وقال سفيان بن عيينه: (ما رأيت هاشمياً أفضل من علي بن الحسين زين العابدين، ولا أفقه منه). وعَدَّ الإمام الشافعي علياً بن الحسين (أفقه أهل المدينة).
وكانت مدرسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) توطئةً لما نشأ بعد ذلك من مدارس الفقه، ودعامةً لحركته الناشطة.
وقد استطاع الإمام بفضل هذا الأسلوب استقطاب الحركة الفكرية الاسلامية الأصلية عند القراء وحملة الكتاب والسنّة، حتى قال سعيد بن المسيّب: (إن القرّاء كانوا لا يخرجون إلــــى مكة حتى يخرج علي بـــن الحسين، فخــــرج وخرجنا معه ألف راكب)(7) .
أما الخطر الثاني، فقد نجم عن موجة الرخاء التي عمّت المجتمع الاسلامي في اعقاب ذلك الامتداد الهائل وهيّأت للمجتمع أسباب الانسياق مع ملذات الدنيا والإسراف في الزخرف وزينة الحياة، وقد وردت أخبار الترف والإسراف في كتب التاريخ والسيرة بكثرة، وحسبنا في هذا المقام مراجعة كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني مثلاً، لنقف على أطراف ذلك.
وقد ادرك الإمام زين العابدين (عليه السلام) مدى هذا الخطر، وتصدى لعلاجه بدعوى المسلمين إلى التوجه إلى الله والدعاء له، واتخذ من الدعاء أساساً لهذا العلاج، واستطاع بما أوتي من بلاغة نبوية فريدة، وتمكن تام من أساليب التعبير العربي، وذهينة ربانية تتفق عن أروع المعاني وأدقها في تصوير صلة الإنسان بربه ووجده بخالقه تعلقه بمبدئه ومعاده، وماستطاع بذلك وبما أوتي من المواهب أن ينشر من خلال الدعاء جواً روحانياً يشد من عزيمة الإنسان المسلم امام المغريات، ويشده إلى ربه.
هذه هي مدرسة الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وهي المدرسة الأولى التي تعلّم فيها الإمام جعفر الصاق(عليه السلام) منذ نعومة ظفاره برعاية جده واهتمامه به وحنانه الأبوي عليه.
وقد توفي الإمام زين العابدين (عليه السلام) سنة خمس وتسعين هجرية، وكان الصادق عندئذ في الخامسة عشرة أو في الثانية عشرة من عمره الشريف.
وآلت الإمامة والزعامة الروحية بعد الإمام زين العابدين (عليه السلام) إلى ابنه الإمام أبي جعفر محمد الباقر (عليه السلام).


1 - أصول الكافي: للكليني ج1 ص 472.
مناقب آل أبي طالب: ابن شهر آشوب ج4 ص 280.
2 - الفصول المهمة: ص208، 216.
3 - المناقب: ج4 ص 176.
ربيع الأبرار عن الزمخشري: روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (لله من عباه خيرتان، فخيرته من العرب قريش ومن العجم فارس) ز وكان علي ابن الحسين يقول أنا ابن الخيرتين، لأن جده رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأمه بنت يزدجرد، وقد قال فيه أبو الأسود الدولي:

وإن غلاماً بين كسرى وهــاشم لأكرم من نيطت عليـــه الشتائم

4 - الإمام محمد باقر المصدر: مقدمة (الصحيفة السجادية) ص 14.
5 - المناقب ج4 ص 136.
6 - المناقب: ج4 ص 303 ـ ومحمد باقر الصدر: مقدمة (الصحيفة السجادية) (صلى الله عليه وآله)90.
7 - المناقب ج4 ص 136.

علي العذاري
07-26-2012, 11:41 AM
الإمام أبو جعفر محمد الباقر (عليه السلام)




ولد الإمام الباقر (عليه السلام) (بالمدينة المنورة سنة سبع وخمسين من الهجرة النبوية، وكان أول مولود اجتمع بنسبه الإمامان الحسن والحسين (عليه السلام)، لأن أمه هي فاطمة أم عبد الله بنت الحسن بن علي، فهو هاشمي من هاشميين، وأول علوي من علويين، وأول فاطمي من فاطميين. أقام مع جده الحسين ثلاث سنين أو أربع وحضر واقعة كربلاء كما عاش مع أبيه زين العابدين أربع وثلاثين سنة وعشرة أشهر، أو تسعاً وثلاثين سنة، وبعد أبيه تسع عشر سنة(1) . وعاصر من الخلفاء الأمويين وليداً ابن يزيد، وسليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز، ويزيد بن عبد الملك وأخاه هشاماً والوليد بن يزيد وأخاه إبراهيم، وقُبض بالمدينة في ذي الحجة سنة أربع عشرة ومائة، وله يومئذ سبع وخمسون سنة مثل عمر أبيه وجده.
وهو ربيب مدرسة أبيه زين العابدين (عليه السلام)، وجامع علومه، ووارث فضائله ومكارمه، وقد قام بدوره بحمل عبء الإمامة الدينية والزعامة العلمية في عصره، فاجتذب إلى مدرسته الصديق والمعاند، والمحب والمبغض، واعترفوا جميعاً بفضله وعلمه.
سئل جابر الجعفي: (لِمَ سُمي الباقر باقراً؟) قال: (لأنه بقر العلم بقرا، أي شقه شقاً، وأظهره إظهاراً)(2) ولم يكن اهتمامه منصباً على الفقه وعلوم القرآن فحسب، بل تعداهما إلى علوم خرى كالحكمة والتاريخ والكيمياء واللغات وغيرها مما نرى أخباره أو إشارات عنه في تاريخ حياة الإمام، وفي طيات كتب السير والحديث.
ومما قاله موسى بن أكيل النميري: (جئنا إلى باب دار أبي جعفر (عليه السلام) نستأذن عليه، فسمعنا صوتاً حزيناً يقراً بالعبرانية، فدلنا عليه، وسألنا عن قارئه، فقال (عليه السلام): (ذكرت مناجاة إيليا فبكيت من ذلك)(3) . وروي عن سماعة بن مهران أنه قال: (جئنا نريد الدخول على أبي جعفر (عليه السلام)، فلما صرنا في الدهليز، سمعنا قراءة سريانية بصوت حزين، يقرأ ويبكي حتى أبكى بعضنا)(4) .
وقد قيل إنه لم يظهر من أحد من أولاد الحسن والحسين عليهما السلام من العلوم ما ظهر منه من التفسير والكلام والفُتيا. قال محمد بن مسلم: (سألته عن ثلاثين ألف حديث، وقد روى عنه معالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين ورؤساء فقهاء المسلمين)(5) . ووفد إليه كل طالب علم، واستقى من منهله العذب كل متعطش لمعرفة الحقيقة. فهذا الدهري يسأله تارة، وهذا الخارجي يجادله أخرى، وهؤلاء أئمة المذاهب يأخذون عنه ويعترفون بعلمه وفضله وزهده.
فهذا الأبرش الكلبي يقول للإمام الباقر (عليه السلام): (يا ابن علي، هل قرأت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان؟). قال: (نعم)، قال: (فإني سائلك عن مسائل). قال: (فإني كنت مسترشداً فستنتفع بما تسأل عنه(6) .
وهذا عبد الله بن نافع الأزرق وهو من رؤساء الخوارج جاء ليسأل الباقر (عليه السلام) عن مسائل(7) ،وتكلم رؤساء الكيسانية مع الباقر (عليه السلام) في حياة محمد بن حنيفة وقد رد الإمام قولهم في ابن حنيفة(8) .
وفي (حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني): قال عبد الله بن عطاء المكي: (ما رأينا العلماء عند أحد أصغر منهم عند
أبي جعفر، يعني الباقر (عليه السلام) ولقد رأيت الحكم بن عيينة مع جلالته وسنة عنده، كأنه صبي بين يدي معلّم يتعلم منه).
عن محمد بن مسلم قال: (ما شجرني في قلبي شيء قط إلا سألت عنه أبا جعفر (عليه السلام) حتى سألته عن ثلاثين ألف حديث، وسألت أبا عبد الله(عليه السلام)(9) عن ستة عشر ألف حديث)(10) . وهناك أمور هامة في تاريخ حياة الإمام الباقر وسيرته (عليه السلام) تجدر الاشارة إليها؛ الأول، إن الإمام الباقر انصرف في مدرسته إلى إفادته النخبة الجليلة التي حملت لواء العمل ومشعل الهداية في كل قطر ومصر، وإن ابتعاد الإمام الباقر(عليه السلام).
عن الزعامة السياسية وتفرغه للعلم كفاه شر الخلفاء الأمويين، ويسرَّ عليه أداء هذه الرسالة الروحية السامية. وقد كان حريصاً على نشر الرسالة العلمية في خفية عن الأعين واعتكاف الناس، نأيا بنفسه عن غضب السلطان، ودرءاً للعداوات والأحقاد.
عن أبي القاسم اللالكائي في (شرح حجج أهل السنة): قال أبو حنيفة لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين (عليه السلام): (أأجلس) وكان أبو جعفر قاعداً في المسجد، فقال أبو جعفر: (أنت رجل مشهور ولا أحب أن تجلس إليّ). قال: (فلم يلتفت إلى أبي جعفر وجلس...)(11) وهذا جابر الجعفي يقول: (دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: من أين أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة، فقال: ممن؟ قلت: من جعف. قال لِمَ قدمت إليَّ ها هنا؟ قلت: طلباً للعلم. قال: ممن؟ قلت: منك. قال: إذا سألك أحد من أين أنت فقل من أهل المدينة. قلت: أيحـــل لي أن أكـــذب؟ قال: ليس هذا كـــذبـــاً. من كـــان في مدينة فهو مــن أهلها حتى يخرج)(12) .
ثانياً، أن الإمام الباقر (عليه السلام)، وهو زعيم المدرسة العلميّة المحمدية بالمدينة، لم يمنعه اشتغاله بالافادة والتدريس من العمل لكسب العيش، مهما كانت ظروف العمل وأوضاعه، فقد ضرب باضطلاعه بأعمال صعبة أروع الأمثلة على بذل الجهد والجدّ في طلب الحلال، ليكون بذلك إماماً وقدوة للعلماء العاملين، يقول محمد بن المنكدر: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارة، فلقيت محمداً بن علي (الباقر)، وكان رجلاً بديناً، وهو متكيء على غلامين له موليين، فقلت في نفسي: شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحــــال في طـــلب الدنيا؟ فدنــوت منه، فسلمــــت عليه، فسلّم عليّ ببهر(13)
وقد تصبب عرقاً، فقلت: أصلحك الله، لو جاءك الموت وأنت على هذه الحال؟ فخلّى عن الغلامين، ثم تساند وقال: لو جاءني والله الموت وأنا في هذه الحال، جاءني وأنا في طاعة من طاعات الله تعالى أكف بها نفسي عنك وعن الناس، وإنما كنت أخاف الموت لو جاءني وأنا على معصية من معاصي الله.
ثالثاً: كان الباقر (عليه السلام)، مع علمه وزهده، لا يحرم على نفسه ما أحل الله له من نِعَمِ الأكل والشرب واللباس. في (الكافي)، عن أبي خالد الكابلي قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام)، فدعا بالغداء، فأكلت معه طعاماً ما أملت طعاماً قط أنظف منه ولا أطيب، فلما فرغنا من الطعام قال: يا أبا خالد، كيف رأيت طعامك، أو قال: طعامنا؟ قلت: جُعلت فداك؟ ما رأيت أطيب منه قط، ولا أنظف. ولكني ذكرت الآية في كتاب الله عز وجل (ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم)(14) . فقال أبو جعفر (عليه السلام): إنما تسألون عما أنتم عليه من الحق.
وفي (الكافي) عن زرارة قال: خرج أبو جعفر (عليه السلام) يصلي على بعض أطفالهم، وعليه جُبّة خَزّ صفراء، ومطرف خَزّ أصفر(15) .
وأيضاً عن الحسن الزيات البصري قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) أنا وصاحب لي، فإذا هو في بيت منجد وعليه ملحفة وردية، وقد حفَّ لحيته واكتحل، فسألناه عن مسائل...(16) .
وأما عن زهده وورعه وعبادته فحدّث ولا حرج، فهو ربيب زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام). في (الكافي): عن ابن القداح عن أبي عبد الله جعفر (عليه السلام) قال: كان أبي (عليه السلام) كثير الذكر، لقد كنت أمشي معه وإنه ليذكر الله، وآكل معه الطعام وإنه ليذكر الله، ولقد كان يحدّث القوم، وما يشغله ذلك عن ذكر الله. وكنت أرى لسانه لازقاً بحنكه يقول: لا إله إلا الله، ولقد كان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتى تطلع الشمس، ويأمر بالقراءة من كان يقرأ منا، كان لا يقرأ منا أمره بالذكر(17) .
هذه هي بيئة الإمام الصادق (عليه السلام) وأسرته والمدارس التي تعلم فيها وتخرج منها مما هيأه لحمل عبء الإمامة والزعامة العلمية الفريدة في عصره.
وها نحن مقبلون على دراسة حياة الإمام الصادق (عليه السلام) الحافلة، والوقوف على جوانب علومه وثقافته المتشعبة. وقد مرّ أن الدراسات الاسلامية وكتابات علماء المسلمين عن سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) وحياة الأئمة (عليه السلام) انصبت، وما زالت، على جانب العبادة ومعرفة الحلال والحرام، حتى يومنا هذا، في حين أن دراسة المستشرقين للإمام الصادق (عليه السلام) ومدرسته العلمية، ركزت على الجوانب العلمية والتاريخية والاجتماعية.
وفي هذه الدراسة يقف القارئ للمرة الأولى على نظريات الإمام الصادق (عليه السلام) العلمية في الكيمياء والفيزياء والنجوم والفلك وعلم الصحة والطب وغيرها، مع شروح ومقارنات تبين دقة النظرية وأهميتها وسبقها للاكتشافات العلمية التي تحققت في عصر النهضة في أوربا.
وقد تواتر القول بأن جابراً بن حيّان، وهو أبو الكيمياء، قد تتلمذ على الصادق (عليه السلام)، وأنه جمع إفادات الصادق (عليه السلام) له في كتاب في ألف ورقة(18) ولكن لم يتسن لأحدٍ من الباحثين والمؤرخين أن يطرح مسألةٍ علمية أفادها الإمام الصادق (عليه السلام)، أو أن يبرز أهمية تلك المسألة ويحللها ويشرحها.
على أن هذا الكتاب يطالعنا بأمثلة شتى من القضايا والنظريات والنواميس العلمية التي أثارها الإمام الصادق (عليه السلام)، وقام بعض تلاميذه وأصحابه بإثباتها وتسجيلها، وهي في مجموعها تثير دهشة القارئ بسعة علم الإمام ودقة وصفه. فالقارئ يلقى نفسه تارة تلقاء عالم في الكيمياء، وكأنه خارج لتوّه من مختبره يحدّث طلابه بحصيلة تجاربه واختباراته، وهو تارة تلقاء عالم في الفلك، وكأنّه تقدّم بالسبق والريادة على علماء الفلك في القرن العشرين في رصد حركات الفلك والمنظومات الشمسية، وهو تارة أمام طبيب حاذق يقوم بتشريح جسم الانسان وتبيين الأمراض والأسقام وعللها وطرق معالجتها. فإذا انتقلنا من الجانب العلمي النظري إلى الجانب الروحي، رأينا فيه ذلك العالم الرباني، والوجه الملائكي، والإمام القدوة لكل عالم وتقي، وقد قال عنه عمرو بن أبي المقدام: كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة النبيين(19) .
كما قال فيه الإمام مالك بن أنس (رض): ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر الصادق فضلاً وعلماً وعبادة وورعاً(20) ونود في هذه المقدمة أن نشير ولو بإيجاز إلى الجوانب غير
المعروفة من ثقافة الإمام وعلومه لنثير شوق الطالب إلى مزيد من البحث والتنقيب اغترافاً من هذا البحر الزاخر.
من رأي الإمام علي (عليه السلام) أن الإمام ينبغي أن يكون عالماً بكل شيء، وأعلم الناس في كل علم وفن، فهو لسان ولغة، كما أنه يراعي ما يقتضيه حكم العقل، والإمامية ترى أن علم الإمام لايدخل فيه الرأي والاجتهاد، فيحاسب الامام على المصدر والمسند، وإنما علمه إلهي موروث، ولدنّي غير اكتسابي(21) .
فالإمام إذن في رأي الإمامية يعرف جميع العلوم والصنايع واللغات، وقد أفرد الشيخ المفيد (ق) فصلاً في كتابه (أوائل المقالات) سماه (القول في معرفة الأئمة بجميع الصنايع وسائر اللغات)، جاء فيه: (أقول إنه ليس يمتنع ذلك منهم، ولا واجب من جهة العل والقياس، وقد جاءت أخبار عمت يجب تصديقه بأن أئمة آل محمد (صلى الله عليه وآله) قد كانوا يعلمون ذلك...) وعلى قولي هذا جماعة من الإمامية. وقد خالف فيه بنو نوبخت، رحمهم الله، وأوجبوا ذلك عقلاً وقياساً، ووافقتهم في المفوّضة كافة وسائر الغلاة(23) . ولكي نعطي الطالب الدارس مفتاح عبقرية الإمام وشخصيته الفذة نشير إلى أنه (عليه السلام) كان يتقن لغات الأمم المتحضرة في عصره، واللغة هي المفتاح أو المنفذ إلى ثقافة أهلها كما هو معروف، وسنورد طرفاً من اللغات التي كان يعرفها الإمام الصادق (عليه السلام) ويتحدث بها(24) ، ثم طرفاً من اهتمامه بالطب والفلك والكيمياء، وهي علوم يدور حولها معظم أبحاث هذا السفر النفيس.


1 - المناقب ج4 ص 210.
2 - علل الشرايع ج1 ص 233 وبحار الأنوار ج46 ص 231.
3 - المناقب ج4 ص 195.
4 - المصدر السابق.
5 - المصدر السابق.
6 - المصدر السابق.
7 - المناقب 4: 194.
8 - المصدر السابق.
9 - يعني الصادق (عليه السلام).
10 - الاختصاص ص 201 ورجال الكشي ص 109.
11 - المناقب ج4 ص 199.
12 - المصدر السابق ص 200.
13 - البهر بالضم: انقطاع النَفَس من الاعياء.
14 - سورة التكاثر الآية 8.
15 - الكافي ج6 ص 280.
16 - المصدر السابق ج6 ص450.
17 - نفس المصدر ج6 ص 447.
18 - الفهرست: ابن النديم.
19 - النووي: تهذيب الأسماء واللغات 1 ـ 149.
20 - المناقب 4.
21 - الإمام الصادق: محمد المظفر 139 ـ 185.
22 - لدني: من لدن العزيز الحكيم، قال تعالى: من لَوُنَّا علماً
23 - أوائل المقالات في المذاهب والمختارات: الشيخ المفيد: ص38 طبع قم، إيران.
24 - وقد مرّ بنا أن الإمام الباقر (عليه السلام) يقرأ بالعبرانية والسريانية.

علي العذاري
07-26-2012, 12:01 PM
جوانب من علومه وثقافته

1ـ معرفته باللغات
مرّ في تاريخ حياة الإمام الباقر (عليه السلام) أنه كان يعرف العبرية والسريانية، وأن جدته، أي والدة الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام)، كانت الأميرة الفارسية شهربانوبنت كسرى يزدجرد. فلا عجب أن يعرف الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) هذه اللغات وثقافات أممها، وأن ينطلق في التحدث أو القراءة والكتابة فيها، وسيأتي أثناء عرضنا لبعض الروايات المأثورة عن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام) ما يثبت ذلك، وفضلاً عن إتقانه لهذه اللغات، كان يعرف النبطية والصقلبية والحبشية ويتحدث بها أيضاً.
أ ـ الفارسية:
عن محمد بن أحمد عن أبي عبد الله قال: دخل عليه قوم من أهل خراسان، فقال ابتداء من غير مسألة: (من جمع مالاً من مهاوش اذهبه الله في نهابر). فقالوا: (جُعلنا فداك، لا نفهم هذا الكلام)، فقال عليه السلام: (ازباد آيد بدم بشود)(1) (مايأتي به الريح يذهب به).
وقال أحمد بن محمد بن الأهوازي عن النضر عن يحيى الحلبي عن أخي مليح عن فرقة: (كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) وقد بعت غلاماً أعجمياً، فرجع إليه، فجعل يغيّر الرسالة فلا يخبره، حتى ظننت أنه سيغضب. فقال له: تكلم بأي لسان شئت، فإني أفهم عنك)(2) .
وعن أبي بصير أنه قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) وعنده رجل من أهل خراسان وهو يكلمه بلسان لا أفهمه(3) .
وأيضاً في (بصائر الدرجات)، دخل على أبي عبد الله (عليه السلام) قوم من أهل خراسان فقال ابتداءً: (من جمع مالاً يحرسه، عذّبه الله على مقداره). فقالوا بالفارسية: (لانفهم العربية). فقال (عليه السلام) لهم: (هركة درم اندوزد جزايش ذوزخ باشد).
وكان مجلسه يجمع أحياناً بين العرب والعجم على اختلاف لغاتهم ولهجاتهم، فيحدث كلاً منهم بلغته، ويفهمه بلسانه.
وعن أبان بن تغلب قال: غدوت من منزلي بالمدينة وأنا أريد أبا عبد الله (عليه السلام)، فلما صرت بالباب، وجدث قوماً عنده لم أعرفهم، ولم أر قوماً أحسن زياً منهم، ولا أحسن سيماء منهم، كأن الطير على رؤوسهم، فجعل أبو عبد الله (عليه السلام) (يحدثنا بحديث، فخرجنا من عنده، وقد فهم خمسة عشر نفراً منها متفرقوا الألسن، منها اللسان العربي والفارسي والنبطي والحبشي والصقلبي. فقال البعض: ما هذا الحديث الذي حدثنا به؟ قال له آخر لسانه عربي: حدّثني كذا بالعربية. وقال الفارسي: ما فهمت، إنما حدثني كذا وكذا بالفارسية. وقال الحبشي: ما حدثني إلا بالحبشية. وقال الصقلبي: ما حدّثني إلا بالصقلبية، فرجعوا إليه، فأخبروه، فقال (عليه السلام): الحديث واحد، ولكنه فسر لكم بألسنتكم(4) .
ب ـ العبرية:
وأما معرفته بالعبرية وتحدثه بها فمما لا شك فيه أيضاً. فقد جاء في ثنايا الأحاديث المروّية عنه ما يثبت ذلك، وسنسوق حديثنا عنه (عليه السلام) استشهاداً لا استقراء.
في (بصائر الدرجات): عن عامر بن علي الجامعي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) (جُعلت فداك، إنا نأكل ذبائح أهل الكتاب، ولا ندري أيسمون عليها أم لا؟(5) .
فقال: إذا سمعتوهم قد سمّوا، فكلوا، أتدري ما يقولون على ذبائحهم؟
فقلت: لا.
فقرأ كأنه شبه يهودي، قد عذها، ثم قال: بهذا أمروا.
فقلت: جُعلت فداك، إن رأيت أن نكتبها.
قال: اكتب: (نوح أيوا أدينوا يلهيز ما لحوا عالم أشرسوا أو صوبنوا (يوسعه) موسق ذعال اسطحوا)(6) .
وفي حديث آخر جاء النص كالآتي: (باروح أنا دوناي إيلوهنوا ملخ عولام اشرفدشنوا عبسوتا وسينوانوا على هشخيطا). يعني تباركت ‎أنت الله إلهنا مالك العالمين الذي قدّسنا بأوامره، وأمرنا على الذبح(7) .
ج ـ النبطية(8) :
بدخول الاسلام بلاد الشام وفلسطين (بيزنطة الشرقية) ازداد عدد الأنباط في حاضرة العالم الإسلامي، سواء الأحرار منهم أم الموالي، وكثر التزاوج بينهم وبين العرب، فتعلم البعض النبطية من هذا الاختلاط.
وكان امير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يعرف النبطية ويتحدث بها. ولا شك أن أبناءه الكرام الذين تخرجوا من مدرسته وتخلقوا بأخلاقه هم حملة علمه ووارثو فضله(9) .
فهذا أمير المؤمنين (عليه السلام) (حين أتى أهل النهروان، نزل (قطفتا) فاجتمع إليه أهل بادوريا)(10) فشكوا إليه ثقل خراجهم، وكلموه بالنبطية، وقالوا أن لهم جيراناً أوسع أرضاً وأقل خراجاً، فأجابهم بالنبطية (رعر روظا من عوديا)، أي معناه، رُبَّ رجز صغير خير من رجز كبير(11) .
وهذا يونس بن ظبيان النبطي يحدث الإمام الصادق (عليه السلام) (بالنبطية ويخبره عن أول خارجة خرجت على موسى بن عمران، وعلى المسيح، ثم على أمير المؤمنين بالنهروان. ثمَّ قال لي: كيف (مالح دير بير ماكي
مالح)، يعني عند قريتك، وهو بالنبطية(12) .
فمن خلال هذا العرض السريع والاشارات الواضحة، يبين أن الصادق (عليه السلام) (كان على معرفة تامة بلغات أهل عصره وأبناء مجتمعه مهما بعدت أوطانهم واختلفت ثقاقاتهم.
2 ـ الطب
لاريب في أن الإمام جعفراً الصادق (عليه السلام) (كان على إلمام تام بالطب وما يتعلق به. وقد تحدث وأبان، في ما روي عنه، عن الطبائع والأمزجة، وعن الأشياء ومنافعها ومضارها، مما يثبت وقوفه على هذا العلم.
وقد جمع بعض علماء السلف شيئاً كثيراً من آراء الأئمة في الطب وسماه (طب الأئمة). ويروي المجلسي (قد) الكثير عن هذا الكتاب في كتابه (بحار الأنوار)، وكذلك الشيخ الحرّ العاملي في (وسائل الشيعة)، إلا أن هذا الكتاب لا وجود له اليوم.
وقد خصص الإمام الصادق (عليه السلام) (في ما القاه على المفضّل بن عمر الجعفي فصلاً تحدّث فيه عن الطبائع وفوائد الأدوية وتشريح الجسم ومعرفة وظائف الأعضاء (الفسيولوجيا).
وفي ثنايا كتب الأحاديث وما إليها حديث مستفيض من كلام الإمام الصادق (عليه السلام) (عن خواص الأشياء وفوائدها وعلاج الأمراض والأوجاع والحمية الوقائية. وسنورد بعض هذه الأحاديث للتدليل على هذا القول تدليلاً قاطعاً.
قال محمد بن مسلم سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) (يقول: ما وجدنا للحمى مثل الماء البارد. وفي حديث آخر: الحمّى من فيح جهنم.
فأطفئوها بالماء البارد(13) .
وفي وجوب غسل الفاكهة قبل الأكل قال: (إن لكل ثمرة سما، فإذا أتيتم بها فامسكوها واغسلوها بالماء(14) .
وفي (الكافي) عن أحمد بن محمد عن بعض أصحابه قال: كنت أجالس أبا عبد الله (عليه السلام) (فلا والله ما رأيت مجلساً أنبل من مجالسه. قال:
فقال لي ذات يوم: من أين تخرج العطسة؟.
فقلت: من الأنف.
فقال لي: أصبت الخطأ.
فقلت جُعلت فداك، من أين تخرج؟
فقال: من جميع البدن، كما وأن النطفة تخرج من جميع البدن... أما رأيت الانسان إذا عطس نفض أعضاءه؟(15) .
وهذا ابن ماسوية، أشهر أطباء عصره، ينصت للامام الصادق (عليه السلام) في شرحه وتوضيحه للطبائع وعلى الأمراض. وحدث أبو هفان في محضر ابن ماسوية(16) بأن جعفرا بن محمد (عليه السلام) قال: الطبائع أربع: الدم وهو عبد، وربما قتل العبد سيده، والريح، وهو عدو، إذا سددت له بابا أتاك من آخر. والبلغم وهو ملك يُدارى، والمرة، وهي الأرض إذا رجفت رجفت بمن عليها. فقال ماسوية: أعد عليّ، فوالله ما يُحسن جالينوس أن يصف هذا الوصف(17) .
وهذا طبيب المنصور يحضر عنده ليقرأ عليه كتاب الطب، فإذا به يحضر مرة وعند الصادق (عليه السلام)، فجعل ينصت لقراءته، فلما فرغ، قال: يا أبا عبد الله، أتريد مما معي شيئاً، قال: لا، لأن ما معي خير مما هو معك. قال: ما هو؟ قال: أداوي الحار بالبارد، والبارد بالحار، والرطب باليابس، واليابس بالرطب، وارد الأمر كله إلى الله، واستعمل ما قاله رسول الله وأعلم أن المعدة بيت الأدواء وأن الحمية هي الدواء، وأعود البدن ما اعتاد. قال (الطبيب) وهل الطب إلا هذا؟
قال الصادق: أتراني عن كتب الطب أخذت؟
قال: نعم.
قال: لا والله ما أخذت إلا عن الله سبحانه وتعالى. فأخبرني: أأنا أعلم بالطب أم أنت؟
قال: سل.
فسأل عشرين مسألة، وهو يقول لا أعلم. فقال الصادق (عليه السلام): ولكني أعلم(18) وبدأ بشرحها وتفصيلها. وهذا مذكور في كتب الحديث.
وقد فصّل (عليه السلام) الحديث على الهيكل العظمي والأعصاب والجوارح في جسم الانسان وشرحها شرحاً دقيقاً عندما سأله الطبيب النصراني عن ذلك. فقد روى سالم الصرير: أن نصرانياً سأل الصادق (عليه السلام) تفصيل الجسم، فقال (عليه السلام): ان الله تعالى خلق الانسان على اثني عشر وصلاً، وعلى مائتي وستة وأربعين عظماً، وعلى ثلاث مائة وستين عرقاً.
فالعروق هي التي تسقي الجسد كله، والعظام تمسكها، والشحم يمسك العظام، والعصب يمسك اللحم. وجعل في يديه اثنين وثمانين عظماً في كل يد واحد وأربعون عظماً، منها في كفة خمسة وثلاثون عظماً، وفي ساعده اثنان، وفي عضده واحد، وكتفه ثلاثة وكذلك الأخرى.
وفي رجله ثلاثة وأربعون عظيماً، منها في قدمه خمسة وثلاثون عظماً، وفي ساقه اثنان، وفي ركبته ثلاث، وفي فخذه واحد، وفي وركه اثنان، وكذلك في الأخرى. وفي صلبه ثماني عشرة فقارة، وفي كل واحد من جنبيه تسعة أضلاع، وفي عنقه ثمانية، وفي رأسه ستة وثلاثون عظماً، وفي فيه ثمانية وعشرون واثنان وثلاثون(19) .
ولا يتسنى تفصيل الجسم البشري والهيكل العظمي بهذه الدقة إلا لمن اتيحت له فرصة دراسة الطب والتشريح. وقد أفاد الإمام (عليه السلام) غيره بهذا العلم، وتخرج من مدرسته هذه عدد من أصحابه.
ومن خريجي مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) العلمية في مجال الطب والصيدلة جابر بن حيّان الطرطوسي. فهو بالاضافة إلى تخصصه في الكيمياء صنف مؤلفات في الطب أورد منها ابن النديم: (رسالة في الطب) و(كتاب السموم) و(كتاب المجسة) و(كتاب النبض) و(كتاب التشريح)(20) .
وكان جابر بن حيّان أول من أشار إلى طبقات العين، فسبق بذلك يوحنا ابن ماسوية المتوفي سنة (243 هـ)، وسبق حنين ابن اسحاق المتوفي سنة (264 هـ)، وهما من اعلام الطب في هذا العصر.
ومن أبناء هذه المدرسة أبو علي الحسن بن فضل، وهو من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام) ومن علماء علم الشيعة العظام في عصره الذين برعوا في علم الطب وألفّوا فيه. ومن مؤلفاته (كتاب الطب) و(كتاب النجوم)(21)
3 ـ الكيمياء
تتزايد أهمية الكيمياء يوماً بعد يوم، وتثبت التجارب العلمية الحديثة أن الحياة تتألف من عمليات كيميائية معقدّة، كما ثبت أن الوراثة وليدة للتفاعلات الكيميائية.
بل لعلم الكواكب والأرض تكونت نتيجة لعمليات كيميائية مستمرة، كما أن التغييرات التي تطرأ على الكون هي في كثير من الحالات ذات طبيعة كيميائية.
ومن الشائع الثابت أن الإمام الصادق (عليه السلام) كان على علم بخواص الأشياء منفردة ومركّبة، وأنه درّس علم الكيمياء في مدرسته قبل اثني عشر قرناً ونصف قرن. واشتهر من تلامذته في هذا العلم هشام بن الحكم المتوفي حوالي سنة (199 هـ) وهو من أصحاب الصادق (عليه السلام) وتلامذته، وله نظرية في جسمية الأعراض كاللون والطعم والرائحة، وقد أخذ ابراهيم بن سيّار النظّام المعتزلي هذه النظرية لمّا تتلمذ على هشام.
وقد أثبتت صحة هذا الرأي النظريات العلمية الحديثة القائلة أن الضوء يتألف من جزيئات في منتهى الصغر، تجتاز الفراغ والأجسام الشفافة، وأن الرائحة أيضاً من جزيئات متبخرة من الأجسام تتأثر بها الغدد الأنفية، وأن المذاق جزيئات صغيرة تتأثر به الحليمات اللسانية.
ومن تلامذة الإمام الصادق (عليه السلام) الذين اشتهروا ببراعتهم في
الكيمياء والعلوم الطبيعية جابر بن حيّان الصوفي الطرطوسي، الذي دوّن وألف خمسمائة رسالة من تقريرات الإمام في علمي الكيمياء والطب في ألف ورقة(22)
وقد ذكر، ابن النديم في الفهرست وأطال فيه الكلام، وذكر له كتبا ورسائل في مختلف العلوم ولا سيما في الكيمياء، والطب، والفلسفة والكلام.
وقد أكبر المؤلفون المسلمون منزلة جابر، وعدّوه مفخرةً من مفاخر الاسلام. ولا بدع، فإن تزيد مؤلفاته على ثلاثة آلاف كتاب ورسالة في مختلف العلوم، وجلها في العوم النظرية والطبيعية التي تحتاج إلى زمن طويل في تجاربها وتطبيقاتها، لجدير بالتقدير والاكبار.
وقد تمكن جابر من تحقيق وتطبيق طائفة كبيرة من النظريات العلمية، أهمها تحضير (حامض الكبريتيك) بتقطيره من الشبّة. وسمّه (زيت الزاج).كما حضر (حامض النتريك) و (ماء الذهب) و (الصودا الكاوية).
وكان جابر أوّل من لاحظ ترسّب (كلورود الفضة) عند إضافة محلول ملح الطعام إلى محلول (نترات الفضة).
وينسب إليه تحضير مركّبات أخرى مثل كربونات البوتاسيوم و كربونات الصوديوم وغير ذلك مما له أهمية كبرى في صنع المفرقعات والاصباغ والسماد الصناعي والصابون وما إلى ذلك.
ولم تقف عبقرية جابر في الكيمياء عند حدّ تحضير هذه المواد فحسب، بل انبعث منها إلى ابتكار شيء جديد في الكيمياء هو ما سمّاه
بعلم (الميزان)، أي معادلة ما في الأجساد والمعادن من طبائع، وقد جعل لكل جسد من الأجساد موازين خاصة بطبائعه، وكان ذلك بداية لعلم المعادلات في طبائع كل جسم(23) .
وقد امتد نشاط جابر إلى ناحية أخرى من الكيمياء هي التي يسمونها بالصنعة، أي تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن ثمينة من ذهب وفضة. ويعدّ جابر رائداً لمن أتى بعده من العلماء اللذين شُغفوا بهذه الناحية من الكيمياء، كالرازي وابن مسكوية والصغرائي والمجيرطي واالجلدكي.
وكانت نظرية تحويل المعادن إلى ذهب أو فضة نظرية يونانية قديمة فُتن بها المسلمون من بعدهم، فوضع جابر فيها رسائل كثيرة، وشرح قواعدها وأصولها بكتبه المتعددة.
يقول ابن النديم: (حدّثني بعض الثقات ممن تعاطى الصنعة إنه (أي جابر) كان ينزل في شارع باب الشام في درب يعرف بدرب الذهب، وقال لي هذا الرجل أن جابراً كان أكثر مقامه بالكوفة، وبها كان يدير (الأكسير) لصحة هوائها، ولمّا أصيب الأزج الذي وجد فيه هاون ذهب، فيه نحو مائتي رطل. كان من موضع دار جابر بن حيّان، فإنه لم يصب في ذلك الأزج غير الهاون فقط)(24) .
ويعتقد الدكتور محمد يحيى الهاشمي أن الذي يقصده جابر (بالأكاسير) هو (الراديوم) نفسه، أو أحد الأجسام المشعّة فيقول: (ومما يزيد اعجابنا ادّعاء جابر بأنّ هذا السّر له دخل في جميع الأعمال، واننا إذا أمعنّا النظر في الوقت الحاضر، لوجدنا اكتشاف الأجسام المشعّة التي تؤدي إلى قلب عنصر المادة وتحطيم الذرة لم يمكن من نتائجها القنبلة
الذرية فحسب بل ايجاد منابع قوة جديدة لم تكن تطرق على بال الانسان)(25) .
وصلت نظرية (الصنعة) ضرباً من ضروب الآمال والأحلام بل الأوهام وكان من يشتغل بها يُرمى بالعته والهوس، حتى ان الكندي وابن خلدون نبذا هذه الفكرة، وأكدّا عدم امكان تحويل أي عنصر إلى عنصر آخر.
غير أن ما حدث في عام 1919 من تحطيم ذرّات (النتروجين) وتحيلها إلى ذرات (الأكسجين) و (الهيدروجين) قد بدّل مفهوم هذه الفكرة، وأثبت إمكان تحقيقها بالفعل.
وقد تولت بعد ذلك تجارب شطر نواة الذّرة، باستخدام قذائف من جُسيمات (ألفا) أي نوى (الهليوم)، ومن جسميات أخف ولكن أكبر أثراً منها وهي البروتونات أي نُوى (الهدرجين) بعد إطلاقها بسرعة فائقة، وأمكن بذلك شطر نواة الذّرة وتحويل عدد من العناصر إلى عناصر أخرى، كتحويل الهدروجين إلى عنصر الهليوم، وتحويل الصوديوم إلى مغنسيوم، والليثيوم والبورون إلى هليوم، فتحقق فعلاً أمر تحليل العناصر وتحويل بعضها الى بعض.
وقد افرد الاْستاذ محمد يحيى الهاشمي لهذا الموضوع كتابا سماه(الإمام الصادق ملهم الكيمياء)(26) ، نحيل إليه القارىْطلبا لمزيد من البحث.
وللمستشرق الفرنسي بول كراوس(27) كتب وبحث مستفيضان حول شخصية جابر بن حيّان العلمية، وإن كان فيهما ما يدعو إلى التأمل والمناقشة، خاصة استبعاد، لبعض هذه النظريات العلمية في عصر الصادق ع. وقد قام الكاتب والعالم المصري اسماعيل مظهر بمناقشة آراء كرواس والرد على ما أورده، من شكوك واهية، في سلسلة مقالات نشرتها مجلة (المقتطف)(28) . كما أن الأستاذ أحمد زكي صالح نشر سلسلة أخرى من المقالات في نفس الموضوع في مجلة (الرسالة) المصرية(29) . وللفيلسوف الفرنسي هنري كوربلن بدوره مؤلف عن جابر بن حيّان وكتابه الكيمياء(30) .
4 - علم الهيئة والنجوم
كان الإمام الصادق (عليه السلام) (من علماء الفلك والنجوم(31) ، وله آراء ونظريات في دوران الكرة الأرضية وحركتها، وفي مقدار اشعة النجوم، وحركة الضوء. وكان يلقي دروسه وإفاداته في هذا العلم على تلاميذه وطلاب العلم، ويناقش محترفي علم النجوم، ويصحح آرائهم، ويوضح لهم اخطاءهم.
دخل على الصادق (عليه السلام) (منجم يماني.
فسأله الإمام: ما صناعتك يا سعد؟
قال: أن من أهل بين ننظر في النجوم.
فقال: كم ضوء الشمس على ضوء القمر درجة؟
قال: لا أدري.
قال: فكم ضوء القمر على ضوء الزهرة درجة؟
قال: لا ادري.
قال: فكم للمشتري من ضوء عطارد؟
قال لا أدري.
قال: فما أسم النجوم التي إذا طلعت هاجت البقر؟
قال: لا أدري.
قال: يا أخا أهل اليمن، عندكم علماء؟
قال:نعم. إن عالمهم ليزجر الطير ويقفو الأثر في الساعة الواحدة مسير سير الراكب المجد.
فقال (عليه السلام): إن عالم المدينة(32) أعلم من عالم اليمن، لأن عالم المدينة ينتهي إلى حيث لا يقفو الأثر ويزجر الطير، ويعلم ما في اللحظة الواحدة مسيرة الشمس.
قال: ما ظننت أن أحداً يعلم هذا ويدري(33) .
كان هذا الفلكي من اليمن التي كانت من مراكز الاهتمام بالنجوم وعلم الفلك بين النهرين وواسط. وقد جاء فلكي من (واسط) ودخل على الإمام الصادق (عليه السلام)، فسأله الصادق (عليه السلام) (عن المنظومة الشمسية وحركة الكرة الأرضية، وجرى بينهما حوار مفصل ورد في (الكافي) نجترئ منه بما يهمنا في هذا المقام.
قال: الفلكي: قلت ا خلفت بالعراق ابصر بالنجوم مني.
فقال الإمام (عليه السلام): كيف دوران الفلك عندكم؟
قال: فاخذت قلنسوتي عن رأسي فأدرتها.
فقال الإمام (عليه السلام): إن كان الأمر على ما تقول، فما بال بنات النعش والجدي والفرقدين لا يرون يدورون يوماً من الدهر في القبلة؟
قال: قلت: والله هذا شيء لا أعرفه، ولا سمعت أحداً من أهل الحساب يذكره.
فقال لي: كم السكينة من الزهرة جزءا في ضوئها؟
قال قلت: هذا والله نجم ما سمعت به، ولا سمعت أحداً من الناس يذكره.
قال: سبحان الله، فأسقطتم نجماً بأسره، فعلى ما تحسبون؟
إلى أن قال (عليه السلام): صدقت، أهل الحساب حق، ولكن لا يعمل ذلك إلا من علم مواليد الخلق كلهم(34) .
وكان من تأثير توجيهات الإمام وارشاداته في علوم الهيئة والفلك أن اهتم تلامذته بهذه العلوم، واشتغلوا بالأرصاد والأزياج والتقاويم والتنجيم والاختبارات وغير ذلك من فروع علم الفلك من أقدم الأزمنة.
كان ابو اسحاق ابراهيم حبيب الفزاري المتوفي عام (161 هـ ـ 777 م)، وهو من أصحاب الإمامين الصادق وموسى بن جعفر (عليه السلام)، أول من عمل الاصطرلاب في الاسلام(35) . وأول من ألف فيه. وله في ذلك (كتاب العمل بالاصطرلابات ذوات الحلق)، وكتاب (العمل بالاصطرلاب السطح)(36) .
والاصطرلاب لفظة يونانية مأخوذة من كلمة (الاصطرلابون)، ومعناها مرآة النجم (اصطر: النجم، لابون: مرآة). وقيل أنها لفظة فارسية أصلها (ستارة باب) أي كاشف النجم.
وهذا أحمد بن الحسن بن أبي الحسن الفلكي الطوسي،تخصص في علم الفلك حتى اشتهر به، ووضع كتاب (المنار) وكتاب (شرح التهذيب في الامامة) وله في النجوم والفلك كتاب (ريحان المجالس وتحفة المؤانس)، وقد نقل عنه السيد ابن طاووس. وقال عنه في كتابه (فرج المهموم) إن الكتاب عندي، وفيه أحاديث الكواكب وأسرارها واختيارها(37) .
وهذا محمد بن مسعود العياشي التميمي، وصفه ابن النديم بقوله: من فقهاء الشيعة الامامية. أوحد أهل دهره وزمانه في غزارة العلم، له كتاب (النجوم والفأر)، و (القيافة والزجر) و(كتاب الطب)(38) .
وهذا أبــــو علي الحسن بــن فضال من اصحـــاب الإمام علي بـــن موسى الرضا (عليه السلام)، وله كتاب (النجوم) و(كتاب الطب)(39)
1 - بصائر الدرجات ج7 باب 11 ص 96.
2 - المصدر السابق ج7 باب 12 ص67 (وفيه فلا يخبرنا).
3 - الاختصاص ص325.
4 - بحار الأنوار ج47 ص99، قال الجزري في (صفة الصحابة): كأنما على رؤوسهم الطير، وصفهم بالسكون والوقار وأنه لم يكن فيهم طيش ولا خفة لأن الطير لا تكاد تقع إلا على شيء ساكن. (أسد الغابة 1/36).
5 - التسمية: النطق باسم الله عند الذبح، عملاً بالآية الكريمة (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) الأنعام آية/121.
6 - ج7 باب11 ص95 وبحار الأنوار ج47 ص81.
7 - المناقب 4: 318 والدمعة الساكبة أيضاً.
8 - ذكر القزويني في عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات عن علي عليه السلام أنه قال: وأن تسألوا عنا فأنا نبط من كوثى ـ أنظر مادة كوثى (على وزن موسى).
9 - وفي عقيدة الشيعة أن النبي محمد (صلى الله عليه وآله) والأئمة من بعده (عليه السلام) يعرفون جميع اللغات ـ بالعلم اللدني من الله سبحانه، ولهم على ذلك أدلة ليس هنا مجال لذكرها.
10 - بادوريا: طسوج من كورة الاستان بالجانب الغربي من بغداد (معجم البلدان).
11 - بصائر الدرجات ج7 ص96.
12 - نفس المصدر ج7 باب 11 ص97.
13 - وسائل الشيعة 2: 647.
14 - المصدر السابق كتاب الأطعمة والأشربة 3: 276.
15 - الأصول من الكافي 3: 657.
16 - هو يوحنا بن ماسوية من أطباء العصر العباسي المشهورين وقد توفي عام 234هـ.
17 - المناقب 4: 259.
18 - المصدر السابق: 4: 260.
19 - المناقب 4: 255 ـ 256.
20 - الفهرست 312.
21 - المرجع السابق.
22 - ابن خنلكان في أحوال الصادق 1: 150 وكتاب الفهرست.
23 - فلاسفة الشيعة ص 63.
24 - الفهرست: 499.
25 - الإمام الصادق ملهم الكيمياء: 156 للاستاذ محمد يحيى الهاشمي /مطبعة النجاح ببغداد/ 1950 م.
26 - الإمام الصادق ملهم الكيمياء: مطبعة النجاح، بغداد، 1950 م.
27 - P.Kraus, Jabir Ibn Hayan
contribution L,histoire Des Idees Scientfiques Dans I,Islam, Le Cair, 1943.
28 - مجلة المقتطف في أعدادها (68: 544 ـ 551 ومن 617 ـ 625).
29 - مجلة (الرسالة) (السنة الثامنة ص 1204 ـ 1206 ومن 1235 ـ 1237 ومن 1268 ـ 1270 ومن 1299 ـ 1302).
30 - أنظر المقدمة.
31 - قولنا إن الإمام عالم بالفلك والنجوم لا يعني أنه فلكي أو منجم.
32 - يقصد الإمام بعالم المدينة نفسه.
33 - بحار الأنوار: 47: 318.
34 - الكافي 8: 351.
35 - فلاسفة الشيعة: ص 74.
36 - الاصطرلاب أنواع منها المسطح والمبطح والتام والهلالي، ومن أجهزة الرصد الأخرى التي صنعها علماء الشيعة اللنبة، والحلقة الاعتدالية ذات الأوتار، وذات الحلق، وذات الشعبتين، وذات الجيب، وذات السمت والارتفاع.
37 - انظر الذريعة إلى تصانيف الشيعة.
38 - الفهرست: 274 ـ 275.
39 - المصدر السابق.

علي العذاري
07-26-2012, 12:02 PM
تدوين العلوم في عصر الصادق (عليه السلام)



طالعنا في العرض الموجز غزارة علم الإمام وتشعب معارفه، فكان يحق له ان يكون مهوى للانظار وملاذاً فريداً للباحثين، وعوناً للعارفين والموالين، مهما بعدت أوطانهم، فكانوا يأتونه من كل بقعة وأرض، ويتوجهون إليه من كل ناحية وصوب، يستحضرون الدواء والقرطاس ليكتبوا ما يمليه عليهم الإمام، وقد كثر من استقى منه العلم، حتى بلغ من عرف منهم أربعة آلاف أو يزيدون، فهو منعطف هام في تاريخ الشيعة العلمي. أما الذين أخذوا عنه العلم من غير الامامية، فكانوا يرون جلالته وسيادته وإمامته، وقد عدّوا أخذهم عنه منقبةً شرفوا بها وفضيلة اكتسبوها(1) .
وفي (صواعق) ابن حجر، ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان.ومما قاله النووي: (اتفقوا على إمامته (الصادق) وجلالته وسيادته).قال عمرو بن أبي المقدام: (كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد، علمت أنه من سلالة النبيين)(2) .
وهذا ابن أبي الحديد قد أرجع علم المذاهب الأربعة إليه في الفقه(3) .
ولنفاسة العلم وشرفه حض على طلبه وإن كلف غالياً فقال: (اطلبوا العلم ولو بخوض المهج وشق اللجج)(4) .
وحثهم على كتابة العلم ونشره، فقال (عليه السلام): (اكتبوا، فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا) ومما قاله لمفضل بن عمر: (اكتب وبث علمك في إخوانك، فإن متَّ فورِّث كتبك بنيك، فإنه يأتي زمان هرج، ما يأنسون فيه إلا بكتبهم).وقال (عليه السلام): (احتفظوا بكتبكم فإنكم سوف تحتاجون إليها)(5) .
وكان من تأثير توجيهه هذا إن جمع شطر من الأحاديث التي رويت عنه وعن آبائه وأبنائه في الأخلاق والأدب والأحكام وحدها، فكانت الحصيلة أربعة كتب هي: (الكافي) و (من لا يحضره الفقيه) و (التهذيب) و (الاستبصار).هذا بالاضافة إلى من ألف في مختلف العلوم من الطب والكيمياء والنجوم والفلك مما مر ذكره. فمن عصر الإمام الصادق (عليه السلام) ابتدأ الأليف ونشط التدوين عند الشيعة.فهذا جابر بن حيّان يسجل تقريرات الإمام في خمسمائة رسالة وفي ألف ورقة(6) .
وهذا اسماعيل بن مهران بن أبي نصر السكوني وهذا أبو جعفر أحمد بن خالد البرقي، وهذا أحمد بن الحسين بن أبي الحسن الفلكي الطوسي، وهذا أبو النضر محمد بن مسعود العياشي التميمي، وهذا أبو علي الحسن بن فضال وغيرهم من أصحاب الصادق وابنه (عليه السلام)، لكل منهم تأليف وتدوين في الحديث والطب والفلك والكيمياء.ويطالعنا الكتاب بالجوانب غير المعروفة من حياة الإمام (عليه السلام) العلمية التي لم تنل حقها من عناية كتّابنا الاسلاميين، اذ كان جلّ اهتمام علماء المسلمين من الشيعة والسنة منصرفاً ـ كما نعلم ـ إلى دراسة الفقه والتفسير والاخلاق، وكل ما روي عن الرسول الأعظم في ما يتعلق بأمور العبادة والروح. فهذه إذن دراسة علمية وافية لجوانب أخرى مجهولة لنا من مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام)، وخاصة ما يتعلق منها بالعلوم التجريبية والنظرية كالطب والرياضيات والفلك والفيزياء والكيمياء ومبادئ علمية أخرى لم تظهر أهميتها إلا بعد عصر النهضة في أوربا مع ثورة الاختراعات الحديثة والاكتشافات العلمية المذهلة في هذه الميادين.




1 - تهذيب الأسماء واللغات، وشرح النهج لابين أبي الحديد: 1: 6.
2 - تهذيب الأسماء واللغات: 1: 149 ـ 150.
3 - شرح النهج 1: 6.
4 - بحار الأنوار 46: 265.
5 - المصدر السابق. 6 - الفهرست 450 ـ 498.
SAIF Al-BABBLY
09-27-2011, 09:22 PM
موقف الإمام (عليه السلام) من الخلافة والخلفاء




وقد تفرغ الإمام الصادق (عليه السلام) لأداء الرسالة العلمية، واستغنى عن طلب الرئاسة والسلطة السياسية(1) ،
في حين أنه كان يحمل على عاتقه عبء الحفاظ على مكانة بني هاشم وعلى دمائهم، لأن الإمام (عليه السلام) كان أكبرهم منزلة. وفي سنة (125 هـ 743 م) قتل همه يزيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) في حرب بني أمية، وكان لها وقع شديد في نفس الإمام (عليه السلام)، وزاد موقفه حرجاً. وزاد ثقل العبء على كاهله، غير أنه استطاع بمقدرته ولباقته اجتناب غضب بني أمية بزهده في دنياهم واعتزاله في بيته ومدرسته، حيناً في المدينة وحيناً في الكوفة، منصرفاً إلى افادة طلاب العلم والعبادة.ثمَّ جاءت الدولة العباسية، فظن البعض أن الغمة قد انجابت، فإذا ببني العباس أشدّ إلحاحاً في تعقب آل علي (عليه السلام) من بني أمية، فاستمر الإمام (عليه السلام) في عزلته وانصرافه إلى التعليم والافادة.وكانت أيام السفاح (أول الخلفاء العباسيين) أربع سنين، وهي مدة غير كافية للقضاء على بني أمية قضاءاً مبرماً، ولا لبناء أسس الملك وترسيخ دعائمه. ولكنه مع ذلك لم يدع الصادق (عليه السلام) وشأنه، بل بعث إليه من يتعقبه من المدينة المنورة إلى الحيرة ليفتك به، وكان دافعه في الإِقدام على هذا العمل الشائن ضدَّ رجل اشتغل بالعبادة والتعليم والارشاد، فضلا عن كونه من أبناء عمومته، خوفه من أن يتجه القوم إلى الصادق (عليه السلام) ويعرفوا منزلته. وكانت الناس إلى ذلك العهد، ترى أن الخلافة جماع للسلطتين الروحية والزمنية، ولا تراها سلطاناً خالصاً مبتوت الصلة بالدين.وبسبب هذه الخشية ترصد المنصور للصادق (عليه السلام)، فرأى الإمام (عليه السلام) منه ضروباً من الآلام والمكاره. قال ابن طاووس: إن المنصور دعا الصادق (عليه السلام) سبع مرات كان بعضها في المدينة والربذة حين حج المنصور، وبعضها يرسل إليه إلى الكوفة، وبعضها إلى بغداد، وما كان يرسل عليه مرة إلا ويريد فيها قتله(2) .

وقال ابن حمدون: كتب المنصور إلى جعفر بن محمد (عليه السلام): (لم لا تغشانا كما يغشانا الناس؟ فأجابه ليس لنا ما نخافك من أجله، ولا عندك من أمره الآخرة ما نرجوك له. ولا أنت في نعمة فنهنئك، ولا تراها نقمة فنعزيك بها، فما نصنع عندك؟).قال: فكتب إليه: تصحبنا لتنصحنا.فأجابه: من أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الآخرة لا يصحبك.فقال المنصور: (والله لقد ميز عندي منازل الناس، من يريد الدنيا ممن يريد الآخرة)(3)

نعم إن الإمام الادق، بزهده في دنياهم، وبحذره ولباقته ومقدرته استطاع أداء تلك الرسالة العلمية الخالدة، وقُدّر للشيعة أن ينتسبوا من بين الأئمة الإثني عشر إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وأن يشتهروا بالجعفرية بفضل ما ترك الصادق (عليه السلام) من التراث العلمي.


1 - يقول الشهرستاني انه (عليه السلام) ما تعرض للامامة قط. ولا نازع احد الخلافة، ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط، ومن تعلى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حظ.
2 - بحار الأنوار 47: 185.
3 - بحار الأنوار 47: 184.

علي العذاري
07-26-2012, 12:04 PM
الصادق (عليه السلام) ونظرته الاقتصادية إلى الحياة





كان الإمام الصادق (عليه السلام) مهوى الأفئدة، ومرجعاً لكل طالب علم ومحب ومُوالٍ، هذا من شيعته بخراسان يهديه الملابس البيضاء، وهذا من محبيه من أمراء الصين يرسل إليه بجارية(1) ، وهذا من شيعته بالعراق يرسل إليه بما فرضه الله عليه.ولكن هذا كله ما كان يمنعه من طلب الرزق والكسب الحلال بجهده وعرقه ليستغني عما في أيدي الناس، ويستقل بأمور نفسهن فضرب بذلك أروع مثل للعلماء العاملين. وكان حقاً قدوة لمن يريد الاقتداء بسيرته والسير على منهاجه.جاء في (الكافي): عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: استقبلت أبا عبد الله(عليه السلام) في بعض طرق المدينة في يوم طائف شديد الحر، فقلت: جُعلت فداك، حالك عند الله عز وجل، وقرابتك من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنت تجهد نفسك في مثل هذا اليوم؟ فقال: يا عبد الأعلى، خرجت في طلب الرزق لأستغني عن مثلك(2) .

أما العمل الشاق الذي كان يضطلع به في أحوال جوية عاتية وظروف شديدة الوطأة أحيانا، فهو العمل في التجارة حيناً وفي المضاربة أو الزراعة حيناً، يقوم به أما بنفسه وإما بالاستعانة بغيره، وهكذا يحتفظ بكبريائه واستقلاله.وجاء في (الكاف): عن اسماعيل بن جابر قال: أتيت أبا عبد الله (عليه السلام) وإذا هو في حائط له (أي مزرعة مسورة)، بيده مسحاة وهو يفتح بها الماء (أي يسقي الزراع)، وعليه قميص شبه الكرابيس، كأنه مخيط عليه من ضيقه(3).

وفي حديث آخر: وبيده مسحاة وعليه أزرار غليظ يعمل في حائط له، والعرق يتصبب على ظهره، فقلت: جُعلت فداك، أعطني أكفك، فقال لي: (إني أحب أن يتأذى الرجل بحر الشمس في طلب المعيشة)(4) .

وكان عليه السلام يباشر بنفسه جميع أعمال الزراعة وجمع الثمار وكيلها وبيعها. جاء في (الكافي): عن داود بن سرحان قال: رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) يكيل تمراً بيده، فقلت: جعلت فداك، لو امرت بعض ولدك أو بعض مواليك، فيكفيك؟(5) .

وكان عليه السلام إذا استأجر أو استعان بأجير بادره بدفع حقه قبل مطالبته إياه.وجاء في (الكافي): عن حنان بن شعيب قال: تكارينا لأبي عبد الله (عليه السلام) قوماً يعملون في بستان له، وكان أجَّلهم إلى العصر، فلما فرغوا قال لمعتب: أعطهم أجورهم قبل ان يجف عرقهم(6) .

وكان الصادق (عليه السلام) يهتم بالتجارة إلى جانب الزراعة ويعطي ماله أحياناً بالمضاربة لمن يتجر به، ثمَّ يحاسبه ويستوفي حقه وربحه منه، لا حُبّاًفي الأرباح واستزادة من المال والثروة، بل رغبة منه في العمل وفي دفع عجلة الاقتصاد في الجماعة الإسلامية إلى الإمام.عن محمد بن غذافر قال: أعطى أبو عبد الله (عليه السلام) أبي الفا وسبعمائة دينار فقال له: اتجر لي بها، ثمَّ قال: أما أنه ليس لي رغبة في ربحها، وإن كان الربح مرغوباً فيه، ولكني أحببت ان يراني الله عز وجل معترضاً لفوائده. قال أبي: فربحت له فيه مائة دينار، ثمَّ لقيته فقلت له: قد ربحت لك فيها مائة دينار، قال: ففرح أبو عبد الله (عليه السلام) بذلك فرحاً شديداً، ثمَّ قال لي: اثبتها في رأس مالي. قال: فمات أبي والمال عنده. فأرسل إلى أبو عبد الله (عليه السلام) وكتب: عافانا الله وإياك، إن لي عند أبي محمد ألفا وثماني مائة دينار أعطيته يتجر بها فأدفعها إلى عمر بن يزيد(7) .

وكان الإمام الصادق (عليه السلام) ينهي عن الاحتكار والاستغلال بمختلف أشكاله وصوره وخاصة في ما يتعلق بالأرزاق العامة، وما تشتد إليه حاجة الناس والمجتمع، فما كان يرضى أن يدخر حاجته على المدى البعيد ليريح نفسه ما دام أهله والناس في حاجة أو مشقة.عن جهم بن أبي جهم عن متعب(8) قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) وقد تزيد السعر بالمدينة، كم عندنا من طعام؟قال: قلت عندنا ما يكفينا أشهراً كثيرة.قال: أخرجه وبعه.قال وقلت له: وليس المدينة طعامقال: بعه.قلما بعته، قال: أشترِ مع الناس يوماً بيوم(9) .

ومما يدّل على عطف الإمام (عليه السلام) على الناس جميعاً سواء أكانوا من أهل مدينته أم من غيرها من المدن والأقاليم أنه (عليه السلام) دفع مبلغاً من المال لمولاه مصادف(10) ليتجر به. وعاد مصادف من رحلة تجارية قام بها إلى مصر مع ربح مضاعف، فاستكثر الصادق (عليه السلام) الربح، وأنكر على مولاه فعله، وعده حراماً، فأخذ الأصل وترك الربح.عن أبي جعفر الفزاري قال: دعا أبو عبد الله (عليه السلام) مولى له يقال له مصادف، فأعطاه ألف دينار وقال له: تجهز حتى تخرج إلى مصر، فإن عيالي قد كثروا.قال: فتجهز بمتاع، وخرج مع التجار إلى مصر. فلما دنوا من مصر، استقبلتهم قافلة خارجة من مصر فسألوهم عن المتاع الذي معهم، ما حاله في المدينة، وكان متاع العامة، فأخبروهم أنه ليس بمصر منه شيء، فتحالفوا وتعاقدوا على ألا ينقصوا متاعهم من ربح دينار ديناراً، فلما قبضوا أموالهم، انصرفوا إلى المدينة.فدخل مصادف على أبي عبد اله (عليه السلام) ومعه كيسان في كل منهما ألف دينار، فقال: جُعلت فداك، هذا رأس المال، وهذا الآخر ربح. فقال: إن هذا الربح كثير. ولكن ما صنعتم في المتاع.فحدّثه كيف صنعوا وكيف تحالفوا، فقال: سبحان الله، تحلفون على قوم مسلمين ألاّ تبيعوهــــم إلا بربـــح دينار ديناراً؟ ثـــمَّ أخذ الكيسين فقال: (هذا رأس مالي، ولا حاجة لنا في هذا الربح). ثمَّ قال: (يا مصادف مجالدة الســـيوف أهون من طلب الحلال)(11) .

وكان الإمام يتابع بنفسه أعمال وكلائه ومواليه في البيع والشراء والتجارة، ويحاسبهم حساباً دقيقاً.عن محمد بن مرازم عن أبيه قال: أشهدت أبا عبد الله (عليه السلام) وهو يحاسب وكيلاً له، والوكيل يكثر من قول: (والله ما خنت).فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يا هذا، خيانتك وتضييعك عليّ مالي سواء، الا أن الخيانة شرها عليك(12) .

وهكذا كان الصادق (عليه السلام) يهتم بتنظيم أمر المعيشةن والتجارة ويعلق على الاقتصاد أهميّةً قصوى، فكان مثالاً يقتدى به في امر الدنيا والدين على السواء. دون أن يحرّم على نفسه وعلى أهله طيبات ما أحل الله له.فهذا سفيان بن عيينة يقول لأبي عبد الله (عليه السلام) أنه يروى أن علياً ابن أبي طالب (عليه السلام) كان يلبس الخشن من الثياب، وأنت تلبس القوهي المروي(13) .

قال: ويحك، إن عليّاً (عليه السلام) كان في زمان ضيق، فإذا اتسع الزمان، فأبرار الزمان أولى به(14) .

وفي حديث آخر: فخير لباس كل زمان لباس أهله(15) .


1 - الخرائج والجرائح: 232 وبحار الأنوار 47: 97.
2 - الكافي 8: 87.
3 - الكافي:5: 76.
4 - المصدر السابق: 5: 76.
5 - المصدر السابق 5: 87.
6 - المصدر السابق 5: 289.
7 - الكافي 5: 76.
8 - (متعب) كان مولى لأبي عبد الله (عليه السلام)، وهو من أهل المعرفة والفضل ومن الموثوق بهم في الحديث، وقد عده الرجاليون في أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام، وعن الصادق (عليه السلام) أن مواليه عشرة وأن خيرهم وأفضلهم متعب.
9 - الكافي 5: 166.
10 - مصادف من موالي الصادق (عليه السلام) وعده أرباب الرجال في أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام، وكان عارفاً بالحديث، وثقه فيه.
11 - الأصول من الكافي 5: 161.
12 - الكافي: 5: 204.
13 - القوهي: ضرب من الثياب البيض، يصنع في فوهستان أي بلاد الجبال (الديلم/جيلان الجالية). والمروي نسبة إلى مرو وهي في خراسان.
14 - رجال الكشي 248.
15 - الكافي 6: 444

علي العذاري
07-26-2012, 12:08 PM
مولد العبقري




ولد الإمام محمد الباقر (عليه السلام) ـ في دار والده الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) بالمدينة المنورة يوم السابع عشر من شهر ربيع الأول سنة 83 هجرية ولدٌ سمّي جعفر، ولُقِّب بالصادق.
وكان ضعيف البنية عند الولادة بحيث ظنت القابلة ألاّ أمل في حياة هذا الطفل طويلاً، ولكن هذا لا يحول دون طلب الجائزة والعطيّة لأن المولود ذكر.
بادرت القابلة بالخروج من الحجرة لاخبار الأهل والأسرة بأن المولود ذكر، وهو بُشرى تُدخل في قلب الآباء في شبه الجزيرة العربية، وتشجعهم على تقديم العطايا ونصب الموائد، مهما كانت ظروفهم المادية.
ولم ينس العرب بعد مرور 82 سنة على ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية عاداتهم الجاهلية في إيثار الولد على البنت، ولم يكن أحد يخفي فرحته عند مولد الولد وتفضيله إياه.
فبحثت القابلة عن الولد، فلم تجده في الدار. ولكن قيل لها أن جد الطفل في الدار. فاستأذنت في الدخول على الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وزفت إليه البشرى. فسألها: هل أخبرت والده؟.
قال: لا، لأنه غائب عن البيت. فأدرك زين العابدين (عليه السلام) رغبة القابلة في أن يشاهد المولود، وقال: لكنني لا احب أن تخرجوه من الحجرة خوفاً من البرد، ولكن أخبريني، هل الطفل يتمتع بصحة الجسم وكماله؟
لم تجروء القابلة على إبلاغ الإمام بأن الطفل ضعيف جداً، ولكنها قال: أن له عيني زرقاوين جميلتين.
فقال الإمام زين العابدين: فعيناه إذن تشبهان عيني والدتي، رحمة الله عليها.
كانت للسيدة شهربانو بنت يزدجرد الثالث آخر ملوك الامبراطورية الساسانية، وهي والدة الإمام زين العابدين، عينان زرقاوان، وها هو جعفر الصادق يرث حسب قانون مندل(1) لون عينيه من جدّته.

وهناك رواية تقول أن كيهان بانو، وهي شقيقة شهر بانو بنت يزدجرد. وقعت في الأسر في فتح عاصمة الأكاسرة (المدائن)، حيث أتوا بها مع بقية الأسرى إلى المدينةن وكانت لها بدورها عينان زرقاوان. فإن صحت هذه الرواية، فالإمام الصادق قد ورث عينيه من أميرتين فارسيتين، لأن كيهان بانو بنت يزدجرد كانت جدة الإمام الصادق من ناحية الأم أيضاً.
وكان الإمام علي (عليه السلام) قد عطف على الأسرى من الأسرة المالكة، وزوج شهر بانو بنت يزدجرد لابنه الحسين (عليه السلام)، وكذلك زوج كيهان بانو لمحمد ابن أبي بكر (الخليفة الأول)، والذي كان يحبه ويرعاه كأحد أبنائه، وقد ولاّه في ما بعد مصر، ولكنه قُتل في أثناء ولايته بتواطوء من معاوية بن أبي سفيان.
وقد ولد لمحمد بن أبي بكر وكيهان بانو ولد سمي (القاسم)، وولدت للقاسم بنت سميت (أم فروة) تزوجها الامام محمد الباقر (عليه السلام)، فأنجبت له جعفراً الصادق (عليه السلام)، وبهذا ارتبط جعفر الصادق (عليه السلام) من ناحيتي الأب والأم بأميرتين فارسيتين كما سلف ذكره كما ارتبط بالخليفة أبي بكر من ناحيتين أيضاً.
وكانت العادة المرعيّة بين أهل المدينة المنورة الذين هاجروا إليها من مكة المكرمة جلب المرضعات من عرب البادية.
وعند مولد الصادق (عليه السلام)، كان قد مضى على بدء الهجرة النبوية 83 سنة، وقد نسي الناس من هم المهاجرون ومن هم الأنصار. ولكن المكيين لم ينسوا عادة تسليم الرضيع إلى المرضعة، وحاول بيت الإمام زين العابدين (عليه السلام) الاهتداء إلى مرضعة للمولود الجديد، لولا أن أم فروة (أمه) قبلت أن تقوم بنفسها بإرضاع الطفل ورعايته، لا سيما وهو ضعيف واهن، ولا يسع أمه أن تدعه تحت رحمة المرضعة، مهما أبدت نحوه من العطف والحنان.
وفي كتب الشيعة مجموعة من الروايات عن أيام رضاعة جعفر الصادق (عليه السلام) وطفولته، منها ما تواترت روايته منسوباً إلى الرواة المختلفين، ومنها ما ذكر دون إيراد سند. ومن جملة الأخبار التي روُيت دون سند أن جعفراً الصادق (عليه السلام) ولد مختوناً، ومكتمل الأسنان، أما أن يكون جعفر الصادق (عليه السلام) ولد مختوناً فهذا أمر جائز، وربما اثبته الطب. أما أن يكون مولوداً بكامل أسنانه، فهي رواية تحتاج إلى وقفة وتأمل، لأنها لا تتفق مع علم البيولوجيا، وتتعارض مع طبيعة الطفل والرضاعة. إذ ثبت أن الطفل يهجر ثدي أمه متى نبتت اسنانه، ناهيك عن الألم الذي تحدثه الأسنان للأم عند الرضاعة.
ومن هذه الروايات أن جعفراً الصادق (عليه السلام) ولد ذرب اللسان، وخرج إلى الدنيا يتكلم. وروي عن أبي هريرة انه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: سيولد من ولدي من اسمه جعفر ولقبه الصادق، ينطق لسانه بالحديث من يوم ولادته.
ولكن هناك أحاديث منسوبة إلى أبي هريرة ولم تثبت صحتها، وإن كان أبو هريرة عرف بالصلاح، ولم يكن يختلق الأحاديث، كما انه صحب الرسول (صلى الله عليه وآله) فترة طويلة، وكان يحبه حباً عظيماً، ويقضي ساعات طويلة من وقته في حضرة الرسول (صلى الله عليه وآله). لذلك كان واضعوا الحديث ومختلقوه ينسبون كل حديث موضوع إلى أبي هريرة ليصادف من الناس قبولاً. على أن بعض هؤلاء المزوّرين ندم على فعلته، وأقر بالإثم الذي اقترفه(2) .
وقد يتفق بعض هذه الروايات مع رأي الشيعة في الإمام بأنه الطاهر النقّي من الزلات، وأن الله اختار الأئمة من بين العباد، وخصهم بخصائص دون غيرهم، وأن للإمام من القدرة في الصغر ما له في الكبر إلا أن الباحث او المؤرخ(3)مضطر إلى التماس الحقائق التاريخية، لأنها أدعى إلى التعويل عليها من روايات تدور حول الكرامات والمعجزات.
نعرف من طفولة الصادق (عليه السلام) أموراً توحي بأن الأقدار آثرته برعايتها، وخصته بها دون غيره من الصبيان، وأن الدنيا لم تتهجم له في حداثته.
وأول هذه الأمور أن الصادق (عليه السلام) الذي ولد ضعيف البنية هزيلاً وعانى من أمراض الرضاعة والطفولة عناءً شديداً، قد استقوى على هذه المتاعب التي كانت تحصد الأطفال، واشتد عوده وهو يستقبل الثالثة من عمره.
والأمر الثاني هو أن جعفراً الصادق (عليه السلام) ولد لأسرة عريقة تتمتع باحترام الجميع، وأفرادها من أواسط الناس ماديّاً.
والأمر الثالث هو أن أم فروة والدة الصادق كانت كغيرها من نساء بيت الخليفة الأول أبي بكر امرأة متعلمة مثقفة، وأن محمداً الباقر (عليه السلام) والد الصادق كان أعلم أهل عصره بلا منازع.
أما الأمر الرابع فهو أن والد الصادق وجده عليهما السلام اهتما برعايته وتعليمه وتربيته من السنة الثانية. ويعترف علماء التربية في هذا العصر بأن أفضل سني تعليم الطفل هي ما بين الثانية والخامسة، لأن قوة الذاكرة لدى الطفل تكون في هذه الفترة أقوى منها في غيرها.
ومن آراء علماء التربية أن الطفل بين الثانية والسادسة يستطيع أن يتعلم لغتين أخريين إلى جانب لغة الأم.
ومن مؤديات القاعدة العامة أن يكون نصيب الطفل من التعليم في الأسرة المتعلمة والمثقفة أكثر، وحظه في ارتقاء المدارج العلمية أوفى من حظ غيره.
كان الإمام الباقر (عليه السلام) والد الصادق (عليه السلام) باعتراف الجميع، أعظم العلماء في عصره، وكان جدُّه زين العابدين(عليه السلام) أيضاً من أكابر العلماء والزّهاد، وقد ذكر ابن النديم في كتابه (الفهرست) بعض مؤلفاته التي لدينا جزء منها.
وقد حظى جعفر الصادق باهتمام والده وجدّه ووالدته (أم فروة)، فعكفوا جميعاً على تعليمه دون غيره من إخوته، ولعل السبب في ذلك أن جعفراً (عليه السلام) كان قوّي الذاكرة وكان مقبلاً على العلم.
وفي رأي الشيعة أن قوة الذاكرة لدى الصادق (عليه السلام) وعمق ادراكه كانا من الصفات والخصائص التي منحها الله إياه لإمامته، ولو بحثنا في الشرق او في الغرب، لوقعنا على أطفال آخرين يتمتعون بدورهم بقوة الذاكرة والإدراك، ولكن دون أن يكونوا أئمة، ومن هذا القبيل مثلاً ابن سينا، وأبو العلاء المعري من الشرق، وثاسيت(4) في الغرب، فقد كانوا يتمتعون بذاكرة قوية تسجل كل ما سمعوه او قرأوه مرة واحدة، فلا ينسونه.
إن المقابلة التي زفت بشرى ميلاد جعفر الصادق (عليه السلام) إلى جدّه زين العابدين (عليه السلام) كانت سعيدة الحظ، لأن ميلاد الولد في أسرة من الأشراف كان يعتبر حدثاً هاماً.
وقد نظمت الأراجيز فرحاً بالمولود، منها هذه الأرجوز:
(أبشروا حبابا * قدّه طال نما * وجهه بدر السماء)
وقد حفظها جعفر الصادق (عليه السلام) وهو في الثانية من عمره. وكان جعفر يلعب مع بقية الصبيان لعبة الأسياف مستعيناً بسيف صغير، وهي لعبة متداولة عند العرب صغاراً كانوا أم كباراً.
وكانت دار الحسين بن علي (عليه السلام) جدّ جعفر الصادق (عليه السلام) التي ولد فيها الصادق (عليه السلام) تقع إلى جوار مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله)، ولكنها هدمت فيما بعد لتوسيع المسجد، واستخدم الذي دُفع فيها من بيت المال في شراء أرض في المسقى حيث بنيت دار أخرى بأيدي معماريين من الفرس شأنها شأن بيوت الأشراف في مكة والمدينة، وكان صحن الدار يتسع لجعفر الصادق (عليه السلام) وغيره من الصبيان حيث يلعبون ويمرحون.

علي العذاري
07-26-2012, 12:10 PM
دراساته الأولى


لدينا روايتان مختلفتان عن بدء دراسة جعفر الصادق (عليه السلام)، تقول الأولى إنه بدأ الدراسة برعاية والده وهو في الثالثة من عمره، في حين أن الرواية الثانية تشير إلى أن بداية الدراسة كانت من السنة الخامسة.
يقول محمد بن أبي رندفة، وهو من مؤرخي المغرب الإسلامي (ولد 451هـ وتوفي 520هـ) في كتابه (الاختصار): أن جعفراً الصادق (عليه السلام) كان يحضر درس والده محمد الباقر وهو في سن العاشرة. وهذه رواية مقبولة معقولة.
ولا ريب في أن محمداً الباقر (عليه السلام) كان يعلّم ابنه جعفراً أشياء كثيرة قبل هذا الموعد ولكن لعله وهو في العاشرة من عمره انضم إلى حلقات درس الوالد، الذي كان مجمعاً ومدرسة علمية للطلبة والباحثين.


الدراسة في هذه الفترة


مع كل ما ورد في أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله) وخطب الإمام علي (عليه السلام)
من توصيات تدعو إلى طلب العلم ولو في الصين، كانت الرغبة في التعليم ضئيلة جداً آنذاك، وذلك بسبب الأسلوب المتبع في التعليم، فضلاً عن أن العرف المتبع في ذلك الوقت هو الاعتماد أساساً على الاستضهار والحفظ. فلّما جاء جعفر الصادق (عليه السلام)، وانبرى بنفسه للنهوض بمهمة التعليم والإفادة، غير الأسلوب الدارج في التعليم، وحوّله من الحفظ والاستظهار إلى البحث والاستقراء.
وكانت دروس الإمام محمد الباقر (عليه السلام) تنعقد في رحاب المسجد الذي بناه الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) والذي اتسع فيما بعد في عهد الخلفاء.
أما المواد التي كانت تدرس في مدرسة الإمام الباقر (عليه السلام) فهي شيء من التاريخ، وعلم النحو، وعلم الرجال والسنة أو الفقه، الأدب المنظوم ولكن دون اهتمام بالنثر أو الخطب أو النصوص الأدبية، ولا بد من الإشارة إلى أن العرب، في عهد الإمام الباقر (عليه السلام)، كانوا يفتقرون إلى الأدب المنثور، ما عدا ما رُوي من خطب قصار العهد الجاهلي، وما روي عن الإمام علي (عليه السلام) من الخطب والرسائل.
ولم يكن لدى الطلبة في مدرسة الإمام الباقر (عليه السلام) كتاب معيّن مقرر، ولا كان لدى الإمام نفسه كتاب أو مؤلّف خاص للتدريس، فكانت الدروس تلقى على الطلبة ارتجالاً وسليقةً، فإن كان الطالب متميّزاً بذاكرة قوية، كان حظه من الاستفادة من درس الإمام أوفر، وإن كان غير ذلك، اقتصر على كتابة الدرس على لوحة تمكّنه من استعادة فحواه في المدرسة أو البيت، وربّما دوّن موجزاً له على الجلد أو الورق الذي كان نادراً عزيزاً ليبقى مسجلاً محفوظاً. وكان اللوح يهيئ للطالب الاحتفاظ بالدرس لفترة قصيرة معيّنة ولا يلبث أن يمحي، ليكتب عليه من جديد.
والطلبة في عصرنا هذا يتصورون أن دراسة المواد العلمية من غير كتاب أو نص مكتوب أمر مستحيل، في حين ان الدراسة في الماضي البعيد سواء في الشرق أو في الغرب كانت مركزّة على المشافهة دون الكتاب، فكان الطالب يسعى إلى استظهار درس استاذه، فإن كان قليل الثقة في ذاكرته، استعان على ذلك بكتابة.



الدرس في منزله



ونلاحظ اليوم أيضاً أن من الأساتذة من يثق في ذاكرته ويلقي المحاضرة دون مراجعة مذكرات أوكتاب، فقد تمكن البعض من مادتهم وتعمقوا فيها وهان عليهم أن يرتجلوا الحديث دون لجلجة أو تلعثم أو توقف.
ولم تتوسع مدرسة الإمام محمد الباقر (عليه السلام) في تدريس العلوم، ما عدا علوم الأدب. أما التاريخ، فاقتصر على ما ورد في القرآن الكريم والتوراة، ولم تكن الترجمة قد ازدهرت بعد، ولا كانت كتب اليونان وفارس قد نُقلت بعد إلى اللغة العربية، ولا كان المسلمون قد عرفوا بعد تاريخ أوربا والعالم.
وكان الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) يحضر مجالس والده، ويتابعها بذكائه الوقّاد، ويأخذ عنه الدروس ويحفظها في سهولة ويسر.
وتقول الشيعة أن الإمام محمداً الباقر (عليه السلام) سُمّي باقراً لأنه كان يبقر العلم، أي يشقّه ويوسعه(5) . وأظن انه سمّي باقراً لنه عمد في القرن الأول من الهجرة، وفي السنوات العشر الأخيرة منه على وجه التحديد إلى إدخال دراسة الجغرافيا وسائر العلوم الغربية عن ذلك المجتمع إلى مدرسته، إلى جانب دراسة الأدب والفقه، وكان جعفر الصادق (عليه السلام) وقتئذ في السابعة عشرة أو العشرين من عمره.
ويعتقد البعض أن علم الجغرافيا دخل إلى شبه الجزيرة العربية عن طريق ترجمة الكتب السريانية، في حين أن العرب عرفوا هذا العلم عم طريق مصر، ووقفوا في رحلاتهم إلى مصر على جغرافيا بطليموس، وجاء جعفر الصادق (عليه السلام) فأدخل تدريس هذه المادة في مدرسته في وقت لاحق.
ولبطليموس هذا دراسة في علم الهيئة (الفلك)، فضلاً عن دراسته عن الجغرافيا، وسنرى في ما بعد أن جعفراً الصادق (عليه السلام) كان ذا ضلع في علم النجوم، ولعله أخذ هذه العلوم جميعاً عن مدرسة أبيه الإمام الباقر (عليه السلام) وعن كتب بطليموس المصري(6) .
والحقيقة أن العرب عرفوا الصور الفلكية والنجوم، ووضعوا لها أسماء وتعاريف قبل أن يتصل بهم أمر بطليموس وجغرافيته وهيئته.
ولكننا لا نعرف على وجه التحديد متى وضعت تلك الأسماء، ومن هو واضعها؟ وإن كان من المؤكد أن العرب كانوا قبل دخولهم مصر ومعاشرتهم للقبط ووقوفهم على كتب بطليموس، يعرفون المنظومة الفلكية، كما كانت لديهم أسماء عربية للنجوم.
فليس صحيحاً إذن أن يكون جعفراً الصادق (عليه السلام) تعلم النجوم وأخذ علومها عم كتب بطليموس، ولكن الجائز إنه استعان بكتب بطليموس في دراسته للنجوم والفلك في مدرسة والده الإمام الباقر (عليه السلام) بجانب العلوم الأخرى.
والمعروف أن الإمام الباقر (عليه السلام) أدخل في مدرسته دراسات عن الجغرافيا وغيرها من العلوم إلى جانب علوم زمانه. ولئن كنا نفتقر إلى سند تاريخي(7) يعزز هذا الرأي، فهناك من الشواهد والقرائن ما يؤكد هذا الرأي ويسانده. فمن المستبعد مثلاً أن يُلقّب الإمام محمد بن علي (عليه السلام) في عصره بالباقر لمجرد أنه أدخل دراسة علم الجغرافيا والهيئة في مدرسته آنذاك، ولكن الذي لا يكاد يعتوره شك، هو أن الباقر (عليه السلام) اكتشف بنفسه علوماً غريبة عن مجتمعه، أو لعله أحاط بها، ثمَّ قام بتدريسها والترويج لها في مدرسته، فكان ذلك سبباً في تلقيبه بالباقر(8) .
ومن القرائن أيضاً أن الإمام جعفراً الصادق (عليه السلام) عندما انبرى لمنصب التدريس والإفادة في مدرسة والده الإمام الباقر (عليه السلام) كان يدرّس بالاضافة إلى الجغرافيا والهيئة علوم الفيزياء والفلسفة الاغريقية، ومن الواضح بأن الفيزياء والفلسفة والعلوم الاغريقية الأخرى لم تكن في زمان الإمام الصادق قد نقلت بعد إلى اللغة العربية، وأن حركة النقل والترجمة بدأت ونشطت في وقتٍ تالٍ، وقام المترجمون بعد عصره (عليه السلام) بنقل تلك الكتب والمؤلفات من الفارسية والسريانية إلى اللغة العربية دون أن تكون لديهم في البداية معرفة دقيقة بالمصطلحات الفلسفية الاغريقية.
فأقوى الظنون أنه تعلم هذه العلوم بمدرسة والده الإمام الباقر (عليه السلام) فتمكن منها بنبوغه وذكائه، وتعمق في مباحثها ودراساتها، وصارت له فيها نظرات صائبة، ولو لم يأخذ هذه العوم عن أبيه، لما كان مستطاعاً عقلاً أن يقوم بتدريسها في وقت لم تكن هذه العلوم قد نُقلت فيه بعد من لغاتها الأصلية إلى العربية.
والشيعة ترى أن احاطة الإمام بهذه العلوم تنبع عن علم الهي لدني(9) ، وتعتقد أن الشعور الداخلي في كل انسان هو على النقيض من الشعور الظاهري، كنز للمعرفة ومدخر للعلوم والمعارف البشرية في العالم.
ولهذه النظرية في عصرنا الحاضر ما يعززها من مكتشفات العلوم، فقد انتهى علم البيولوجيا الحديث إلى أن مجموعات الخلايا التي يتكون منها جسم الانسان تدَّخر في داخلها من المعارف والمشاعر الخاصة بها ما قد تحصّل منذ بدء الخليقة وإلى هذا اليوم.
وفي رأي الشيعة أنَّ من اختاره الله نبيّاً أو جعله إماماً، يزال الحائل أو الستار الموجود بين شعوره الظاهري وشعوره الباطني، ولأنَّ النبي أو الإمام متمكن من الشعور الباطني، فهو يستفيد من المعرفة والمعلومات التي تتعلّق بالانسان أو غير الانسان في دنياه هذه أو في العالم المحيط به.
وفي ضوء هذا الرأي تفسِّر الشيعة بعثة النبي محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) رسول الاسلام بأنها كانت من هذا النمط.
بمعنى أن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وفي ليلة البعثة وفي غار حراء بجبل قرب مكة، نزل عليه جبريل (عليه السلام) وخاطبه بقوله: اقرأ، فرد عليه الرسول (صلى الله عليه وآله): ما أنا بقارئ، فقال له جبريل (عليه السلام) مرة ثانية جادّاً: اقرأ، فأزيل الحائل بين شعوره الظاهري وشعوره الباطني، وفي لحظة واحدة علم القراءة وأحاط بكل علوم الانسان.
والشيعة ترى أن للشعور الباطني مرحلتين هما الشعور الباطني الاعتيادي والشعور الباطني النهائي أو العالي، وترى أن الانسان في منامه يرتبط بشعوره الباطني الاعتيادي، وأن ما يراه في المنام من الرؤيا هو عن طريق الشعور الباطني الاعتيادي، أما النبي أو الإمام فيحيط بكل معرفة وعلم عن طريق الشعور الباطني النهائي (العالي)، وفي ليلة البعثة، ارتبط الرسول (صلى الله عليه وآله) وفي لحظة واحدة بشعوره الباطني النهائي.
وعلى أساس هذه العقيدة أو الرأي تذهب الشيعة إلى ان علم الصادق (عليه السلام) علم لدني، أي أنه نابع من ينبوع الشعور الباطني النهائي.
والشيعة يسلمون بهذه العقيدة ولا يجادلون فيها أو يناقشون، أما الباحث أو المؤرخ فيبحث عن الدلائل المادية، والشواهد التاريخية التي تفسر له كيف أن رجلاً كجعفر الصادق، لم يخرج من شبه الجزيرة العربية طوال أيام دراسته وشبابه(10)، وقد درّس الفلسفة والفيزياء والكيمياء وعلّمها، وكلها علوم لم يعهد أحد بتدريسها في شبه الجزيرة العربية إلى ذلك التاريخ.
وأغلب الظن أن هذه العلوم كغيرها من علوم الجغرافيا والهيئة انتقلت إلى العرب عن طريق القبط، وتدوول تدريسها في مدرسة الإمام الباقر (عليه السلام)، وتوسع الإمام بنفسه مباحثها وفروعها.
وفي سنة 86 للهجرة، وكان جعفر الصادق في الثالثة من عمره، توفي عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي، وخلفه ابنه الوليد بن عبد الملك.
وكان أول حكم صدر عنه عزل هشام بن اسماعيل والي المدينة المنورة، وتولية عمر بن عبد العزيز(11) ، الذي كان يبلغ من العمر الرابعة والعشرين، وكان يتمتع بصباحة المنظر والوجه، حاكماً ووالياً على المدينة (المنورة) مكانه.
وكان مقر الخليفة في ذلك الوقت مدينة دمشق في الشام، وكانت التشريفات والمراسيم الملكية البيزنطية تحكم القصر الأموي، وكان الوالي الوافد يقيم قصراً أو داراً في مقر ولايته (في أي من المدن الإسلامية يلي أمرها) ويطبق فيه مراسم دار الخلافة في الشام وتشريفاتها، وكان الحكام يعيشون بالتشريفات والمظاهر الملكية.
وكان هشام بن اسماعيل (الوالي المعزول) في المدينة يقلّد حياة الخليفة الأموي في الترف والمظاهر، ولكن الوالي الجديد عمراً ابن عبد العزيز وصل إلى المدينة المنورة دون تشريفات، واتجه إلى مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) فور وصوله ليلتقي بالإمام الباقر (عليه السلام)، وكانت دروس الإمام تنعقد بالمسجد النبوي، فسلّم على الإمام الباقر(عليه السلام) قائلاً: كنت أعلم أنك في مثل هذا المكان في مثل هذا الوقت، وكان أجدر بي أن آتي إلى دارك، لولا حرصي وشوقي للقائك والاستماع إلى حديثك، وأود أن أقول أنني سأنفذ أوامرك وطلباتك، فَمُرْ بما تشاء تُجَبْ.
ولا بد من الإشارة إلى أن العلويين (أولاد الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) كانوا يعيشون في المدينة المنورة دون غيرها من المدن الإسلامية.
والمدينة المنورة، وهي التي اشتهرت بأنها مدينة النبي (صلى الله عليه وآله)، كانت مسقط رأس الإمامين، وبها من أهلها ومحبيها الجمع الكثير، بحيث لم يجرؤ الوالي أو الحاكم الأموي على إيذائهما أو منعهما من الحديث أو التدريس، ذكرنا هذا حتى يعلم القارئ كيف كان الإمام الباقر (عليه السلام) يلقي دروسه بحرية وعلى مرأى من الناس، مع وجود حاكم أموي كهشام بن اسماعيل.
وقد عزم الوليد بن عبد الملك في السنة الثالثة لحكمه، أي في سنة 88 هجرية، على أن يوسّع مسجد النبي (صلى الله عليه وآله)، وكان هذا الجامع قد بُني على يد الرسول (صلى الله عليه وآله)، وتاريخ بنائه معروف لا يحتاج إلى التكرار.
وكان المسجد قد وُسِّع قبل هذا التاريخ مرة دون هدم بيوت زوجات الرسول(صلى الله عليه وآله) التي بقيت بمبانيها في المسجد. وكان بعض زوجات الرسول (صلى الله عليه وآله) قد ابتعن بيوتاً غيرها، وانتقلن إلى البيوت الحديثة بمساعدة الخلفاء الراشدين، بينما آثر البعض الآخر حياة التقشف، وبقين في البيوت الصغيرة بداخل الحرم النبوي الشريف.
وفي سنة 88 هجرية، انتقلت آخر زوجات الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى رحمة الله، فخلا المسجد منهن نهائياً.
وأمر الخليفة الأموي واليه في المدينة آنذاك (عمراً بن عبد العزيز) بأن يهدم بيوت زوجات الرسول (صلى الله عليه وآله)، ويضم إلى المسجد البيوت المجاورة حتى تتسع رقعة المسجد إلى مائتي ذراع طولاً ومائتين عرضاً (أي ما مساحته أربعون ألف ذراع).
وقد أمر عمر بن عبد العزيز معمارياً فارسياً بأن يخطط لتوسيع المسجد، بحيث لا يحول البناء دون مواصلة الإمام الباقر (عليه السلام) إلقاء درسه وبحثه، وقال له: إنني أحب هذا الرجل، ولا أريد أن يلحقه أذى من عمّالك وصنايعك أثناء عملهم.
وعندما بدأ العمل في توسيع المسجد النبوي، كان جعفر الصادق (عليه السلام) قد بلغ الثامنة، أو الخامسة (لاختلاف الرواية حول مولده، كما اسلفنا) فطلب من أبيه الإمام الباقر (عليه السلام) السماح له بالعمل والمشاركة مع الصناع في بناء المسجد.
فقال له أبوه (عليه السلام): إنك طفل لا تُطيق مثل هذا العمل.
فقال الصادق (عليه السلام): إنني أحب أن أشارك في بناء المسجد كجدي رسول الله (صلى الله عليه وآله).
فلم يسعه إلا الموافقة على اشتراكه في العمل.
ويرى البعض أن رغبة الصادق (عليه السلام) في المشاركة في بناء المسجد إنما انبعثت عن رغبة كل طفل في اللعب بالماء والطين، ولكن الواقع أن رغبته كانت تختلف عن رغبة الأطفال الآخرين في اللعب، بالنظر إلى ما كان يبذله من جهد كبير بالنسبة لجسمه الصغير، وكان يأبى تلبية دعوة الأطفال الذين هم في مثل سنّه للعب في شارع المسقى أثناء عمله في المسجد، وإن كان قد شارك أطفالاً في مثل عمره بعض اللعب المتداولة في المدينة المنورة آنذاك.
ولعب الأطفال تتشابه في العالم كله، ولكن كانت في المدينة المنورة لعبتان متداولتان، تختلفان عن لعب الأطفال في العالم.
أما اللعبة الأولى، فهي لعبة يراد منها شحذ الذهن وأعمال الفكر لحل اللغز واكتشاف المجهول. ومن مؤدى هذه اللعبة أن يجلس جعفر الصادق (عليه السلام) في مكان الأستاذ. والأطفال من حوله ملتفون، ثمَّ يلقي عليهم أسئلة عن خصائص شيء ما وأوصافه، ويطلب منهم الاستدلال بذكائهم على هذا الشيء، ومن ذلك مثلاً أنه كان يسألهم: ما اسم الفاكهة التي تنبت في منطقة كذا ولونها كذا وطعمها كذا وتقطف في فصل كذا؟
(وبديهي أن الأمثلة التي نسوقها هنا تختلف عمّا كان يطرحه (عليه السلام) فعلاً من الأسئلة على الأطفال). وكان على الأطفال الجالسين كالتلامذة من حول الصادق (عليه السلام) أن يحلّوا اللغز، ومن سَبَقَ إلى حلّه، اتخذ مكان الأستاذ، وأخذ على عاتقه أن يطرح الأسئلة على الآخرين، ولكن الصادق لم يكن يطيل مجلسه في موضع التلاميذ، إذ أنه سرعان ما كان يحل اللغز مرةً وأخرى، ويعود بذلك إلى مكانه العتيد كاستاذ.
وكان جعفر الصادق (عليه السلام) قد تلقى أدبه وتربيته في أسرة من أشراف المدينة، ولم يكن الأطفال الآخرون في شارع المسقى من نفس المستوى أو من نفس التربية والتعليم، ولم يكن أحد منهم ينعم برعاية والد وجد ووالدة كالرعاية التي نعم بها جعفر الصادق.
ومعروف أن للأسرة تأثيراً عميقاً في تربية الأولاد وتوجيه الطفل. وبسبب اختلاف أساليب التربية، ينشأ الاطفال مختلفين في الطباع والعادات حتى وإن تجاوروا في المسكن أو كانوا من اسرتين متقاربتين.
ومن آثار التربية في نفس جعفر الصادق أنه (عليه السلام) كان لا يقول إلا صدقاً، ولعله ورث هذا عن أسرته، أو تلقاه منها بفضل التنشئة والتربية. ولم يكن الصادق يجيز الكذب، حتى وإن أنجاه ذلك عن عواقب وخيمة.
أما أترابه من الأطفال، فإن كثرتهم الكاثرة لم تكن على هذه الشاكلة من حيث التربية الأصلية، وما أكثر ما كانوا يكذبون إذا رأوا في ذلك مصلحة أو منفعة.
وعندما كان أحد من هؤلاء الأطفال يقعد مقعد الأستاذ في هذه اللعبة، ثمَّ يشرع في طرح الأسئلة الملغزة على زملائه، كان الصادق يجيب إجابة صحيحة بعد سؤال أو اثنين، ولكن الطفل الجالس في مكان الأستاذ، حرصاً منه على الاحتفاظ بهذه الرئاسة، كان يزعم بأن رد الصادق بعيد عن الصواب، وهو أمر كان الصادق يتألم منه تألماً شديداً يحدوه اياناً إلى اعتزال اللعبة، وبغيابه تفقد اللعبة جديتها وطرافتها، فيوافيه الأطفال معتذرين طالبين عودته إليهم.وعندئذ يقبل عذرهم مشترطاً الا يكذب أحد منهم.
أما اللعبة الثانية فهي لعبة خاصة بالمدينة المنورة، وإن عرفت في غيرها، ومن مؤادها أن الأطفال كانوا يختارون من بينهم أستاذ وعدداً من التلاميذ، ثمَّ يأخذون كلمة (معينة) على وزن معين، مثل كلمة (الشراعية)، وكان على التلميذ أن يُعيد هذه الكلمة ويكررها كلما سئل. ورغبة من الأستاذ في اختبار مقدرة التلميذ على الحفظ، كان يسوق على مسامعه الفاظاً على وزن الكلمة المنتقاة، مثل الدراعية والذراعية والصناعية والكفائية والزراعية وما إلى ذلك، فيردد الطالب الكلمة المنتقاة، أي (الشراعية) في كل مرة، ولم يشترط أن تكون للكلمات الجارية على وزن الشراعية أي دلالة أو معنى، لأن الهدف من هذه اللعبة هو محاولة إيقاع التلميذ في خطاً بذكره لفظة وزنها مخالف لوزن الكلمة (الشراعية)، وفي هذه الحال يخرج التلميذ من اللعبة، ويحل محله آخر.
وهاتان اللعبتان كانتا تفرضان على الأطفال الجلوس والتحدث، بينما تتطلب الألعاب الصبيانية الأخرى حركات بدنية أو مسابقات في العدو، وكان جعفر الصادق يشارك في هذه الألعاب أيضاً.
وفي سنة 60 هجرية، انتشر مرض الجدري في المدينة المنورة، فأصاب من أصاب من الأطفال، وكان الصادق في السابعة أو العاشرة من عمره (على اختلاف الرواية)، فقررت أم فروة الابتعاد عن المدينة المنورة بطفلها احترازاً من الأوبئة، وسافرت ومعها جعفر الصادق إلى الطنفسة(12) وهي من القرى الريفية القريبة من المدينة.
ومعروف أن أسماء كثير من المدن والقرى مأخوذة من أسماء منتجاتها الصناعية أو غلّتها الزراعية، الظاهر أن قرية الطنفسة اشتهرت بصنع نوع من الحصير الجميل من الألياف النباتية، فاشتهر الموضع باسم هذا المنتج وهو (الطنفسة).
وقد تغير اليوم اسم هذه المدينة أو استبدل به اسم آخر، كما هو الشأن بالنسبة لأسماء المدن الإسلامية في القرنين الأول والثاني، كيثرب مثلاً التي سميت بالمدينة المنورة.
واستقرت أم فروة مع أبنائها في الطنفسة نأيا بهم عن اخطار هذا المرض الساري، ومع ذلك أصيبت هي به دون أن تشعر في بادئ الأمر إلى أن ظهرت أعراض المرض على جلدها. فتنبهت بذكائها وثقافتها إلى خطورة الموقف، وعوضاً عن الاهتمام بعلاج نفسها، طلبت إبعاد الأطفال عنها إلى مكان آخر بعيداً عن هذا الموضع، فأخذوهم إلى قرية أخرى والأم تصارع آلام المرض وسريانه في جسمها.
فاضطر الإمام محمد الباقر (عليه السلام)، بعد وقوفه على النبأ، أن يكف عن درسه بعض الوقت ويقرر الذهاب إلى الطنفسة، وكعادة الهاشميين عند الملمات والأخطار، زار قبر جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المسجد الشريف، داعياً الله لإنقاذ زوجته من هذا المرض.
فلما رأت أم فروة زوجها الحنون، خافت عليه من العدوى وقالت له: أو ما تعلم أن هذا المرض مُعْدٍ، وأن السلامة تقضي بعد لقاء المصابين به؟
فقال الإمام الباقر (عليه السلام): لقد دعوت الله عز وجل عند قبر جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن ينجيك من هذا المرض، وإنني لواثق من أن جدي لا يردني، وهو سيقضي لي حاجتي ومطلبي، فثقي بأنك ستشفين من هذا المرض، وأنا أيضاً مصون منه إن شاء الله.
وقد تحقق ما قاله الإمام الباقر (عليه السلام)، وشفيت أم فروة، وزال عنها المرض الوبيل، بل أن هذا المرض لم يخلّف فيها أي آثار سيئة، مع أن هذا نادر الحدوث، ومن خصائص هذا المرض أنه لا يصيب الكبار في السن إلا نادراً، فإن أصابهم، فقل من ينجو منه.
وفي رأي الشيعة أن الإمام يتمتع بقدرة غيبية غير محدودة، وأن أم فروة شُفيت من المرض لزيارة الإمام ودعائه لها، أي أنها شفيت بقدرة الإمامة، وهذا رأي لا يسع المؤرخ تقبله على علاته خاصة وأن الأطباء كانوا آنذاك عاجزين عن معالجة هذا المرض، وشفاؤها منه هو حالة استثنائية.
عادت أم فروة إلى المدينة المنورة بمفردها بعد شفائها، ولم تستصحب أولادها معها لأن المرض كان ما زال متفشياً هناك.

علي العذاري
07-26-2012, 12:24 PM
جعفر الصادق في مدرسة الإمام الباقر







منذ سنة 90 هجرية وجعفر الصادق (عليه السلام) يحضر درس أبيه الإمام الباقر (عليه السلام)، والمؤرخون متفقون على أن جعفراً الصادق (عليه السلام) يحضر درس ابية (الدروس العامة) وهو في العاشرة من عمره.وكانت دروس الإمام الباقر (عليه السلام) في مدرسته تعتبر آخر مرحلة من مراحل الدراسة، أو هي قبيل الدراسات المتقدمة في مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله). وكان معظم طلابه من الفقهاء والعلماء أو الباحثين. فمن سديد الرأي أن نقول إن جعفراً الصادق (عليه السلام) بدأ دراساته العليا من العاشرة، وهو أمر غير مستبعد بالنسبة لمن كان كالصادق (عليه السلام) قوة ذاكرة وذكاء.والمعروف في الغرب أن كثيراً من مشاهير العلماء بدأوا دراساتهم الجامعية في سن المبكرة.وقد أشرنا في ما مر إلى المواد والدروس التي كان الإمام الباقر (عليه السلام) يدرسها في مدرسته، وعندما حضر جعفر الصادق (عليه السلام) درس والده لأول مرة، بدأ الإمام الباقر يدّرس جغرافية بطليموس، وفي هذه الجلسة سمع الصادق (عليه السلام) للمرة الأولى عن كتاب المجسطي لبطليموس، وعن رأي هذا العملاق الجغرافي في شأن كروية الأرض، وهو الرأي قال به بطليموس في القرن الثاني الميلادي.ويعتقد البعض أن كوبرنيكوس المنجم البولوني الشهير الذي عاش في القرن الخامس عشر الميلادي هو الذي اكتشف نظرية كروية الأرض(13) ، (http://ebook/www.14masom.com/14masom/08/mktba8/book01/6.htm#13%29%D8%8C) ولكن الواقع أن معظم المنجمين والعلماء في مصر القديمة أيام الفراعنة قد قالوا بكروية الأرض.وفي مكتبة الفاتيكان بروما مخطوطات علمية يرجع تاريخ تأليفها إلى أكثر من ألف سنة تناولت موضوع كروية الأرض، بالإضافة إلى أن كريستوف كولمبس(14) بدأ رحلته البحرية (استناداً إلى نظرية كروية الأرض) ووجهته الوصول إلى جزر الأعشاب الطبية في الشرق عن طريق الغرب، وذلك قبل أن يدعو كوبرنيكوس إلى نظرية كروية الأرض ودورانها حول الشمس، وقبل أن يدوّن هذه النظرية.وقبل ذلك أيضاً، بدأ ماجلاّن البرتغالي رحلته البحرية ليطوف حول العالم ويعود إلى إسبانيا بعد ثلاث سنين. وقد ضم في رحلته البحرية هذه عدداً من البّحارة بمساعدة ملك إسبانيا، الذي كان يعمل في خدمة بلاطه، ولكن الحظ لم يواته، وقتل في إحدى الجزر الفلبينية، بينما أتم زملاؤه الرحلة. وعادوا إلى إسبانيا بعد سفر طويل حققوا فيه نظرية كروية الأرض(15) بصورة عملية.فالقول بكروية الأرض كان سابقاً إذن على نظرية كوبرنيكوس، بل قد دعا إليه المصريون والأغريق القدماء، وأكده بطليموس في كتابه المجسطي(16) , ولكن بطليموس كان يقول بأن الأرض هي مركز العالم، وأن الشمس والقمر والنجوم الأخرى تدور حولها، في حين أن كوبر نيكرس يقول أن الأرض كروية، وإنها تدور حول الشمس وحول نفسها، وإن المشس هي مركز العالم.واتفق في سنة 91 هـ، وجعفر الصادق (عليه السلام) مازال طالباً في مدرسة أبيه، أن حدث حدثان كان لهما أثر كبير في الإبانه عن مواهبه وقدراته العلمية. أولهما أن محمداً بن فتى، هو من تلامذة الإمام الباقر (عليه السلام)، عاد من مصر حاملاً معه هدية إلى الإمام الباقر (عليه السلام) قوامها كرة أرضية مصغّرة مصنوعة من دقيق الخشب. وكان صنّاع مصر يستخدمون نشارة الخشب أو الخشب نفسه في صنع كثير من التماثيل والنماذج الزخرفيه التي تنقل إلى خارج مصر لتقدم كهدايا أو تذكارات. وكانت الكرة الأرضية المصغرة التي حملها محمد بن فتى من مصر، مركّبة على قاعدة مستديرة في سمائها مجموعة من النجوم كما تصورها بطليموس في كتابه (المجسطي) في القرن الثاني الميلادي.وكان بطليموس قد قسّم النجوم التي تُرى بالعين المجردة إلى ثمان وأربعين صورة، وكان هذاهو التقسيم الشائع لدى علماء الفلك قبل بطليموسن غير أنه أتّمه ووضحه.أما المجموعات الفلكية الثابتة ـ حسب رأي بطليموس ـ فهي ثمان وأربعون، ولكل منها صورتها الخاصة وشكلها المعيّن. وقد صور هذه المجموعات حول الكرة، ودوّن عليها اسماءها باللغة المصرية القديمة.وصوّر على الكرة نفسها اثنتي عشرة مجموعة من النجوم، من برج الحمل حتى برج الحوت، على هيئة حزام يطوّق الكرة. وكانت صورة الشمس تقع خلف الكرة بحيث تكشف عن دورانها حول الأرض، ومن على منطقة البروج مرة كل سنة.وصوّر على الكرة أيضاً القمر والسيّارات الأخرى وهي تدور حول الأرض.كانت هذه الكرة أول نموذج مصغّر للكرة الأرضية والسيّارات الخرى يراه جعفر الصادق (عليه السلام)، ومع أنه كان آنذاك في الحادية عشرة من عمره ليس إلا، فقد انتبه بذكائه الوقّاد إلى الخطأ الكبير الذي وقع فيه بطليموس. وفي هذا قال: إذا كانت الشمس تدور حول الأرض، وتنتقل من برج إلى آخر في ثلاثين يوماً لتتم دورتها مرة كل سنة، فما هو السر إذن في غياب الشمس كل ليلة لتظهر في اليوم الثاني؟.وإذا كانت الشمس تستقر في كل برج شهراً واحداً، فلابد إذن أن نراها بصورة مستمرة، فلا تغيب عنا كل مساء.كان نقد جعفر الصادق (عليه السلام) نقداً علمياً دقيقاً، فقام بتخطئة بطليموس في رأيه القائل بوجود حركتين للشمس، حركة في البروج الإثني عشر حول الأرض مرة كل سنة، وحركة حول الأرض مرة في كل يوم وليلة، ومن هنا نرى الشمس، حسب رأي بطليموس، تغيب عنا كل ليلة في المغرب لتظهر صباحاً من المشرق، وهي حركة يومية نسبها إلى الشمس.ورأى الصادق (عليه السلام) أن هناك استحالة في التقاء هاتين الحركتين في آن واحد، لأن الشمس إذ تسير في منطقة البروج لا يسعها أن تترك هذا المسار لتدور حول الأرض مرة في كل يوم.وفي ذلك الوقت، كان قد مرّ على وفاة بطليموس 560 سنة، ولم يكن احد قد تنبه في هذه الفترة الطويلة إلى هذا المشكل، ولا كان أحد ليجروء على انتقاد رأي بطليموس أو تخطئته.ولم يكن رأي بطليموس رأياً يمتنع على النقد أو المناقشة، كما كان شأن الآراء الفلسفية الدينية إذ ذاك، ولكننا نعتقد أنه كان هناك سببان أساسيان وراء انتشار هذا الرأي وذيوعه دون نقد أو اعتراض.الأول: ما كان يتمتع به الأستاذ في القديم من منزلة عليا واحترام كبير، مما كان يورث التلاميذ اعتقاداً بأن الأستاذ على حق دائماً في كل ما يذهب إليه ويقول به من آراء.والسبب الثاني هو قلة حفاوة الطلبة بالمسائل العلمية المعقدة التي تحتاج إلى إمعان الفكر وإجراء التجارب العملية.ومن الغريب أن جامعات الغرب لم تطرح بدورها رأي بطليموس على بساط البحث والنقد، شأنها شأن الجامعات والمدارس العلمية في الشرق. وكان جعفر الصادق أول من التفت إلى الخطأ أو الفساد في هذه النظرية وهو آنذاك في سن مبكرة يدرس في مدرسة الإمام محمد الباقر (عليه السلام).ومن هذا اليوم بدأ جعفر الصادق يفكر في مكمن الخطأ في نظرية بطليموسن وكيف أن الشمس تغيب في كل ليلة وفي نفس الوقت تقول أنها تدور حول الأرض في منطقة البروج لتكمل الرحلة في سنة كاملة.أشرنا قبلاً إلى أن مدرسة الإمام محمد الباقر (عليه السلام) كانت تدرس علوم الجغرافيا والهندسة إلى جانب الفقه والتفسير،وأن الإمام الباقر (عليه السلام) كان يقوم بنفسه بتدريس هذه المواد العلمية، ويبدو أن عملي الهندسة والهيئة وصلا إلى المدينة المنورة عن طريق أقباط مصر، وأن الإمام الباقر (عليه السلام) كان واقفاً على القواعد الهندسية التي وضعها اقليدس اليوناني، لأن اقليدس عاش في القرن الثالث قبل الميلاد وكان يقول بكرويّة الارض، ورغم براعة اقليدس في الهندسة، فقد أخفق في تحديد حجم الكرة الأرضية أو مساحتها.وكان الاعتقاد السائد وفقاً للأساطير اليونانية القديمة، وقبل تدوين تاريخ اليونان العتيقة لالقاء الضوء على التفكير الإغريقي حول توالي الليل والنهار، أن هناك آلافاً من الأجرام الشمسية، وأن الشمس التي تغيب ليلاً تغوص في وادٍ مجهول لتشرق في مكانها شمس أخرى في اليوم التالي، وأن شمس هذا اليوم تختلف عن الشمس التي غابت في الليلة الفائتة، ومن مؤدى رأي الإغريق القدماء ـ بذلك ـ أن لكل يوم شمساً مستقلة تشرق من المشرق، خلاف الشمس التي غربت في اليوم السابق، وأن زيوس (Zeus) رب الآلهة (ويقال له في اللاتينية جوبيتر(17) يملك كثيراً من الأنوار والمصابيح التي يطلق منها في كل فجر مصباحاً يسبح في السماء ليضيء الأرض ويدفئها، ومتى استنفذ وقود المصباح، أو صارت النار رماداً، حل الغروب، أمات المصابيح والانوار المستهلكة، فتسقط في مكان مجهول لا سبيل إلى الاهتداء إليه.وثمة سؤال هو: هل كان زيوس (رب الآلهة) يُعيد تزويد المصابيح بالوقود ليطلقها من جديد إلى السماء مرة أخرى؟لم يكن الرد على هذا السؤال مؤكداً، إذ أن البعض كان يعتقد بأن لزيوس مثل هذه القدرة بل أكثر، في حين أن البعض الآخر كان يرى أن شمس كل يوم غير اليوم السابق.وكان الاغريق في القديم يفسّرون المسائل الفلكية في ضوء ما يقرره (زيوس) العالم، وما ينسبه إليه.وابتداء من مطلع القرن الخامس قبل الميلاد، الذي يعتبر عصر النهضة العلمية في اليونان، وتحت ايدينا التاريخ العلمي لهذه الفترة، اخذ اهتمام اليونان بمسائل الفلك يتضاءل، وظهرت الفلسفة وعلوم الاجتماع على المسرح، واستأثرنا باهتمام معظم علماء اليونان، فاهتم سقراط وأفلاطون وأرسطو، وهم من أشهر فلاسفة اليونان، بعلوم الاجتماع والفلسفة دون سواها مكن أبواب المعرفة، وإن كان أرسطو اهتم بالفيزياء والأرصاد الجوية والفلك، وألّف في هذه العلوم، ولكن معظم اهتمامه انصب على الفلسفة أيضاً، واشتهرت مدرسته بالفلسفة المشائية، وقد عالجت موضوعات علم الاجتماع ايضاً.في مثل هذا المجتمع، ظهرت محاولات أخرى من بعض علماء الفلك والنجوم، منهم اقليدس الذي كان رياضياً مهندساً أكثر منه منجماً أو فلكياً، وهو الذي فنَّد الرأي القائل بأن زيوس هو الذي يرسل في فجر كلّ يوم شمساً إلى السماء لتذوب ويخبو ضياؤها عند الغروب.وقد عاش اقليدس أربعة قرون ونصف قرن قبل بطليموس في الاسكندرية، وكان يرى أن الشمس التي تغرب عن أعيننا عند الغروب هي نفسها التي تشرق مرة أخرى في فجر اليوم التالي، وذلك لأنها تدور حول الأرض الكروية في كل يوم وليلة.وقد اكتشف هذا الرأي من مؤلفات اقليدس بعد موته بسنين، والغريب في الأمر، أن اقليدس لم يجرؤ على ابراز هذه النظرية طيلة حياته، مع أن عصره أي القرن الثال ث قبل الميلاد، كان عصر العلم وعصر انطلاقة حركة البحث العلمي والتحقيق. وكان (بيرون)(18), المعاصر لإقليدس (في اليونان) يناقش آراء أرسطو وأفلاطون ويعارضها، بل ينفي وجود آلهة للإغريق قائلاً إن ذلك خرافة، مع العلم بأن هذا الموقف كان معارضة منه للمذهب الرسمي في اليونان.ولكن بيرون كان يعيش في مدينة (أليس). وقضى حياته في غير الاسكندرية، وتوفي سنة 270 ق.م. وكانت المدن اليونانية في ذلك الوقت شبه مستقلة، يحكمها حكام وامراء يختلفون من حيث منهج التفكير وأسلوب الحكم والنظرة إلى الحياة والكون وما إلى ذلك.عاش اقليدس في الاسكندرية أيام حكم بطليموس الأول، وهو مؤسس أسرة البطالسة ورأسها وكان ينادي بحرية الرأي ويحترم العلماء ما دامو لا يعترضون لموضوع الآلهة ونقد الدين، وهو الذي أسس مكتبة الاسكندرية الشهيرة التي ذاع صيتها فيما بعد.وكان من توجيهات بطليموس الأول ألا تتعرض المباحث العلمية للمسائل الدينية، فإن تعرضت نظرية علمية مع رأي ديني، وجب على العالم التراجع، فلا يتصدى للعقيدة والرأي الديني.لهذا فقد تعذر على اقليدس في حياته ان يعارض العقيدة الدينية القائلة بأن زيوس يرسل شمساً في اشراقة كل يوم إلى السماء، وأن يصحح هذه العقيدة بقوله بأن الشمس هي التي تدور حول الأرض، وقد عثر على هذا الرأي مدوّناً في مذكرات اقليدس ومؤلفاته بعد وفاته.ولمّا جاء العالم الجغرافي بطليموس بعد حوالي قرن من اقليدس، أخرج هذه النظرية إلى النور، ولا يستبعد أن يكون نقلها عن مؤلفات اقليدس ومذكراته الموجودة في مكتبة الاسكندرية، فقام بتدوينها واعلانها حتى اقترنت هذه النظرية باسمه.أما (بيرون) اليوناني، الذي كان ينفي وجود آلهة الاغريق، فلم يتحدث عن توالي الليل والنهار أبداً، ولكنه اشتهر في تاريخ العلوم الاغريقية بأنه (أبو الشكاكين) لمعارضته للعقائد الدينية وتفنيده لها، وكان من مذهبه أننا نفتقر إلى دليل علمي دقيق يهدينا إلى معرفة كنه الوجود، وكان يقول إن الآراء والنظريات الفلسفية المتعلقة بالوجود يتعارض بعضها مع البعض الآخر، أو يمكن الردّ عليها بآراء ونظريات أخرى(19) (وللمثال (http://hala-baghdad.com/vb) ففي كل سنة تتساقط على الأرض ملايين من ثمرات التفاح الناضجة على مرأى من الآلاف ومسمع، ومع ذلك لم يخطر ببال أحد أن يسأل عن سبب سقوطها، ولِمَ لا تطير في الهواء. أو تنحرف شرقاً أو غرباً، أو تقع في مكان آخر خلاف الأرض. وظل هذا التساؤل غائباً، إلى أن جاء نيوتن في القرن السابع عشر الميلادي واكتشف قانون جاذبية الأرض عندما سقطت تفاحة على رأسه.صحيح أنه كان هناك الآلاف من العلماء والفلاسفة في الشرق والغرب، الذين اتيح لهم في مطلع القرن الثامن الميلادي أن يقفوا على نظرية بطليموس بشأن دوران الشمس حول الأرض، ولكن أحداً منهم لم يسأل عن الشمس، وكيف أنها تدور حول الأرض في منطقة البروج، ثمَّ تترك هذا المسار (في منطقة البروج) لتدور في نهار وليل حول الأرض أيضاً.وكانت مدينة الاسكندرية الواقعة شمال مصر مركزاً للفلسفة والعلوم منذ أن أسست فيها المكتبة الشهيرة على يدي رأس أسرة البطالسة (بطليموس الأول)، وظلت تتمتع بهذه المنزلة إلى يوم سقوطها في أيدي الجيش العربي عند الفتح الإسلامي وعند إحراق مكتبتها(20) ، (http://ebook/www.14masom.com/14masom/08/mktba8/book01/6.htm#20%29%D8%8C) أي ما يقرب من تسعمائة عام. وقد اشتهر علماء مدرسة الاسكندرية بآرائهم الفلسفية، وكانوا على قدر وافر من النشاط والعمل العلمي الدائب، ومع ذلك فلم ينبر أحد من المفكرين والعلماء في هذه المدرسة العلمية لمناقشة نظرية بطليموس بشأن دوران الشمس في منطقة البروج. ودورانها في نفس الوقت حول الأرض مرة في كل يوم وليلة، كما لم يتنبه أحد إلى إفساد هذا الرأي، إلى أن جعفر الصادق (عليه السلام) وتنبه إلى استحالة اجتماع هاتين الحركتين معاً، مع أنه كان آنذاك في مطلع شبابه، وكان يعيش في مدينة بعيدة عن الاسكندرية وليست مركزاً علمياً مشهوراً مثلها، وما ذلك إلاّ لأن هذا الشاب اليافع كان ذا عقلية علمية تفوق بكثير العقليات التي وجدت في مدرسة الاسكندرية والتي عاشت في قرون متوالية بعد ذلك.ولم يكن لجعفر الصادق (عليه السلام) اهتمام في أيامه هذه بالشؤون الاقتصادية، ولا عقلية تجارية أو مالية، وهذا أمر طبيعي بالنسبة للصبية في مثل سنِّه، إذ أنهم لا يتحملون تبعة كسب القوت ولا يعولون أسرهم، ولكنه (عليه السلام) كان يملك القدرة على التفكير السليم، وكانت له عقلية علمية منظمة فذة تساعد على اكتناه الأمور والوصول إلى النتائج الصحيحة في أبحاث العلوم، ولا سيما أبحاث النجوم والفلك التي قصرت عن إدراكها عقليات غيره من معاصريه.وعندما أعلن جعفر الصادق (عليه السلام) عن رأيه في استحالة اجتماع حركتي الشمس (1ـ في منطقة البروج و 2ـ حول الأرض) لم تستطع العقلية العلمية لغيره من معاصريه أن تدرك أهمية هذا الرأي وتستوعب حقيقة مداه، لأن هذه العقلية كانت من الضعف بحيث استعصي عليها هذا الفهم، وتعذر عليها بالتالي ان تولي آراء الصادق ما هي أهل له وجديرة من الاهتمام والعناية.وهذا هو حال كل عبقري أو مفكر يرتفع بتفكيره الوسط الذي يعيش فيه، فهو يرى الأمور بعين ومنظار يختلفان عن مقاييس رؤية عامة الناس لها، وهي رؤية لا تتجاوز الأمور المحسوسة والحاجات اليومية الدارجة.فمثلاً هذا التقدم الذي أحرزه الطيران في عصرنا هذا، والرحلات الفضائية أو المكوكية التي يسرت على الانسان ان يضع قدميه لأول مرة على سطح القمر، لا ريب في أنه يعود الفضل فيها إلى نظرية نيوتن الخاصة بجاذبية الأرض. والغريب ان اكتشاف نيوتن لقانون جاذبية الأرض، الذي هو قطعاً من أهم القوانين الطبيعية التي اهتدى إليها الانسان، لم يصادف من عامة الناس في عصره اهتماماً يُذكر، بل ان جريدة (الديلي نيوز)، وهي أولى الصحف البريطانية في ذلك الوقت، وكانت تصدر اسبوعيا، لم تحفل بنشر نبأ هذا الكشف العلمي في حينه، وطبيعي أن الصحف الاْخرى لم تهتم بدورها بهذا الكشف، ولم تورد النباْ إلا بعد ثلاث سنين اْو أربع، هذا في الوقت الذي كانت فيه هذه الصحف مشغولة بانباء السرقات وجرائم النهب و السلب والقتل والاحداث اليومية، لاْن في عرفها أن لهذه الاخبار ـ دون غيرها ـ أهمية قصوى للقراء لارتباطها بحياة الناس.أما العلماء والباحثون الذين وقفوا على هذا الكشف العلمي، فلم يشروا اليه لكونهم لم يشتركوا في الاهتداء الى ناموس الجاذبية، ولأن الحسد هو من طبيعة البشر، ولكن العالم عرف هذه النظرية العلمية في ما بعد، واهتمت بها بريطانيا، وكرّمت صاحبها نيوتن بمنحة لقب سر (Sir).فإذا كان القوم في القرن السابع عشر لم يهتموا في الغرب باكتشاف نيوتن لناموس الجاذبية، فلا عجب أن يكون أهل المدينة المنورة في القرن الثامن قد نظروا بقلة اهتمام الى ما كشف عنه جعفر الصادق (عليه السلام)، ولكن الفرق بين عامة الناس في المجتمع البريطاني في القرن السابع عشر و بين الذين كانوا يحضرون مدرسة الإمام الباقر (عليه السلام) في القرن الثامن، فرق شاسع، إذ أن رواد مدرسة الإمام الباقر (عليه السلام) كانوا من العلماء و الباحثين، و لم يكون مقبولا منهم أن يمرّوا بالمسائل العلمية دون التفات و اهتمام، فإن كان قد فاتهم من قبل أن يهتدوا إلى ما اهتدى اليه جعفر الصادق (عليه السلام) من استحالة الجمع بين حركتي الشمس (في دائرة البروج ودورانها حول الأرض)، وهو الرأى الذى ذهب اليه بطليموس، فقد كان منتظرا منهم أن يستقبلوا رأى الصادق (عليه السلام) بالاهتمام و المدارسة، وأن يبحثوا عن سبب آخر لتعاقب الليل و النهار، ولكن تفكيرهم العلمي كان محدودا جدا، ولم يسعهم مناقشة هذه النظرية مع منشئها جعفر الصادق (عليه السلام) نفسه. ولعل من أسباب تقاعسهم أن جعفراً الصادق (عليه السلام) كان في ذلك الوقت طرى العود، و عمره لا يزيد على اثني عشر ربيعا، بينما أصحاب الامام الباقر (عليه السلام) و طلاب مدرسته كانوا في غالبيتهم رجالا متوسطي العمر أو متقدمين في السن، ولعل هؤلاء كانوا يرون في أقوال الصادق (عليه السلام) كلام صبية، ولو أنهم دققوا النظر فيها، لا ستبان لهم وجه الحقيقة ناصعا مجلوّا.لقد كان جعفر الصادق (عليه السلام) يرى حول الأرض دائرة واسعة مقسمة الى اثنى عشر برجا، وكان يرى صورة الشمس و هي تدور في هذه الدائرة من برج إلى برج، فسأل نفسه قائلا: إذا كان لا بد للشمس أن تدور في هذه الدائرة مرة واحدة كل سنة، فكيف لها أن تغادرهذه الدائرة لتدور حول الأرض مرة واحدة كل نهار و مساء؟ ان اجتماع هاتين الحركتين معا غير مستطاع عقلاً.و قد تكون هذه النظرية واضحة ومفهومة للناس جميعا في يومنا هذا ولكنها لم تكون واضحة أو مفهومة لطلاب مدرسة الباقر (عليه السلام) فكيف لعامة الناس آنذاك؟وفي القرن السابع عشر الميلادي وحين نادى كوبرنيكوس البولوني بنظرية دوران الأرض حول الشمس، لم تصادف هذه النظرية اهتماما أو قبول في مجتمعه بدوره، بل ان الموت كان يترصد له لدعوته الى رأي مخالف للعقيدة الدينية القائمة عندئذ ولم تنقذه منه إلا أنه كان يعيش في بولونيا، وليس في روما أو المانيا أو في اسبانيا مثلا حيث كانت محاكم التفتيش العقائدية Inquisition تلاحق الخارجين على الدين والمعارضين والمناوئين للمسيحيين للمتشددين المسيحيين (التوركفادا) Turquevada، وتحكم عليهم في الأغلب بالسجن أو التعذيب حتى في أتفه مسائل الخلاف، وقد كانت نظرية كوبر نيكوس هذه دخيلة على التفكير المسيحي السائد، لقوله بأن الأرض وسيارات أخرى هي التي تدور حول الشمس، وهو ما يكون جزاء صاحبها الإعدام بلا ريب، ولقد سبق لهذه المحاكم أن عاقبت جاليليو Galillee وحرمته من مزاولة الطقوس الدينية وطردته من الكنيسة.ولكن بولونيا كانت خارجة عن دائرة نفوذ هذه المحاكم ولذلك أبدى كوبر نيكوس رأيه هذا في دوران الأرض حول الشمس، دون أن يمسه أذى هذه المحاكم وعقابها المنتظر، في حين أن جاليليو، الذي اخترع منظار المراصد (التلسكوب) وبرهن على رأي (كوبر نيكوس) علميا وعملياً، لم يستطع النجاة من سطوة هذه المحاكم القاسية، فألقي القبض عليه، وأودع السجن، وكان من المنتظر أن يحكم بإحراقه لولا تدخل بعض أصحابالنفوذ وحمايتهم له، مع أنه ورغم تدخل هؤلاء السياسيين أو أصحاب السلطة، فإن المحكمة لم تفرج عنه بل فرضت عليه أن يسحب قوله بأن الأرض تدور حول الشمس وأن يتوب عن هذه الهرطقات، ويتعهد بعدم تكرار مثل هذا القول من أقوال الكفار والملاحدة.وبين أيدينا رسالة جاليليو في التوبة وطلب العفو والاعتذار، وهي تثبت أن نظرية دوران الأرض حول الشمس لم تكن من ابتداع جاليليو بل نقلها عن كوبر نيكوس البولوني.




1 - يوحنا مندل (MENDEL) ولد عام 1822 وتوفي عام 1884، وهو راهب وعالم نباتي نمسوي، قام بإجراء تجارب على الصفات المتوارثة في النيات والحيوان، واستنبط ناموس الوراثة المعروف باسمه (المترجم).
2 - كان هذا الرأي المؤلف في أبي هريرة. وأما آراء المسلمين في الموضوع فيرجع إليها في كتاب (شيخ المضيرة أبو هريرة) للشيخ محمود أبو رية، طبع دار المعارف، القاهرة/ 1325هـ.
3 - وخاصة إذا كان ممن لا يدينون بدين سماوي أو إيمان يتيح لهم الاعتراف بخوارق العادات هذه.
4 - ثاسيت مؤرخ رومي ولد سنة 55 ميلادية وتوفي 118م، ولف ما لايقل عن مائتي كتاب، بقي منها ثلاثة:أ ـ جرمانيا: وهو تاريخ الشعوب الألمانية في مجلد واحد.ب ـ كتاب التاريخ في أربعة مجلدات.ج ـ تقويم الرزنامج في اثني عشر مجلداً.
5 - عن الطالقاني، عن الجلودي عن المغيرة بن محمد عن رجاء بن سلمة عن عمرو بن شمر قال: سألت جابراً الجعفري فقلت له: ولمَ سمي باقراً؟ قال: لأنه بقر العلم بقراً، أي شقه شقاً، وأظهره اظهاراً.1 - علل الشرايع ج1 ص233.2 - معاني الأخبار ص 65.3 - عيون أخبار الرضا ج2 ص56.4 - بحار الأنوار ج48 ص 221 (المترجم).
6 - عند الشيعة أن الأئمة (عليهم السلام) لا يأخذون العلوم عن أحد ولا يدرسون عند أحد لكون علمهم لديناً إلهياً في مصدره كما سبق.7 - عدا كتب الأحاديث والأخبار عن آل البيت (عليهم السلام).
8 - ترى الشيعة ألقاب الأئمة (عليهم السلام) من عند الرسول (صلى الله عليه وآله) بالوحي الالهي وقد مرّ بك أن أبا هريرة روى عن الرسول (صلى الله عليه وآله) حديثاً.
9 - كما وردنا في حاشية سابقة.
10 - ولكنه خرج إلى العراق بعد ما تولى الامامة، عدة مرات (المترجم).وأيضاً إلى الشام مع أبيه (عليه السلام) زمن الوليد بن عبد الملك حين طلب الامام الباقر (عليه السلام) من المدينة امنورة، وقصة ذهاب الامامين الباقر والصادق (عليه السلام) إلى الشام والمناظرات بينهما وبين العاقب أو الجاثليق (رئيس النصارى) مشهورة ومذكورة في عدد من كتب الروايات والأخبار...
11 - عمر بن عبد العزيز بن مروان (61 ـ 101هـ) ابن عم الوليد بن الملك وواليه على المدينة. تولى الخلافة بعد ذلك (99هـ) واشتهر بتقواه وتمسكه بالسنة. انصرف إلى الإصلاح الداخلي والمالي، وأظهر تسامحاً مع العلويين، فنهى عن سب علي (عليه السلام) على المنابر. كما كان متسامحاً مع النصارى والموالي. (المترجم).
12 - الطنفسة، ج طنافس: البساط، الحصير، الثوب (فارسية)، القاموس.
13 - كربرنيكس (Copernic) فلكي بولوني ولد عام 1472م وتوفي 1543م. وقد أقام البرهان على دوران الكرة الأرضية حول نفسها وحول الشمس.
14 ـ كريستوف كولمبوس (C. Colombos) 1451م ـ 1506م بحار رائد، ولد في جنوب إيطاليا وتوفي باسبانيا وهو مكتشف أمريكا.أبحر من بالوس في 3 آب 1492 ووجهته بلاد الهند عن طريق الغرب، وفصل إلى شواطئ سان سالفادور (أمريكا الجنوبية) في 12 تشرين الأول 1492 (المترجم).
15 - فردنان دي ماجلان (Magellan) (1480 ـ 1521م) رائد برتغالي، اكتشف المضيق المعروف باسمه في عام 1520م وقام بأول رحلة حول العالم، ولكنه قتل في إحدى جزر الفلبين (المترجم).
16 - بطليموس القلوذي (بطولوميوس كلوذيوس) صاحب (المجسطي) أشهر كتب الفلك في العصور الأولى، ثمَّ أقليدس صاحب كتاب الهندسة المشهور (المترجم).
17 - يقابلها بالعربية لفظ (المشتري)
Jupiter... .18 - هو رئيس الشكاكين من الفلاسفة.
19 - وعليه فيعين الشك في هذه الآراء والنظريات كلها جملة واحدة...
20 - قضية احراق مكتبة الاسكندرية أو مكتبة جنديسابور بأيدي جيوش الفتح الاسلامي هي: من القضايا الملفقة ضد المسلمين، ولا دليل عليها في أي مرجع تاريخي يعتد به، وأما ما قيل من أن الخليفة عمر بن الخطاب قال لقائد جيوش المسلمين في أرض فارس عندما سأله عما ينبغي عمله بالنسبة للمكتبة: (احرقوها، كفانا كتاب الله)، فرواية ضعيفة. (المترجم).

علي العذاري
07-26-2012, 12:29 PM
حرية البحث العلمي في الإسلام

لا ريب في أن المدينة المنورة في عام 91 للهجرة ومدرسة الإمام الباقر (عليه السلام) بها كانتا تتمتعان بحرية لم تتمتع بها معظم المدارس والجامعات الأوروبية في القرون الوسطى، بل في القرنين الأول والثاني من عصر النهضة أيضاً(1).وقد رأينا كيف أن جعفراً الصادق (عليه السلام) انتقد وفنّد نظرية بطليموس في دوران الشمس حول الأرض في يوم وليلة، بعدما وقعت في يده الكرة الأرضية التي جيء بها من مصر، في حين أن العلماء والباحثين في بداية عصر النهضة لم يتمكنوا من المجاهرة بالاعتراض على هذه النظرية.وفي الوسع القول بأن المسلمين عامة كانوا أكثر حرية في دراسة المسائل العلمية ومناقشتها، حتى لو تعارضت مع مذهب أو رأي ديني، وحتى في أحلك فترات الحكم في التاريخ الإسلامي، كأيام بعض الخلفاء العباسيين، وأن الباحث المسلم كان أكثر حرية من الباحث الأوربي في الإتيان بالنظريات العلمية.وأما الفترات العصبية التي مرت بالتاريخ الإسلامي في أيام بعض الخلفاء العباسيين، والتي حُجر فيها على البحث في بعض الموضوعات الفلسفية أو المذهبية، كالبحث مثلاً في موضوع خلق القرآن وهل هو قديم أم حادث، فقد كانت دواعيها هي خوف الخليفة من أن يفقد احترام الناس له ولمنزلته التي تقترب من القداسة، وبالتالي نفوذه وسلطانه.ولو أن النقد الذي وجهه جعفر الصادق (عليه السلام) إلى نظرية بطليموس ساق مثله باحث في أوربا، لأصابه على أقل تقدير جزاء التكفير والطرد من المجتمع الديني. ولو أن باحثاً أبدى هذا الرأي في أوربا في القرن الثالث عشر الميلادي والقرن الذي بعده، لكانت عقباه الإعدام والإحراق بالنار، وقد نص القانون الصادر عن المجمع الديني المنعقد عام 1183 ميلادية في مدينة (ورون) على أن جزاء الخارج على الدين الإعدام بالمقصلة (La Guillotine) ثمَّ جاء البابا جورجيس التاسع، ووضع قواعد محاكم التفتيش العقائدية (Inquisition) في سنة 1233 للميلاد. ومنذ ذلك التاريخ، نفذت الأحكام الصادرة عن هذه المحاكم بإحراق كل من يدان بالاعتقاد بعقيدة تخالف المسيحية واعتباره خارجاً عن الدين.وكانت لهذه المحاكم سلطة واسعة في التحري والتفتيش، حتى في حرم المدارس والجامعات، وكانت عقوباتها الصارمة في انتظار أي طالب يجرؤ على توجيه سؤال غير مألوف أو خارج عن قواعد ادين إلى الاستاذ، حتى ولو كان ذلك في قاعة الدرس وفي حرم الجامعة.واستمرت هذه المحاكم تزاول نشاطها إلى سنة 1808 ميلادية عندما تولى نابليون الأول السلطة، كامبراطور لفرنسا، فأمر بحلها وإلغائها، ولكن هذا الإلغاء لم يستمر طويلاً، إذ أنها أعيدت. في اسبانيا اعتباراً من سنة 1814 ميلادية، وظلت تزاول نشاطها إلى ما بعد عام 1834 للميلاد.وتكمن أسباب الجمود والتأخر وما يسمى بظلمة القرون الوسطى في أوربا في انعدام حرية الرأي والبحث، بينما تقدمت الحركة العلمية وتوسعت في العالم الإسلامي في هذه الفترة، فقد كان محظوراً على الباحث أو العالم الأوربي أن يدلي بأي رأي أو نظرية الكنائس المسيحية، وكانت العقوبة شديدة لم تسوّل له نفسه معارضة الآراء الدينية النصرانية، في حين أن الحرية في البحث وفي العكوف على نفس العلوم والنظريات العلمية(2) ‎، وقبولها أو مناقشتها أو ردها، كانت سائدة في المجتمع الإسلامي في القرون الوسطى.ومع أن اشعاعاً من العلوم والفنون الشرقية كان يصل إلى الغرب، إلا أن الجو الحاكم المهيمن على ذلك المجتمع كان غارقاً في ظلام حالك، ولم تتمكن علوم الشرق وثقافته من النفاذ إلى الوسط العلمي هناك، اللهم إلا بالنسبة لبعض فروعها كالطب والصيدلة.فقد انتقلت إلى العرب أرجوزة ابن سينا في الطب، ووضعت لها ترجمة باللاتينية، وقل من لم يحفظ أو يقرأ الترجمة اللاتينية بهذا المرجع بين اطباء الغرب في تلك الفترة، أما علوم الهيئة والنجوم فلم يكن يسمح بنقلها إلى الغرب.



1 - عصر النهضة أو التجديد (Renaissance) عند الأوربيين هو عصر العلم والصنعة واكتشاف البخار، وهو يبدأ من سنة 1453 ميلادية أي من تاريخ سقوط القسطنطينية وفتحها على يدي السلطان محمد الفاتح. (المترجم).2 - بما فيها تلك النظريات المخالفة للآراء الدينية والمذهبية.

علي العذاري
07-26-2012, 12:30 PM
الخليفة الأموي ومدرسة الإمام الباقر (عليه السلام)
أشرنا إلى انه قد وقع للصادق في سنة 91 هجرية حدثان هامان كانا من الأهمية بمكان، الأول وصول نموذج الكرة الجغرافية من مصر، أما الثاني فكان قيام الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك برحلة إلى الحجاز، وزيارته للمدينة المنورة.وكانت رحلة الخليفة من عاصمة الأمويين في الشام إلى الحجاز، من قبيل الزيارات الرسمية التي تقترن بالتشريفات والأبهة والمراسم الملكية المنقولة عن التشريفات الامبراطورية البيزنطية (بلاد الروم الشرقية). ومن مقتضى هذه التشريفات أن تسبق الخليفة طلائع من الحرس والخدم، ليهيئوا له أسباب الراحة في كل منزل وموقع.خرج والي المدينة عمر بن عبد العزيز مسافة خمسين فرسخاً ليستقبل الخليفة بعدما أعد أوسع بيوت المدينة ودورها لنزول الخليفة وحاشيته.ووصل الوليد بن عبد الملك إلى المدينة، وأذن للناس بالدخول عليه في اليوم التالي، وكان عمر بن عبد العزيز يحثّ الاشراف والتابعين من الصحابة على أن يكونوا في مقدمة الزائرين والمرحّبين بالخليفة، وكان يعلم أن الإمام الباقر (عليه السلام) ليس ممّن يسعى إلى الخلفاء والملوك، فتدارك الأمر، وجاء بنفسه إلى الإمام الباقر (عليه السلام) وسأله: هل تزور الخليفة غداً؟فرد عليه الإمام بالنفي.فلم يستفسر عمر بن عبد العزيز عن سبب ذلك، لأنه كان يعلم أن الإمام الباقر (عليه السلام) لا يرى للخليفة بيعة في عنقه، ولا ولاء أو حباً في قلبه يدعوه إلى زيارته.ولكنه قال للإمام الباقر (عليه السلام): إن هذه المدينة مدينة جدك، والزائر لها أينما نزل نزل بدارك، وهو ضيف عليك، وهذا هو الوليد بن عبد الملك إن لم يكن خليفة فهو مسلم زائر نزل بدارك. أوَمَا تكرّمه؟فأجاب الباقر (عليه السلام): من نزل علينا كزائر وضيف وجب حقه علينا، ولكن وليد بن عبد الملك نزل هنا. ويرى نفسه صاحب الحق والخلافة، فهو إذن صاحب الدار وليس ضيفاً علينا.فقال عمر بن عبد العزيز: إنني أعلم سبب امتناعك عن لقاء الوليد، حتى لا يقول الناس إنك بايعته واعطيته يدك.فوافقه الإمام الباقر (عليه السلام) على قوله.وعاد عمر بن عبد العزيز يقول: إن جدك بايع على غير رغبة الخليفة الأموي، وكانت في تلك البيعة مصلحة للمسلمين، فزيارتك للوليد غداً ليست بيعة، وإنما هي لمنع الفساد ومصلحة المسلمين، وامتناعك عن زيارته سيجلب عليّ المشاكل.قال الإمام الباقر (عليه السلام): وكيف يكون ذلك؟قال عمر بن عبد العزيز: أنت تعلم أن للوليد أعيناً في كل مكان يخبرونه عن كل ما يجري (وكان للدولة الأموية ـ بالفعل ـ جهاز للأمن أسسه معاوية بن أبي سفيان لأول مرة في التاريخ الاسلامي، واستمر نشاطه مع الخلافة)، والخليفة يعلم ما أكنُّ لك من ودٍ واحترام، فإذا امتنعت عن لقائه، فقد يظن أن هذا من صنعي أنا، وسيقول لولا احترامك له ما حدث هذا، وقد ينتهي الأمر بعزلي من منصبي ومسؤوليتي هذه، وأنا أحب أن أحظى بلقائك والاستماع إلى حديثك دوماً.فقال الإمام الباقر (عليه السلام): ما كان ذلك غروراً أو كبرياء مني، ولكني آثرت العزلة على مخالطة السلاطين، وما دام الأمر كما تقول، فسآتيه غداً لأمنع الغدر عن المسلم.ففرح عمر بن عبد العزيز عندئذ، واستأذن الإمام في أن يخبر الخليفة بذلك، فأذن له.وفي اليوم التالي دخل الإمام الباقر (عليه السلام) على الوليد بن عبد الملك.فقام الخليفة من مكانه وأجلسه بجانبه، وهذا تعبير عن الاحترام الفائق عند العرب، وخاصة لرؤساء القبائل والأشراف، والإمام الباقر (عليه السلام) كان زعيم بني هاشم، وسيد قريش في زمانه، وكان الخليفة الأموي يعترف بعلمه وتقواه، وكان خلفاء بني أمية يتظاهرون بحبّ العلماء واحترامهم، فجرى حديث ودّي بين الخليفة والإمام الباقر (عليه السلام).وسأل الوليد الإمام الباقر (عليه السلام) عما يملك في المدينة؟.فأجاب: ان لي مزرعة يكفيني وأهلي زرعها، ولم يبق لي ما يمكن بيعه.قال الوليد: إن شئت أعطيناك أرضاً ومزرعة في أية بقعة من الدولة الاسلامية الشاسعة لتعيش مع أبنائك وأهلك وذويك في يسر وراحة.فأجابه الإمام الباقر (عليه السلام): إن هذه المزرعة تكفيني وأهلي، وإن أولادي سوف يعملون، وإن الله يرزقنا جميعاً، ثمَّ قام من مجلسه وودّع الخليفة وخرج.كان الغرض من زيارة الوليد للمدينة المنورة هو تفقد ما أنجز في توسيع مسجد النبي (صلى الله عليه وآله)، ومتابعة أعمال الترميم والتوسيع بنفسه.وكانت مدرسة الإمام الباقر (عليه السلام) وحلقات دروسه تنعقد في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) أيضاً، ودخل الوليد المسجد النبوي، فشاهد ما أنجز من أعمال التعمير والتوسيع، فسره ذلك، ثمَّ أتى إلى رواق الإمام الباقر (عليه السلام)، وسلم على الإمام، فتوقف الإمام (عليه السلام) عن التدريس، ولكن الوليد طلب منه المضي فيه، وكان موضوع الدرس الجغرافيا، فاستمع الخليفة إلى حديث الإمام، وكان غريباً على مسمعه.فسأل الإمام؟ ما هذا العلم.فأجابه: إنه علم حديث يتحدث عن الأرض والسماء والشمس والنجوم، فوقع نظر الخليفة على جعفر الصادق (عليه السلام) بين الحاضرين، ولم يكن قد رآه من قبل، فسأل عمّن يكون هذا الصبي بين الرجال؟فقال عمر بن عبد العزيز: هو جعفر بن محمد الباقر (عليه السلام).فأعجبه ذلك، وسأل: وهل هو قادر على فهم الدرس واستيعابه؟.فقال عمر بن عبد العزيز: إنه أذكى من يحضر درس الإمام، وهو أكثرهم سؤالاً ونقاشاً.فاستدعاه الوليد وسأله: ما اسمك؟قال: اسمي جعفر.فسأله الخليفة: أتعلم من كان صاحب المنطق؟أجاب جعفر: كان أرسطو ملقبّاً بصاحب المنطق، لقّبه إياه تلامذته وأتباعه.قال الخليفة: ومن صاحب المعز؟قال جعفر: ليس هذا اسماً لأحد، ولكنه اسم لمجموعة من النجوم، وتسمى أيضاً (ذو الأعنة)(1) .فاستولت (http://ebook/www.14masom.com/14masom/08/mktba8/book01/8.htm#1%29.%D9%81%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%88%D9%84%D8 %AA) الحيرة على الخليفة، وعاد يسأله: هل تعلم من صاحب السواك؟.أجاب جعفر: هو لقب عبد الله بن مسعود صاحب جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله).فقال الوليد: مرحباً ومرحباً بك، وخاطب الإمام الباقر (عليه السلام) قائلاً: إن ولدك هذا سيكون علاّمة عصره.وصدق الوليد، وتحقق ما توسم في جعفر الصادق (عليه السلام)، لأنه أصبح من أعلم العلماء، بل أعلمهم على الاطلاق.وكان الصاحب بن عباد المتوفي سنة 375 هـ للهجرة يقول: لم يظهر في الاسلام بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) شخصية علمية بعظمة جعفر الصادق (عليه السلام)، ومن كان كالصاحب بن عباد علماً ومنزلة سياسية لا يقول إلا حقاً، ولا يجامل في حكمه ورأيه، فهو وزير البويهيين والشخصية العلمية الفريدة في عصره، وكانت مكتبته في مدينة (الري) تضم ما يزيد على مائة ألف كتاب.



1 - هذه مجموعة من النجوم تسمى في مصطلح علم النجوم الحديث (أوريكا) أو أوريجا

علي العذاري
07-26-2012, 12:34 PM
العلوم التجريبية في مدرسة الإمام الباقر (عليه السلام)

مر بنا ان الإمام الباقر (عليه السلام) كان يُعني في مدرسته بتدريس علوم اخرى عدا القرآن والحديث، كالتاريخ والجغرافيا والطب. أما في ما يتعلق بالطب، فهناك روايتان مختلفتان، تذهب الاولى إلى تأكيد تدريسه له، في حين أن الثانية تنسب تدريسه إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام).وأياً كان الأمر، فليس ثمة شك في أن جعفراً الصادق (عليه السلام) كان ملماً بالطب، وكان يلقي دروساً فيه، أفاد منها كثيرمن الأطباء والباحثين والمرضى في القرنين الثالث والرابع.ومن نظرياته التي انتفع بها الأطباء في عصره وبعد وفاته، رأيه في امكان تنشيط الدورة الدموية عند حدوث سكتة مفاجئة أو توقف مؤقت،حتى ولو ظهرت على المريض إمارات الموت أو علامات شبيهة بعلامات الموتى. وقد يُعيد الحياة إلى مريض بقطع وريد بين أصابع يده اليسرى إسالة للدم منه(1) .وقد أثبت صحة هذه النظرية واقعة تاريخية حدثت في أيام هارون الرشيد، الخليفة العباسي، فقد ذكر المؤرخون أن ابراهيم بن صالح (ابن عم هارون الرشيد) مرض، فعاده جبرائيل بن يختيشوع الطبيب(2) ، ثمَّ دخل على هارون الرشيد وهو جالس إلى المائدة. فسأله هارون الرشيد عن ابراهيم بن صالح، فأجاب بختيشوع أنه لا أمل في حياته، وهو يعيش لحظاته الأخيرة، وقد تركته والطبيب الهندي ابن بهلة يدخل عليه(3).فقال هارون الرشيد: نعم، لقد أرسلت في طلبك مرتين ولم أجدك، فأرسلت في طلب ابن بهلة الطبيب ليعود ابراهيم بن صالح، وكان ابن بهله الهندي طبيباً في بغداد أيضاً وهو ينافس بختيشوع ويحسده على مقامه عند الخليفة.فأفزعه النبأ، وترك الطعام، وأمر برفع المائدة، وبعد ساعة، دخل ابن بهلة على الخليفة، وشاهد الحزن والقلق مرتسمين على وجهه.فابتدره هارون الرشيد بالسؤال على ابن عمه، وهل هو يحتضر.فرد عليه ابن بهلة قائلاً:لا، فقد فحصته، وأنا واثق من أنه سيبرأ من مرضه هذا.فقال هارون الرشيد: أتكذّب ابن بختيشوع، وهو طبيب أباً عن جد؟فقال ابن بهلة: يا أمير المؤمنين، إن مات ابن عمك الليلة، فلك كل ما أملك ونفسي. فسره هذا، وزال عنه الحزن، وأمر بالطعام من جديد، وطلب الشراب، وأفرغ كأسا بعد أخرى، وفي هذه الثناء، دخل عليه غلاماً ناعياً ابراهيم بن صالح قائلاً إنه مات لتوه، فأحزنه النبأ، وأغضبه أنه كان يتناول الشراب وقت وفاة ابن عمه، ولولا نشوة الخمر، لكان غضبه أشد، وأقبلت عليه الحاشية معزية مسرية.وارتدى الخليفة السواد، وجاء إلى بيت ابن عمه ليشارك في تجهيزه ودفنه، وكان من جملة المجتمعين في البيت ابن بهلة الطبيب الذي كان ينظر إلى الميّت نظرة تفحص وتأمل وهو مسجى على منضدة الغسل. فوقع نظر الخليفة على هذا الطبيب، وناداه غاضباً، فأقبل الطبيب على أمير المؤمنين قائلاً: لا تغضب ولا تتعجل مؤاخذتي لأن ابن عمك سيعيش.فقال الخليفة: إني أمقت الكذب وأبغض الكذابين، وهذه فرية غليظة منك.فقال ابن بهلة: إن ابن عمك لم يمت ميتة كاملة، فما زالت به نسمة الحياة، ولسوف يعيش، ولكني أخشى إن هو نهض ورأى نفسه عارياً على المغتسل أو في الكفن أن يكون وقع الصدمة عليه قاتلاً، فلعلك تأمر بإزالة آثار الكافور عنه، وإعادته إلى ثيابه، ووضعه في سريره لأقوم بعلاجه.فأمر هارون الرشيد بإنفاذ ما طلبه ابن بهلة، الذي تناول سكيناً حادة، وقطع عرقاً بين أصابع اليد اليسرى للمريض، فنزف دمه، وعندئذ رآه الجميع وهو يتحرك ببطء. ولم يلبث أن فتح عينيه، فرأى هارون الرشيد واقفاً عند رأسه، وشكره بصوت خفيض متخيلاً أن الخليفة جاء لعيادته.سبق القول بأننا نفتقر إلى شواهد تؤكد أن الإمام الباقر (عليه السلام) كان يدرس الطب، ولكننا واثقون من أن جعفرا الصادق (عليه السلام) درس علوم الطب في مدرسته، وكانت له فيها آراء ونظريات لم يسبقه غليها أحد في الشرق، ولا يقصد بالشرق هنا شبه الجزيرة العربية، إذ هي لم تعرف مدارس الطب، اللهم إلا الذي عرف عن العرب في هذا الميدان قبل الاسلام، من أن بعضاً منهم درس الطب أو غيره من العلوم في جنديسابور بفارس ومنهم النضر بن الحارث الذي عاصر الرسول (صلى الله عليه وآله)، وكان له موقف في معارضة الدعوة الاسلامية.فإن قيل أن جعفراً الصادق (عليه السلام) تعلم في مدرسة أبيه محمد الباقر (عليه السلام)، وأخذ الطب وسائر العلوم عن أبيه، فمن أين استقى الإمام الباقر (عليه السلام) هذه العلوم؟.مر بنا أن الهندسة والجغرافيا انتقلا من مصر إلى المدية المنورة، على أيدي أقباط مصر، أما الطب فلم تكن له عند العرب مدرسة قبل الاسلام، في حين أن مصر وفارس عرفتا مدارس شهيرة للطب(4) .ولا يستبعد أن يكون هذا العلم قد انتقل بدوره من الفرس أو القبط، يؤكد ذلك أن في طب الصادق آراء ومسائل وردت في تاريخ الطب عند الفرس. فالطب القديم لم يكن حكراً لقوم دون آخرين،وإنما كانت هناك شعوب كثيرة كالاغريق والقبط والفرس تعني بتطور أساليب العلاج والتطبيب بالعقاقير.وكانت مدرسة الإمام الباقر (عليه السلام) في الطب أول مدرسة تؤسّس في الاسلام في شبه الجزيرة العربية، ولم تكن للعرب يومذاك عناية بالعلاج أو الوقاية، فمن اجتاز منهم أمراض الطفولة(5) قلّ أن يمرض طول حياته، نظراً لصلابة أجسامهم وقوة احتمالهم لقساوة البيئة في البادية، فإن مرض في كبره، تركوه عند الآلهة حتى يشفى أو يموت.والقواعد العامة لعلم الطب التي كانت تتداول وتُدرَّس في مختلف المدارس هي قواعد متشابهة، غير أننا نرى في مدرسة جعفر الصادق ما لا نراه في مدرسةٍ قبلها، مما يدل على أنه هو المستنبط لهذه القواعد والواضع لهذه النظريات(6)

علي العذاري
07-26-2012, 12:38 PM
المذكرات اليومية



قلنا إن الطلبة في مدرسة الإمام الباقر (عليه السلام) كانوا يكتبون الدرس على لوحة خشبية ليسهل نقله على الجلد أو الورق إن وجد في ما بعد. ولا ريب في أن هذه الطريقة، أي طريقة استنساخ الدرس أو الكتب، كانت متبعة في المعاهد العلمية كجنديسابور والاسكندرية والرها وغيرها.والمعروف أن جزءاً كبيراً من كتب حكماء اليونان وصل الينا بفضل المذكرات والتسجيلات اليومية للدروس التي كانوا يلقونها على تلاميذهم.وكان الاهتمام بالكتب العلمية لحفظها واستنساخها منحصراً في الطلبة والباحثين، أما عامة الناس أو الجمهور فلم يكونوا يهتمون إلا بالكتب الأدبية وبدواوين الشعراء الخاصة، فكان نصيب هذه الكتب من الحفظ والاستنساخ والشيوع أوفى وأكبر من الكتب العلمية.يضاف إلى هذا أن العلماء والحكماء لم يجدوا من الوقت ما يكفي لتسجيل آراءهم أو لتدوين الكتب، فكيف باستنساخها وتناقلها؟ وكان الواحد منهم يقضي أحياناً نصف عمره أو يزيد في تأليف كتاب أو تدوين نسخة منه.وبصورة عامة، فهناك كثير من الآراء والنظريات العلمية لعلماء أفذاذ تاهت إلينا بفضل المذكرات أو التسجيلات التي دوّنها تلميذ من تلامذتهم بخط يده.وكان لتشجيع الحكام والسلاطين دور كبير في نشر العلوم واستنساخ الكتب. فمن ذلك مثلاً أنه لولا تشجيع الملك الساساني شابور وابنه واهتمامهما بجمع (الاوفستا) (كتاب زردشت المقدس) وتدوينه، لما وصلت إلينا نسخة من هذا الكتاب الديني المقدس.ومن المؤسف أننا لا نجد في النصوص البهلوية القديمة التي وصلت الينا، نصاً في الطب، وليس معنا هذا أن المدارس والمعاهد العلمية القديمة كجنديسابور واصطحر وبلخ وغيرها في فارس لم تخلّف إنتاجاً علمياً ولا سيما في الطب، فالمؤكد أن الحوادث والحروب المتلاحقة أتت على الكثير من هذه الآثار.يقول البروفسور إدوار براون: إن كثيراً من أبناء الفرس (الزردشتيين) الذين توجهوا إلى الهند وأقاموا بها، كانوا يتدارسون الكتب العلمية والفارسية في الطب والصيدلة والعقاقير.ومن المعروف أيضاً أن كتب الطب والصيدلة في العالم تحمل كثيراً من أسماء النبات والحشائش والعقاقير الفارسية، مما لا يدع مجالاً للشك في أن الكتب والمؤلفات القديمة في هذا الباب قد دمرّت أو أحرقت، أو أتت عليها الحروب والزلازل وأسباب الخراب، ولا يستبعد أيضاً أن يكون الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قد تناول بعض هذه الكتب واطلّع على فنون الطب عند الفرس(7)



1 - قال أبو هفان قلت لإبن ماسويه (الطبيب): أن جعفراً بن محمد (عليه السلام) قال: الطبائع أربع: الدم وهو عبد وربما قتل العبد سيده، والريح وهو عدو إذا سددت له باباً أتاك من باب آخر، والبلغم وهو ملك يدارى، والمرة وهي الأرض إذا رجفت رجفت بمن عليها، فقال ابن ماسويه: أعد عليّ، فوالله ما يحسن جالينوس أن يصف هذا الوصف.مناقب آل ابي طالب: لأبي جعفر رشيد الدين محمد بن علي بن شهرآشوب المتوفي سنة588 هـ طبع قم ايران ج4 ص259.وقد عين علم الـــطب الحديث بأن المـــرة أو الصفراء هي اليوريا (Uree) وأن البلغم أو السوداء البلغي: هو حامض اليوريا (Acide Urique)(المترجم).2 - جبرائيل بن بختيشوع من اسرة أطباء أصلحهم من جنديسابور، خدموا الخلفاء العباسيين قرابة ثلاثة قرون، وجبرئيل بن بختيشوع من أشهرهم، وله كتاب نافعة في الطب والمنطق، وله رسائل وجهها إلى المأمون ذكرها ابن النديم في الفهرست توفي عام 214 هـ ـ828م. والاسم مركب من بُخت بضم الأول أي الخادم أو العبد، ويشوع أي المسيح، يعني عبد المسيح (المترجم).3 - جاء ذكر هذا الطبيب أخباره في (تاريخ الشعوب الاسلامية) لبروكلمان، الذي ذكر أن الطبيب الهندي الذي استدعاه هارون الرشيد من الهند اسمه (منكه). (تاريخ الشعوب الاسلامية) ج1 ص 202.4 - أشهر مدارس الطب في مصر مدرسة سائيس، أما فارس، فأشهر مدارسها مدرسة جنديسابور في القطاع الجنوبي لفارس، وقد كانت على درجة كبيرة من التقدم، واحتضنت عدداً كبيراً من طلبة الفرس وغيرهم. وكانت الدولة الساسانية معنية بالعلوم والفنون عناية كبيرة، ولكن العقبة التي اعترضت سبيلها هي وجود طبقي سائد يقصر الدراسة على ابناء طبقة معينة، ويمنع عنها من لا ينتمي إلى هذه الطبقة مهما كان ذكاؤه أو رغبته في العلم. وكانت هذه التفرقة الطبقية عاملاً من العوامل التي أدت إلى قيام الثورة المانوية في أيام الدولة الساسانية، إذ كان (ماني) يعارض النظام الطبقي السائد ويقول أن العلم للجميع وأن من الواجب على الدولة أن تهيئ أسباب العلم لجميع أبناء الوطن. ولكن (ماني) لم ينجح في نشر أفكاره الثورية، فقبض عليه وقتل، وأغمد السيف في أنصاره وأتباعه وفرَّ من نجا منهم إلى الصين، وهناك استوطنوا في إقليم طورفان (تركستان الصينية) وأبقوا على لغتهم الفارسية، ولقنوها لأبنائهم، وأسسوا مدرسة للطب، وكان اقليم طروفان من المراكز الهامة التي حافظت على ثقافة فارس وحضارتها وعلى الخط البهلوي. وهناك طائفة كبيرة من العلوم والكتب التي دونت بالخط الساساني. وتعطينا الآثار الباقية من حضارة طورفان التركية المغولية صورة جلية عن مستوى العلم والحضارة الفارسية فيها، وقد حرص الفرس في هذه المنطقة على الاحتفاظ عبر القرون باللغة والعادات والتقاليد الفارسية القديمة، وبقيت اللغة البهلوية على ما كانت عليه، ولم تبتل بالتغيير (هزوارش) الذي أدخله الكتبة الآراميون على الكتابة البهلوية، فقد كان من عادة الآراميين أن يكتبوا اللفظة بالآرامية وينطقوها بالبهلوية.فمن ذلك مثلاً أن الفرس يقال لهم في الآرامية (كتل)، فكان الآراميون يكتبون لفظة (كتل) وينطقونها (أسب)، أي الفرس بالبهلوية. فاصبح نطق الألفاظ يختلف عما كان عليه، وجاء الجيل الجديد وهو لا يعرف أصول لغته، فهجرت البهلوية في عقر دارها، ولكنها على قيد الحياة في مناطق أخرى منها منطقة طورفان. (المترجم).5 - كانت أمراض الأطفال المعدية واسعة الانتشار (المترجم) في شبه الجزيرة العربية يقول لورانس الانجليزي في كتابه (أعمدة الحكمة السبعة) إن عدد سكان شبه الجزيرة العربية في نهاية القرن الثامن عشر لم يختلف عنه في صدر الاسلام، بسبب تفشي الأوبئة وأمراض الأطفال.6 - سبق القول بأن بعض قواعد الطب قد وردت في أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله) التي جمع بعضها في كتب الطب النبوي المتداولة والمشهورة.7 - وقد مر في التمهيد بأن الإمام جعفراً الصادق (عليه السلام) كان يعرف الفارسية ويتحدث بها (المترجم

علي العذاري
07-26-2012, 12:41 PM
العناصر الأربعة


لئن كنّا نفتقر إلى مصادر ومعلومات وافية عن دراسة الطب ومستواه في مدرسة الإمام الباقر (عليه السلام). فإنَّ الوضع بالنسبة إلى الفيزياء والهندسة يختلف عن ذلك.كانت الفيزياء من العلوم التي تُدرس في مدرسة الإمام الباقر (ع)، ولدينا معلومات وافية عن الأبواب التي كانت تُدرس في الفيزياء والهندسة في هذه المدرسة.أما الفيزياء والأبواب العلمية التي كانت تدرس في مدرسة الإمام الباقر(عليه السلام)، فكانت تدور حول فيزياء أرسطو، والفيزياء عند أرسطو تضم علوماً شتى كالميانيكا، وعلم الحيوان وعلم النبات والجيولوجيا، وإن كان العلماء في يومنا هذا لا يعدوّن علم الحيوان وعلم النبات من علوم الفيزياء.ولكن، إذا كان مدلول الفيزياء يعني علم الأشياء، فقد مكان أرسطو محقاً في اعتبار هذه العلوم جميعاً جزءاً من الفيزياء.وأغلب الظن أن هذا العلم وصل إلى شبه الجزيرة العربية وبنفس الأسلوب الذي وصلت به علوم الهندسة والجغرافيا، أي عن طريق أقباط مصر، وهناك من يعتقد بأن الطب انتقل من مدرسة الاسكندرية إلى مدرسة الإمام الباقر (عليه السلام)، على أنه ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا أنه بحلول هذا الوقت لم يعد باقياً أي أثر من آثار مدرسة الاسكندرية أو الحركة العلمية بهذه المدينة أو مكتبتها العامرة الشهيرة، وقُصارى ما بقي في متناول الناس هو بعض الكتب المستنسخة من مكتبة الاسكندرية، أو بعض ما بقي على قيد الحياة من تلاميذ هذه المدرسة، ولا سيما دعاة الفلسفة الأفلاطونية الجديدة، وقد انتهى إلينا فعلاً ما سجلوه عن هذه الفلسفة ونقلوه جيلاً بعد جيل.تعلم جعفر الصادق (عليه السلام) الفيزياء والجغرافيا في مدرسة والده الإمام الباقر (عليه السلام). وقد أوردنا في ما تقدم نقده لنظرية بطليموس بشأن دوران الشمس حول الأرض، وملاحظاته عليها، وخروجه بنظرية عليمة أخرى قلبت النظرية السابقة.وكان مما سمعه من والده الإمام الباقر (عليه السلام) في درس الفيزياء رأي ارسطو في أصل الطون، وأنه يتألف من عناصر أربعة هي: التراب، والماء، والهواء، والنار(1) ( فأبدى جعفر الصادق (عليه السلام) استغرابه لأن أرسطو لم ينتبه إلى أن العناصر الأربعة ومنها التراب ليست عناصر بسيطة غير قابلة للتجزئة، وقال إن التراب مركب من أجزاء وعناصر كثيرة، منها الحديد وهو بدوره مركب من أجزاء كل جزء منها يعتبر عنصراً مستقلاً.وكان الاعتقاد بوجود عناصر أربعة سائداً منذ عصر ارسطو وإلى أيام الإمام الباقر (عليه السلام). أي ما يقرب من ألف سنة، والناس تذهب إلى ما ذهب إليه فلاسفة اليونان حول أصل الكون، وكانت العناصر الأ{بعة تعتبر ركناً هاماً في علم الأشياء، ولم يشكك أحد في صحة هذه النظرية طوال هذه الفترة الممتدة.ولكن، ظهر بعد ألف سنة من قال بعدم صحة هذه النظرية، وبأن التراب إنما يتألف من عناصر متباينة وليس قوامه عنصراً بسيطاً. أما صاحب هذا الرأي فهو أصغر الطلبة سنّاً وأعمقهم تفكيراً في مدرسة الإمام الباقر (عليه السلام) ألا وهو جعفر الصادق، بل ان هذا الدارس الشاب ذهب إلى أبعد من هذا عندما أصبح مدرّساً وزعيماً لمدرسة أبيه الإمام الباقر (عليه السلام)، ففنَّد رأياً آخر لأرسطو بخصوص الهواء، وقال أن الهواء بدوره ليس عنصراً بسيطاً، بل هو مركب من أجزاء وعناصر شتى.والواقع أن أبرز العلماء والفلاسفة منذ أيام أرسطو وإلى القرن الثامن عشر الميلادي الذي يعدّ قرن التقدّم والازدهار في ميادين العلوم، لم يكتشفوا أن الهواء ليس من العناصر البسيطة، ولم يقل أحد بهذا الـــرأي حتى جاء العــــالم الفرنسي لافوازيـــيه(2)
فحلل الهواء، وساتخرج منه الأوكسجين، وبرهن على أثره الحيوي الفعّال في التنفس وفي حياة الإنسان وفي عمليات الاحتراق.فأقبل جمهور العلماء والباحثين على رأي لافوازييه باهتمام، وسلّموا بأن الهواء مركب من عناصر مختلفة، ولم يمض وقت طويل حتى فوجئ المجتمع العلمي في يوم من أيام سنة 1794 بنبأ إعدام لافوازييه بالمقصلة في الثورة الفرنسية، وهكذا انتهت حياة أبي الكيمياء الحديثة، ولو قد مُدّ في عُمره، لحقق بلا ريب انجازات أخرى، ولأجرى تجارب علمية جديدة لها أهميتها أيضاً.فلا بد إذن من الاعتراف بأن جعفراً الصادق، بذهابه إلى أن الهواء مركّب من عناصر مختلفة، قد سبق عصر العلم والاكتشافات الحديثة بألف سنة.وعند الشيعة أن جعفراً الصادق (عليه السلام) كان يعلم المجهول ويكشف أسراره بقوة الإمامة، وهو قوة إلهية لدنية لا تتوافر إلا للإمام المعصوم وحده، ولكننا نرى أن جعفراً الصادق (عليه السلام) قد توصل إلى هــــذا الكشـــف بنقاء تفكـــيره وذكائه(3)
ولو كان عالماً بالغيب، لكشف قانون تحويل المادة إلى طاقة، وهو ما اهتدى إليه آينشتين، وغيره من القوانين والكشوف العلمية التي تحققت بعد هذه الفترة. ولكن الصادق (عليه السلام) لم يُشر إلى أنه بقوى خفيّة، وإنما هو قد اجتهد في إثبات حقيقة علمية عز على علماء القرن الثامن عشر الميلادي فهمها، فقد ذهب هؤلاء العلماء ـ بعد اكتشاف لافوازييه ـ إلى أن الأوكسجين هو وحده المادة الحيوية في الهواء، وأن الأجزاء الأخرى في الهواء منعدمة النفع أو ضارة، في حين أن جعفراً الصادق قال إن الهواء مركب من عناصر، وأن عناصره ضرورية للتنفس ولبقاء الحياة.وفي منتصف القرن التاسع عشر، صحح العلماء رأيهم في الأوكسجين، بعد ما تبينّوا أن هذا العنصر الهام اللازم لتنقية الدم واستمرار الحياة عند الإنسان ليس على هذه الدرجة من الفائدة والنفع للكائنات الأخرى، إذ تبين أن هناك كائنات حيّة لا تقوى على ستنشاق الأوكسجين الخالص فترة طويلة، لأن خلايا أجهزتها التنفسية تتأكسد وتتآكل بتفاعلها مع الأوكسجين، أي أن هذه الخلايا تحترق بفعل الأوكسجين الخالص.والأوكسجين في حدّ ذاته لا يحرق، ولكنه يساعد على الاحتراق، فإذا تعرّض له جسم أو مادة، وكان هذا الجسم أو المادة مما يقبل الاحتراق، كانت النتيجة احتراقاً فعلاً، وإذا تنفّست الخلايا الموجودة داخل رئة الانسان أو الحيوان الاوكسجين الخالص فترة طويلة، احترقت هذه الخلايا، ومات الانسان أو الحيوان، ولهذا يوجد الأوكسجين في الهواء مختلطاً بغازات اخرى كفيلة بمنع أثره السيئ والضار عن حياة الانسان والحيوان. وبالوصول إلى هذه الحقيقة العلمية صحّ ما ذهب إليه جعفر الصادق (عليه السلام) من أن الهواء مفيد للانسان بمجموع أجزائه بما فيها ذلك أجزاؤه من الغازات الاخرى التي يوجد منها مقدار ضئيل فيه.ومن قبيل المثال، نذكر أن لغاز (أوزون) L,ozone خواصاً كيميائية مشابهة لخواص الأوكسجين. وقوام جزيء(4)
هذا الغاز ثلاث من ذرات الأوكسجين.وإذا كان الظاهر أن غاز الأوزون لا يقوم بدور هام في التنفس، فواقع الأمر أن له تأثيراً فعّالاً في تثبيت الأوكسجين عند دخوله الدورة الدموية، أي انه يحافظ على الاوكسجين في الدم ولا يدعه يذهب هباء، وهذا يؤيد ما ذهب إليه جعفر الصادق (عليه السلام) من أن الهواء ـ بكل أجزائه ـ ضروري للحياة، وهي حقيقة أُميط عنها اللثام منذ منتصف القرن التاسع عشر.ومن خواص الجسيمات الموجودة في الهواء، انها تمنع الأوكسجين من أن يؤثر تأثيراً سلبياً في الكائنات، ومن أن يحرق الرئتين والجهاز التنفسي، وقد برهنت التجارب العلمية على أن غاز الأوكسجين هو أثقل الغازات والجسيمات الموجودة في الهواء، ولولا أن الأوكسجين مختلط بالغازات والجسيمات الأخرى في الهواء، لثقل وزنه ورسب إلى الطبقة السفلى، وهو أمر لو حدث لجعل الأوكسجين يملأ سطح الأرض إلى ارتفاع معين، ولاتخذت الغازات الأخرى مكانها فوق الأوكسجين، كل غاز منها بحسب وزنه وثقله، ولأدى هذا الخلل إلى الإضرار بالجهاز التنفسي للإنسان والحيوان والنبات أيضاً، لأن النبات يحتاج بدوره إلى الأوكسجين ومعه الكربون، ولو حدث هذا الخلل لباتت حياة الإنسان والحيوان والنبات مهددة بأشد المخاطر، غير أن وجود غازات أخرى مختلطة بالأوكسجين في الهواء، يحول دون انفصال الأوكسجين ورسوبه، ويمد بالتالي في حياة الإنسان والحيوان والنبات.وقد كان جعفر الصادق (عليه السلام) أول من فند القول بأن هناك عناصر أربعة، فقوض هذه النظرية من أساسها بعدما عاشت قرابة ألف سنة، وكان جعفر آنذاك في مستهل حياته العلمية الحافلة.وربما تبادر إلى أذهاننا اليوم أن نظرية جعفر الصادق (عليه السلام) هي من البديهيات اليسيرة، وذلك بعد أن تم معرفة 102 من العناصر والمواد الموجودة حولنا، غير أننا إذا رجعنا القهقرى إلى القرن السابع الميلادي، لعرفنا أن نظرية جعفر الصادق (عليه السلام) كانت نظرية ثورية بجميع المقاييس، وإن لم تفطن العقول في وقته إلى حقيقة كون الهواء مركباً من عناصر متمازجة ومركبة. ولا بد هنا من أن نكرر أن أوروبا كانت في هذا العصر وإلى القرن الثامن عشر الميلادي عاجزة عن التذرع برحابة الصدر لقبول هذه النظرية أو غيرها من النظريات التي طلع بها جعفر الصادق (عليه السلام)، وسنقوم بإبراز هذه النظريات في فصول أخرى من هذا البحث. صحيح أن العواصم العلمية في الشرق، كالمدينة المنورة مثلاً، كانت تتدارس نظريات جعفر الصادق (عليه السلام) وتنشرها دون أن يرمى عالم بالكفر، ولكن الصحيح أيضاً أن أوروبا المسيحية كانت في ذلك الوقت تحكم بالكفر والزندقة على كل من يسوق رأياً يخالف الرأي الديني التقليدي بشأن الكون.




الأوكسجين وأول من اكتشفه




اشتهر العالم الإنكليزي جوزيف بريستلي (1733ـ 1804) في تاريخ الكيمياء بأنه أول من اكتشف الأوكسجين، وإن كان لم يهتد إلى تعريف خصائصه وتركيبه. فلما جاء العالم الفرنسي لافوازييه، هداه البحث إلى خصائص هذا الغاز وصفاته.والأوكسجين لفظة يونانية مركبة من مقطعين، يعني أولهما الحموضة، ويعني الثاني المولد، أي أن الأوكسجين (مولد الحموضة)، وإلى بريستلي يعزى اختيار هذا الاسم للغاز، برغم أن المدلول العلمي له كان مستعملاً فعلاً. ولا نقول هذا للإقلال من شأن الراهب الإنكليزي بريستلي الذي هجر الدير والرداء الديني، واستقر في المدرسة والمختبر، يجري تجاربه العلمية حول هذا الغاز، ولا ريب في أنه لو استمر في بحوثه العلمية لاستطاع الاهتداء إلى نتائج هامة أخرى، غير أنه انضم إلى حركة الثورة الفرنسية، وأيد المناضلين الفرنسيين، فجلب على نفسه سخط الإنجليز وبغضهم، واضطر إلى مغادرة وطنه بريطانيا إلى أمريكا حيث قضى بقية عمره، وهناك ألف ثلاثة كتب، ولكنها مبتوتة الصلة بالهواء أو بالمسائل العلمية التي كانت شغله الشاغل قبل ذلك.والحقيقة التاريخية هي أن جعفراً الصادق (عليه السلام) هو أول من اهتدى إلى الأوكسجين أو مولد الحموضة، وأغلب الظن أنه اهتدى إليه وهو ما زال في مدرسة أبيه الباقر (عليه السلام). ولما شرع بعد ذلك في إلقاء دروسه المتصلة في حلقاته، أعمل فكره، وانتهى إلى أن الهواء ليس عنصراً بسيطاً بل هو مركب من عناصر مختلفة، وتجدر الإشارة هنا إلى أن جعفراً الصادق (عليه السلام) لم يطلق على الأوكسجين اسم مولد الحموضة، ولكنه سبق غيره في الإشارة إلى أن الهواء هو مزيج من عناصر شتى يساعد بعضها على تنفس الكائنات الحية كما يساعد على الاحتراق.ومضى الصادق (عليه السلام) في سبيله، فتوصل إلى أن محتويات الهواء لو جزئت، لكان من فعلها النفاذ في الأجسام وتذويب الحديد.إذن، فقد كان جعفر الصادق (عليه السلام) سابقاً بألف سنة على بريستلي ولافوازييه في اكتشاف الأوكسجين، وإن كان لم يطلق عليه اسم الأوكسجين ولا اسم مولد الحموضة كما ذكرنا آنفاً. ثم أن لافوازييه الذي عين خصائص الأوكسجين، لم يوفق إلى تجربة ذوبان الحديد بفعل الأوكسجين، وهي التجربة التي اضطلع بها جعفر الصادق (عليه السلام) قبله بألف عام.وقد برهن العلم الحديث على أنه متى حمي الحديد بالنار إلى درجة الاحمرار، ثم وضع في أوكسجين خالص، اشتعل وانبعث منه شعلة مضيئة شبيهة بالفتيل الذي كان يغمس في الزيت في المصابيح القديمة، وإن تكن الشعلة أقوى وأشد ضوءاً، وهذه هي النظرية التي يستند إليها في صنع المصابيح الكهربائية الحديثة التي تضيء مناطق شاسعة في الليالي الظلماء، وتظل مضيئة بصورة مستمرة ما دام سلك الحديد فيها مشتعلاً بفعل الأوكسجين المحبوس داخل المصباح.وقد جاء في رواية أن الإمام محمداً الباقر (عليه السلام) قال: (إن الماء الذي يطفئ النار يستطيع أن يوقدها بفضل العلم) فحسب البعض أن هذا القول ملقى على عواهنه، أو أنه من قبيل الفكاهة أو خيالات الشعراء، ولكن الذي تحقق فعلاً منذ القرن الثامن عشر أن الماء يزيد النار اشتعالاً، ويولد قوة محرقة أشد بكثير من نار الحطب، لأن لغاز الهيدروجين (وهو أحد العنصرين الهامين في تركيب الماء) قوة إحراق إذا أضيفت إلى قوة الأوكسجين بلغت درجة حرارتهما 6664 درجة. ويطلق على هذه العملية اسم العملية الأوكسجينية الهيدروجينية (oxydrogene)، وهي تستخدم في لحام الحديد والفولاذ، أو في تقطيع الفولاذ وتثقيبه.وقد طلع الإمام الباقر (عليه السلام) بهذه النظرية قبل اكتشاف الهيدروجين، ولا دليل لنا على أن الصادق (عليه السلام) تمكن من فصل الهيدروجين أو الأوكسجين من الماء، ولكن الذي لا ريب فيه أنه توصل بفضل تجاربه وأبحاثه إلى تحديد خواص الأوكسجين، ومن هنا يصح القول بأنه استفاد من هذا العنصر الهام في تحاليله، وأنه استخلصه من الهواء ممتزجاً بمواد وعناصر أخرى، أي دون أن يكون خالصاً نقياً.ومن النتائج المؤكدة التي انتهى إليها جعفر الصادق (عليه السلام)، وما هي بنظرية مجردة، الحقيقتان التاليتان:1ـ حقيقة أن في الهواء عنصراً يفوق العناصر الأخرى في أهميته، وهو العنصر الأساسي في الحياة والتنفس.2ـ إن هذا العنصر قادر بمرور الوقت على تغيير شكل الأشياء والتأثير فيها بإفسادها وتحللها وتآكلها.ولا ننسى أن هذا العنصر الهوائي يقوم بدور الوسيط في هذه العمليات، ومن هنا استطاع جعفر الصادق (عليه السلام) معرفة الأوكسجين.ظن العلماء والباحثون بعد اكتشاف الأوكسجين على يدي (بريستلي) وبعد تحديد خواصه وآثاره وتغيير شكلها، فلما جاء العالم الفرنسي لويس (باستور) واكتشف الجراثيم، قال أن التغيير الذي يطرأ على شكل بعض المواد، كالأغذية ويؤدي إلى فسادها، أنما يعزى إلى الجراثيم وليس إلى الأوكسجين، كما قال أن الجراثيم تهاجم المواد الغذائية وتحللها، فيدب فيها الفساد. غير أن (باستور) لم يبين نوع العلاقة بين الجراثيم والأوكسجين، ولا توصل إلى أن الفساد الذي تحدثه الجراثيم، إنما يتم في وجود الأوكسجين، ولولا هذا الغاز، لما تمكنت الجراثيم من البقاء على الحياة أو التأثير في المواد. أما جعفر الصادق (عليه السلام)، فقد قال إن الهواء جزءاً (يعني الأوكسجين) يؤثر أحياناً بالواسطة في تغيير شكل المواد، ويؤثر أحياناً بغير واسطة متى تعرض لها الحديد بصورة مباشرة، فيحدث ما يسمى بالتأكسد (Oxyde) أو الصدأ.ولئن كانت هذه النظرية الدقيقة تستعصي على الكشف إلا في المختبرات وإلا بالتحليل العلمي، فقد توصل إليها جعفر الصادق (عليه السلام) بفرط ذكائه ونبوغه، وإن كان الصادق لم يتوافر على إبراز ما للهواء أو الأوكسجين من خاصيات أخرى، فإنه اهتدى إلى أن الأوكسجين، الذي يعتبر عنصراً أساسياً في الهواء، والذي يغير أشكال المواد، والذي هو مناط الحياة، هو أثقل جميع العناصر الموجودة في الهواء.وبعد ألف سنة، جاء لافوازييه، فأكد هذه النظرية، وزاد عليها بتعيينه وزن الأوكسجين ومقداره 9/8 الماء، أي أن في كل تسعة كيلو غرامات من الماء ثمانية كيلو غرامات من الأوكسجين. هذا من حيث الوزن، أما من حيث الحجم، فالهيدروجين الموجود في الماء يساوي ضعفي الأوكسجين، لأن الماء مركب من ذرتي هيدروجين وذرة أوكسجين.ومع أن لافوازييه توصل إلى نتائج هامة في تحليله للهواء ومعرفة خواص الأوكسجين، إلا أنه لم يستطع تحويل هذا الغاز إلى سائل (أي إسالته)، وإن كانت الفكرة بقيت تراوده، وكادت تتحقق لولا أن الصناعة في أوروبا وقتئذ كانت ما تزال في بدايتها، ولم تكن قد قطعت أشواطاً تتيح للافوازييه تحقيق أمنيته حالاً. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، أصدرت المحاكم الثورية في فرنسا حكمها المفاجئ القاسي بإعدام لافوازييه، فمات بالمقصلة.وكان من رأي الكيميائيين بعد لافوازييه، وإلى وقت متأخر، أن هناك استحالة لإسالة غاز الأوكسجين، فلما جاء القرن العشرون بإنجازاته العلمية والتكنولوجية ومفاجآته الكثيرة، نجح العلماء في إيجاد برودة مفرطة (صناعياً) واستطاعوا بذلك أن يسيلوا غاز الأوكسجين بكميات غير محددة، وسخروا الأوكسجين السائل في أغراض كثيرة من طبية وصناعية وما إليها.وقد تسنى هذا كله بفضل الوصول صناعياً بدرجة البرودة إلى ما تحت الصفر ب 183 درجة، وهكذا سال الأوكسجين في الجو العادي دون حاجة إلى ضغط قوي، وأمكن إنتاج كميات كبيرة من غاز الأوكسجين السائل.والواقع أن هذه الدرجة من البرودة هي درجة مفرطة، ويقول العلماء إن الفرق بينها وبين البرودة المطلقة التي تشل الحركة الحيوية في المادة هو 90 درجة لا غير (273.16ـ 183).ولئن لم يسمح عصر جعفر الصادق (عليه السلام) لهذا العالم بأن يتابع البحث إلى أن يحدد عناصر الهواء بأسمائها، ويعين الأوكسجين (أو مولد الحموضة)، فواقع الأمر أنه سبق بآرائه العلمية الفذة جميع العلماء والمكتشفين بألف سنة.




1 - القول بالعناصر الأربعة، أو جوهر الكون يرجع تاريخه إلى المذاهب الفلسفية الأولي في اليونان، أي مع ظهور المذهب الأيوني.وقد حاول الأيونيون أن يردوا الأجسام المختلفة في الكون إلى أصل جوهري أو عنصر واحد، فزعم أولهم طاليس المالطي (624 ـ 545ق.م) الذي تعلم الهندسة في مصر، والفلك في بابل، واشترك مع قومه اليونانيين في قتال الفرس، زعم أن أصل الكون هو المادة، وأكد خلفه اناكسيمندر أن هذا العنصر غير معين ولا محدود، وزعم اناكسيمانس بعدهما أنه الهواء، وظن هراقليطس أنه النار.وأجمعوا على أنه لا ينشأ شيء من العدم، ولا ينعدم شيء موجود، وأن كل ما نراه حولنا كان موجوداً منذ الأزل ـ بمادته لا بصورته ـ وسيظل موجوداً إلى الأبد (بمادته أيضاً وإن تغيرت صورته).بهذا الرأي عدهم متفلسفو الإسلام في (الدهرين) الذين جحدوا الصانع المدبر للكون. كما قال الأيونيون أن العناصر الأولى يستحيل بعضها إلى بعض، فيصبح الماء تراباً والهواء ناراً الخ (ومن الملاحظ أن ما سموه (عناصر) إنما هو مركبات).ثمَّ يأتي بعد الأيونيون دور الفلاسفة الطبيعيين المحدثين، ومن هذه الطبقة أنباذوقلس الصقلي (483 ـ 424 ق.م) وكان مولده بصقلية ثمَّ انتقل إلى جنوبي اليونان. وقد قال: إن العالم مركب من الاسطقسّات (العناصر) الأربعة، وهي الماء والهواء والتراب والنار، ولهذه العناصر صفات خاصة ثابتة لا تتبدل ولا تندثر، ولا يستحيل بعضها إلى بعض. ومن هذه العناصر الأربعة تتكون الأجسام كلها بالتحليل أو بالتركيب. ولمزيد من البحث يراجع كتاب: (تاريخ الفكر العربي) للدكتور عمر فروخ، ص 59، 78، 79. (المترجم).
2 - أنطون لافوازييه Lavoisier 1743 ـ 1794م كيميائي فرنسي يعتبر من مؤسسي الكيمياء الحديثة، وله كشوفات عدة منها تركيب الهواء، ودور الأوكسجين في الاحتراق، وقائمة الأجسام الكيميائية، وقد مات مقتولاً في الثورة الفرنسية الكبرى. (المترجم).
3 - هذا الكلام ـ بالطبع ـ منقول عن مستشرق فرنسي يأخذ في دراسته بالظواهر ولا يدين بالإسلام أو النبوة أو الإمامة. (المترجم).
4 - الجزيء (Le Mollecule) هو أصغر وحدات العنصر أو المرّكب ويتألف عادة من ذرة أو ذرتين، لكل منهما نفس خواص المادة، ولكن الجزيء يفقد بعضاً من خواص المادة متى قسّم إلى اقسام أصغر. وتتجلّى في الجزيء الحالات الثلاث للمادة، وهي الحالة الجامدة، والحالة السائلة والحالة الغازية، فإذا اقتربت الجزيئات بعضها من بعض، تكونت الحالة الجامدة، وإذا ابتعدت بفعل الحرارة، تكونت الحالة السائلة، فإن ازداد ابتعادها تكونت الحالة الغازية أو البخار. (المترجم).

علي العذاري
07-26-2012, 12:47 PM
جعفر الصادق (عليه السلام) مؤسس العلوم العرفانية في الإسلام


تقول بعض الصوفية العارفين إن الإمام جعفراً الصادق (عليه السلام) تعلم العرفان من أبيه الإمام الباقر (عليه السلام) وأخذه عنه، وهم يعدونه حلقة هامة في سلسلة الصوفية والعرفان.ومن هؤلاء الشيخ فريد الدين العطار النيسابوري(1)
صاحب كتاب (تذكرة الأولياء) وتجدر الإشارة هنا إلى أن العرفان بمدلوله الحالي وبالمعنى الذي نعرفه عنه لم يكن له وجود في القرن الأول الهجري. فإن وجد آنذاك شيء من مبادئ هذا العلم، فإن مدلوله يختلف عما هو عليه اليوم.وليس ثمة ريب في أن التفكير العرفاني موجوداً لدى بعض علماء المسلمين، دون أن يشتهر به أحد منهم. ودون أن يعرف أي مكتب من مكاتب العرفان الموجودة في هذا العصر، ولم نر من القادة أو المفكرين من تزعم مجموعة من المريدين أو سمى نفسه قطباً أو غوثاً أو ما إلى ذلك. ثم إن العرفان في الإسلام كان ينبوعاً فياضاً في الباطن والقلب. ولم تكن بين العرفان والدراسات التقليدية علاقة. ولم يكن المريد أو القطب يدرس ويعلم المريدين العرفان، بل كان العرفان أسلوباً للحياة وطريقة للعمل الجاد في جو من الحب والعشق. وكان العارف يقول: أمح الأوراق إذا كنت تصحبنا في الدروس والرحيل، لأن حديث الغرام والعشق غير موجود في الدفاتر(2) .
ومنذ القرن الثاني للهجرة بدأ العرفاء والزهاد يتوزعون حول الأقطاب والمرشدين، فأبدعوا وأسسوا مكاتب عرفانية.ويقول صاحب (تذكرة الأنبياء) وهو من الكتب المشهورة في أحوال العرفاء والصوفية وقد جمع فيه مؤلفه الروايات الموثوق بها والضعيفة يقول إن بايزيد البسطامي العارف الشهير كان من تلامذة جعفر الصادق (عليه السلام). أخذ عنه العرفان. وساق الحديث عنه على النحو التالي: إن بايزيد البسطامي، بعدما تعلم العلوم المتداولة، اتجه إلى العرفان، وطاف حول العالم بحثاً عن العرفاء العظام، وتحمل المشاق والحرمان ثلاثين سنة، وحضر مجلس مائة وثلاثة عشر عارفاً كان آخرهم الإمام الصادق (عليه السلام). وكان يحضر درسه كل يوم معداً نفسه للاغتراف من منهله ما أمكن، فسأله الصادق يوماً: ناولني الكتاب الذي في الرف فوق رأسك.فسأل بايزيد: وأي رف هذا؟فقال له الصادق: تسألني عن الرف وأنت تحضر كل يوم هنا من زمن بعيد؟فقال بايزيد: إنني لم أشاهد غيرك هنا، لأنني أتيت للقائك والاستماع إلى حديثك.فقال له الصادق: يا بايزيد، أنت كملت الدرس والرحلة، فعد إلى بلادك وعلم الناس ما تعلمت. فقام وعاد إلى بسطام في يومه.ولعل صاحب (تذكرة الأنبياء) كان يعتقد بصحة هذا الحديث. ولكنه لم يراع التسلسل الزمني وتتابع الحوادث، ولولا ذلك لقلنا اختلق هذه الرواية أو أن غيره اختلقها ونقلها هو عنه، لأن الإمام الصادق (عليه السلام) كان مشتغلاً بالتعليم والتدريس في المدينة في النصف الأول من القرن الثاني، وتوفي سنة 148 هجرية، في حين أن بايزيد البسطامي كان يعيش في القرن الثالث وتوفي سنة 261 هجرية.إن مبادئ العرفان ومكاتبه في القرن الثامن الهجري لم تكن تزيد على سلوك العارف وقوة تخيله وتأمله، ومن هنا يمكن القول بأن جعفراً الصادق (عليه السلام) كان له خيال وتفكير عرفاني عميق، وإذا كان من آثار العرفان على العارف تغيير أسلوب حياته والتأثير في خلقه وسلوكه وأدبه، فلسنا نشك في أن جعفراً الصادق (عليه السلام) كان بهذا رائداً وإماماً للغير، ولكن لا علاقة لهذا السلوك المعنوي بالعلوم التجريبية في الإسلام، وهو أول عالم جمع بين النظرية العلمية والتجربة العملية، ولم يكن يقبل أو يؤيد نظرية في الفيزياء أو الكيمياء إلا بعد التحقق منها بنفسه في التجربة العملية والاختبار، وعالم كهذا، لا يهتم بعلوم نظرية بحتة اهتمامه بالعلوم التجريبية.وفي التاريخ الإسلامي أن الإمام الصادق (عليه السلام) كان أول عالم تحدث عن الفيزياء والكيمياء، وهو في نفس الوقت يعد في طليعة العرفاء والزهاد. حتى أن الإمام الزمخشري(3)
بعدما أثنى عليه في كتابه (ربيع الأبرار) ثناء كريماً، عده من طلائع العرفاء وزعمائهم.وكان العطار النيسابوري صاحب (تذكرة الأولياء) يرى بدوره أن الصادق (عليه السلام) رائد للعرفاء، ولكن شتان بين ما سجله الزمخشري وهو عالم مدقق، وبين ما أورده العطار، وهو صوفي جماعة، يجمع بدافع من المحبة كل ما سمع وقرأ، ومؤلفه يثبت أنه كان مغرماً ومتيماً بحب العرفاء والصوفية العظام، فهو يكتب عنهم بعين الرضا والقبول، وبالمغالاة أحياناً، ولولا حبه هنا لما وقع في هفوات.ويمكن القول إن القلم في يد الزمخشري يتحكم فيه العقل والدقة، أما القلم في يد العطار فيتحكم فيه الحب والعشق، وأياً كان الأمر، فالصادق (عليه السلام) يعد في تاريخ العلوم الإسلامية من مؤسسي علم العرفان.ولا شك في أن دروسه في العرفان كان يحضرها عدد من غير المسلمين، فقد قيل إن نفراً من الصابئة(4)
قرؤوا عليه، والصابئة بآرائهم الدينية هم وسط بين المسيحية واليهود، وكانوا يعدون من الموحدين في الإسلام، وكان بعضهم يتظاهر بالإسلام دفاعاً عن النفس أو حرصاً على المال، وكان مركزهم (حران) غرب بلاد ما بين النهرين (العراق)، وكان هذا المركز يسمى قديماً عند الأوربيين ب (كارة)، ومن عادات الصابئة تعميد الطفل بعد ولادته وتسميته. جاء في دائرة المعارف الإسلامية(5)
إن كلمة صابئي مأخوذة من صب الماء وغسله، لأن الصابئة تغسل الطفل بعد الولادة بتعميده في الماء، وكانت الصابئة تقول بنبوة يحيى المعمدان (يوحنا) بن زكريا.ويقول العطار النيسابوري إن أناساً من جميع القرى كانت تحضر درس الإمام الصادق (عليه السلام) وتنهل من معينه، ويقول الشيخ أبو الحسن الخرقاني(6)
إن المسلم والكافر استفاد كلاهما من فضل الصادق (عليه السلام) وعلمه.ولا ندري هل كان تسامح الصادق (عليه السلام) مع غير المسلم راجعاً إلى عرفانه وزهده، أو أنه كان ينظر إلى الأمور بمنظار شامل، وكان يريد الخير والعلم للجميع ولهذا فهو يسمح لمن حضر درسه بأن يستمع إليه ولو كان غير مسلم، وفي دائرة المعارف الإسلامية أن هناك من يقول أن جابراً بن حيان ـ وهو من أشهر أصحاب الصادق (عليه السلام) ـ كان من الصابئة أيضاً.وكان الصابئة في درس الإمام مولعين بتحصيل العلم، وكانوا يبذلون قصارى جهدهم لاستيعاب الدروس وفهمها، وبهذا استطاعوا وضع أسس علمية ثقافية للصابئة، وبمقارنة ثقافة الصابئة قبل عهد الصادق (عليه السلام) وبعده نرى فرقاً شاسعاً كالفرق بين النور والظلمة.وكان الصابئة قبل الصادق (عليه السلام) فئة منطوية على نفسها، لا يعرف عناه شيء كثير كما أنهم هم أنفسهم لم يكونوا يعرفون الكثير ولم يكن علمهم يتجاوز علم البدوي من العرب، ولكن اشتهر بعد الصادق (عليه السلام) كثير منهم في ميادين الكيمياء والطب والنجوم، وأصبحوا أمة ذات ثقافة وشهرة. ويقع الباحث في دوريات المعارف والمعاجم على أسماء كثير منهم.وإلى الصادق (عليه السلام) يعزى الفضل في أن الصابئة الغارقة في الجهل والحرمان قد أصبحت طائفة متقدمة متمدنة اشتهر كثير من أبنائها في ميادين العلوم المتباينة، كما انتفع العالم بثقافتهم وعلمهم، وبفضل إشعاع مدرسة الصادق (عليه السلام) بقيت لهؤلاء القوم شخصيتهم الخاصة وكيانهم المستقل واشتهر بعضهم وذاع صيته، وما زال البعض منهم يعيش في المنطقة نفسها (حران)، وإن كان عددهم قد تواضع عما كان عليه قبلاً.وكما أسلفنا بيانه، هناك إجماع بين الشيخ أبي الحسن الخرقاني والزمخشري والعطار النيسابوري على أن جعفراً الصادق (عليه السلام) هو قدوة العرفاء في التاريخ الإسلامي، ولا غرو أن يذكروه بعظيم الإجلال والاحترام والود.والخرقاني عالم معدود مشهور من علماء التصوف والعرفان، وقد تناول في مباحثه أصول العرفان في الهند والشرق قبل الإسلام، ولكن غابت عنه معالم التصوف والعرفان في فارس قبل الإسلام إما لعدم إلمامه بمبادئ الزردشتية، أو لعدم توافر المراجع والمؤلفات الزردشتية لديه.وفي هذه الفترة، أي في النصف الثاني من القرن الرابع والنصف الأول من القرن الخامس الهجريين، كانت اللغة البهلوية شائعة، في كل مكان، وكان الخرقاني مطلعاً على مبادئ اليهودية والمسيحية.وبفضل البحوث التي أجرتها نخبة من المستشرقين الفرنسيين من القرن السابع عشر الميلادي وإلى يومنا هذا، وبفضل النصوص الهندية القديمة التي ترجمت إلى اللغات الحية، وأهمها كتاب (فيداس) المقدس، هان علينا أن نعرف عمق الصلة بين ثقافة الهند القديمة وثقافة فارس القديمة، كما عرفنا أن هذين البلدين كانا ينهلان من معين مشترك وأن التفكير الزردشتي قد تأثر بالفكر الهندي، ولا ريب في أن الزردشتيين قد استفادوا في آرائهم العرفانية والصوفية من عرفان الهنود وتصوفهم وتأثروا بهما أكثر مما تأثروا أو استفادوا من أي مصدر آخر.إن مذهب زردشت القائل بمبدأين(7)

هما مبدأ الخير ومبدأ الشر، يختلف اختلافاً جذرياً عن الهندوكية القائلة بالتثليث، فإن مذهب زردشت قد بنى تعاليمه على الثنائية، وكان يدين بأن العالم مبني على الأضداد وأن لكل شيء قطبين هما القطب المثبت والقطب المنفي.ولو أن الشيخ الخرقاني حالفه النجاح في التفرقة بين العرفان والتصوف في فارس والعرفان في مدرسة الإسكندرية، لأدرك أن العرفان عند زردشت نابع من ثنائية التفكير، في حين أن العرفان الذي أرسى الصادق (عليه السلام) معالمه وأوضح سبله في مدرسته هو عرفان توحيدي لا أثر للثنائية ولا للتثليث فيه، فعرفان الصادق (عليه السلام) هو أسمى ما وصل إليه الفكر البشري لبلوغ الصفاء والتكامل النفسي والروحي. وكان مذهبه من السمو والرفعة بحيث تقاصر عن فهمه وتحليله وتبنيه كثير من الناس سواء في عصره أو في العصور التي تلته عندما تشعب العرفان وأصبحت له مكاتب وفرق متعددة.تميز عرفان الصادق (عليه السلام) عند ظهوره بالتوحيد، وسيظل هذا ديدنه نابذاً الثنائية والتثليث، تاركاً العلو والسرف في تعريف صفات الخالق أو المخلوق كما حدث للعرفان الإسلامي أحياناً في أدوار متأخرة.وسنرى فيما بعد أن الغلو قد دفع ببعض المشايخ والعرفاء إلى الانحراف، ففاه بعضهم بعبارات وأقوال انبعثت منها الشرك والكفر، حتى انفض عنهم كثير من أنصارهم وأتباعهم، أو هم قد وقعوا في شطحات وطامات كبرى(8)
انتهت ببعضهم إلى القول: (سبحاني سبحاني ما أعظم شأني، ليس في جبتي سوى الله)(9)،
ولهذا رأينا أن العلامة الزمخشري ينفر منهم وينتقدهم ـ أي الطبقة المغاليةـ ولكن عرفان الصادق (عليه السلام) كان بعيداً عن المبالغات والترهات، وكان مبنياً على أساس توحيدي في تنزيه الخالق عن صفات المخلوق، والمخلوق عن الخالق، ولهذا تبعته الشيعة بأسرها وكثير من أهل السنة أيضاً.يرتكز العرفان عند الصادق (عليه السلام) على التوكل على الله تعالى وتنفيذ أحكامه وأوامره، والامتثال لنواهيه دون إهمال شؤون الدنيا أو تركها لئلا تضطرب الحياة اليومية وتفقد صفاءها وسعادتها، فهو لا يوصي بترك الدنيا للوصول إلى السعادة بل يرى أن السعادة هي في التوكل على الله والتقوى، وتقبل حظوظ الدنيا المشروعة(10)
وليس في عرفان الصادق (عليه السلام) كلام عن وصول المعارف إلى الله وهو التفكير الأساسي الذي دان به كثير من الصوفية والعرفاء في القرون التي تعاقبت بعد عصر الصادق (عليه السلام) فالوصول إلى الله عند الصادق (عليه السلام) يطابق تماماً ما صوره القرآن الكريم أي أن الإنسان هو صنيع الله ومخلوقه وهو منه وإليه يرجع. وليس معنى هذا أن الإنسان يلتحق بالذات الإلهية ويصبح جزءاً منها، ولكن معناه أن الإنسان مخلوق ومصنوع ويظل هذا وضعه دائماً ويستحيل عليه أن يكون خالقاً، ومتى مات رجع إلى الله وبرجوعه إليه تعالى يكون شديد القرب من الخالق.على أن التفكير العرفاني انجرف عن هذا الاتجاه بعد الصادق (عليه السلام)، وفسر العرفاء الآية القرآنية (إنا لله وإنا إليه راجعون) بمعنى أن الإنسان سيلحق بربه بعد موته، وقالوا لا يلحق الإنسان به سبحانه وتعالى في حياته؟ وانطلقوا من هذه العقيدة يقولون أن الإنسان في مذهبهم يلتحق بعد موته بالقدرة الأزلية الأبدية، فيبقى حياً، ويشاهد الأمور الجارية في الدنيا، ويرى أهله وأصحابه، وتكون له قدرة على مساعدتهم في حل مشكلاتهم(11)

ولا يقتصر الاعتقاد بحياة الإنسان بعد الموت على المسلمين وحدهم، وإنما ذهبت إلى هذا الاعتقاد الأديان السابقة على الإسلام. وإذا استثنينا المانوية والباطنية، لم نجد في الأديان القديمة كلها ما يقول بعدم وجود حياة بعد الموت، فحتى الأديان الهندية والبوذية التي تحرق جسد الميت، تؤمن بأن هناك عالماً آخر بعد الموت سيبقى فيه الإنسان حياً. أما المانوية والباطنية فلا تؤمنان بيوم المعاد على هذه الصورة، وإن كان دعاة الباطنية تبينوا بعد وفاة حسن الصباح أن الإيمان بالمعاد وفكرة العقاب يلعبان دوراً كبيراً في نهي الإنسان عن ارتكاب المعصية وإتيان السيئ من الأعمال، وعلى هذا شرعوا ينادون بصورة ما من صور يوم المعاد.وفي بعض الأديان الأخرى كالأديان التي كانت سائدة في مصر القديمة، ارتبطت فكرة الثواب والعقاب بحياة الإنسان في هذا العالم، أي أن الإنسان بمجرد موته يكون قد نال ثوابه أو عقابه.ولكن من عقائد بعض الأديان الأخرى أن الثواب والعقاب يجيئان بعد الموت بفترة، فيجوز إذن القول بأن فكرة المعاد واردة على نحو أو آخر في معظم الأديان باعتبارها عنصراً أساسياً فعالاً في نهي الإنسان عن الخطأ أو اقتراف المعاصي وفي القيام بدور الوازع الداخلي الأمين الذي يكبح جماع الإنسان.وللدكتور (لاي وينك أستون)، الذي كان أول من اكتشف منابع النيل في أفريقيا السوداء في القرن التاسع عشر، مذكرات نفسية عن رحلاته في أواسط أفريقيا، وقد أهداها إلى الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية، وقد ذكر أستون في هذه المذكرات أنه لاحظ طوال مدة إقامته بين مختلف القبائل الإفريقية أن هذه القبائل تؤمن بحياة أجدادها، وفي رأي بعضها أن الآباء المتوفين يتمتعون بمقدرة خاصة في التأثير في حياة الأحياء من الأبناء وسواهم، كما لاحظ أن السحرة في أفريقيا كانوا يصورون لأهل الميت صورة واضحة لتفكيره وإرادته.وذهب البعض إلى القول بأن عقيدة المعاد أو الحياة بعد الموت هي من العقائد الفطرية لدى البشر، وأنها وجدت مع الإنسان من أقدم العصور وفي جميع الأديان السماوية. صحيح أن هذه العقيدة ليست من أصول البيولوجيا أو وظائف الأعضاء كالجوع أو العطش، فيحس بها الإنسان بحكم طبيعته المادية، ولكنها قد لازمت المجتمع الإنساني عامة في أدواره المختلفة حتى ليمكن القول بأن الفكرة لم تنفصل عن الإنسان الاجتماعي، فإن فقدها إنسان كان كمن فقد الحياة في المجتمع البشري بغض النظر عن مستواه.وتستند فكرة المعاد عند جميع المذاهب إلى الاعتقاد بأن هناك حياة ثانية بعد الموت، وقد لعبت هذه العقيدة الفطرية دوراً هاماً في نفس الإنسان فكانت وازعاً داخلياً أو شرطياً سرياً ينهاه عن اقتراف السيئات.كان السارق في مصر القديمة يعاقب حسب القوانين السارية، أما في العالم الغربي(12)

أي العالم الثاني، فكان يبقى في الظلام دون أن يستضئ بنور الشمس أو بالمصابيح.وعند زردشت أن الإنسان في عالم الآخرة يمر على جسر (جنوند) (Chanvand)، فإن كان مرتكباً للمعاصي في هذه الدنيا، تعذر عليه اجتياز الجسر وسقط(13)
ثم إن المكاتب العرفانية في المشرق استفادت من عقيدة المعاد عند المسلمين فأوجدت هذه العقيدة أرضية صالحة للتربية النفسية عند العرفاء، لأن الحياة الأفضل بعد الموت تتوقف على سيرة الإنسان في هذه الدنيا(14) .
بل إن العرفاء من نهاية القرن الثاني الهجري تجاوزوا هذا الحد، وذهبوا إلى القول بأن في وسع الإنسان بسلوكه وعرفانه أن يصل إلى أعلى المراتب والدرجات في هذه الدنيا، وكانت الفكرة قائمة على فكرة المعاد، إذ أن من رأيهم أن الموت هو مجرد تغيير للمجلس، وأن الحياة مستمرة بعد الموت، فإذا كانت الحياة مستمرة، فلم لا يرتقي الإنسان إلى أعلى مراتب الكمال والوجود في هذه الدنيا، مترقباً بلوغ هذه المراتب بعد الموت؟ فأصبح الهدف الأساسي عند كثير من العرفاء هو الوصول إلى الملكوت الأعلى أو إلى المراتب الإلهية، أو إن شئت فقل المكانة الإلهية.ولكن الصادق (عليه السلام) لم يقل أن الإنسان سيصل إلى مرتبة الإله في هذه الدنيا أو في غيرها، وكان في تفكيره هذا مستند إلى أصلين:أولهما، الاعتقاد بحياة الإنسان بعد الموت.ثانيهما، اشتراك الوجود لا وحدة الوجود.ونظرية وحدة الوجود التي تعتبر أهم عنصر وأقوى أساس يستند إليه التفكير العرفاني والصوفي لها جذورها في الشرق، وتنبع من عرفان الهند وفارس، ومنهما انتقلت إلى أوربا بعدئذ، ولكن جعفراً الصادق (عليه السلام) لم يقل بوحدة الوجود أبداً، وكان يرى أن الإنسان المخلوق، هو شيء، والخالق (الله سبحانه) شيء آخر. أما القائلون بوحدة الوجود فلم يعينوا حداً فاصلاً بين وجود الإنسان وغيره من الموجودات وبين وجود الله، وفي زعمهم أن الوجود يشبه الشمس التي أطلقت ضوءها من خلال زجاج ملون فانعكس بألوان شتى، فلئن اختلفت ألوان ضوء الشمس، فكلها صادرة من منبع واحد، وفي زعمهم أيضاً أن الموت لا يعدو أن يكون رجعة إلى الأصل، كماء المطر أو قطر الندى إذ يلتحق بالبحر، وهو منه.




1 - فريد الدين محمد العطار النيسابوري الذي اشتهر بالشيخ فريد الدين ولد سنة 540 هجرية واستشهد في هجوم المغول على نيسابور سنة 618ه. وهو من أشهر شعراء الصوفية والعرفاء في تاريخ إيران. له من المؤلفات: منطق الطير، وإلهي نامه، وأسرار نامه وغيرها من الدواوين. وكتابه (تذكرة الأنبياء) ألفه في تاريخ العرفاء والصوفية العظام، وهو من أشهر الكتب وأقدمها في هذا الميدان. (المترجم).
2 - أصل الحديث بيت شعر بالفارسية هو: بشوي أوراق أكر همدرس مائي.. كه درس عشق در دفتر نباشد.
3 - هو الإمام جار الله محمود بن عمر أبو القاسم الزمخشري، ولد في زمخشر عام 467 وتوفي 538 هـ (1144 م)، وهو إمام عصره في اللغة والنحو والبيان والتفسير، سموه جار الله لأنه جاوره بمكة. كان معتزلي الاعتقاد، ومن مؤلفاته: المفصل في النحو، والكشاف عن حقائق التنزيل في التفسير وقد عرف به فهو صاحب الكشاف وكفى، والفائق في غريب الحديث، وأساس البلاغة في اللغة، وأطواق الذهب، ونوابغ الكلم، وربيع الأبرار في التراجم.
4 - الصابئة ملة تؤله الكواكب، ومنهم من يرى نفسه موصوفاً في القرآن بالصابئة.
5 - الأصل الفرنسي Encyclopaedia Islamica
.6 - الشيخ أبو الحسن الخرقاني من أئمة العرفاء والصوفية، ولد سنة 352 للهجرية في قرية خرقان من توابع بسطام، وأخذ العلم والتصوف والسلسلة من الشيخ ابن العباس أحمد بن محمد القصاب الأملي. توفي بخرقان ودفن بها سنة 425 للهجرة.
7 - في رأي البعض أن الزردشتية وثنيون لقولهم بمبدأ الخير والشر. والشيطان في عرفهم (واسمه أهريمن) يمثل مبدأ الشر، وينبغي على الناس اجتناب وساوسه واندفاعاته، فالخوف من الشيطان (أهريمن) أو اتقاء شره ليس دليلاً على أن الزردشت جعلوا منه إلهاً ثانياً أو نسبوا إليه القدرة في التصرف في هذا الكون وفي تاريخ الفتوحات الإسلامية أن المسلمين عدوا الزردشتية من أهل الكتاب وفرضوا عليهم الجزية وتركوهم على حريتهم الدينية.
8 - جمعت هذه الكلمات والمصطلحات في كتاب ب (شطحات الصوفية).
9 - ينسب هذا الكلام وغيره من هذا القبيل إلى بايزيد البسطامي.
10 - وكان هذا منهج الأئمة قبله، فقد ذكر الإمام محمد عبده في شرحه على نهج البلاغة: إن علاء بن زياد الحارثي ـ وهو من أغنياء البصرة ـ جاء إلى علي بن أبي طالب عليه السلام يشكو أخاه عاصماً ابن زياد:فقال علي (عليه السلام): وما له؟ قال: لبس العباءة وتخلى عن الدنيا. قال علي (عليه السلام): علي به، علي به، فلما جاء به قال له: يا عدي نفسه. (عدي تصغير عدو) لقد استهام بك الخبيث، أما رحمت أهلك وولدك، أترى الله أحل لك الطيبات، وهو يكره أن تأخذها، أنت أهون على الله من ذلك. قال: يا أمير المؤمنين، هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك؟ قال: ويحك إني لست كأنت، إن الله تعالى فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقيره (يقدروا: أي يقيسوا ولا يتبيغ أي لا يهيج). راجع (نهج البلاغة) شرح الإمام محمد عبده، ج3 ص400ـ 401، طبع دار الأندلس بيروت لبنان.
11 - كان من المفروض أن يورد مصدر هذا الكلام، فهو ليس عقيدة لكل صوفي أو عارف.
12 - في مصر القديمة، كانت المدن مبنية على ضفاف النيل، والمقابر في الضفة الغربية من النيل، فإن أرادوا الحديث عن الآخرة، أشاروا إلى الجانب الغربي للنيل.
13 - عند المسلمين الصراط الممدود بين الجنة وبين النار.
14 ـ باعتبار أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأنه (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراَ يره

علي العذاري
07-26-2012, 12:52 PM
خطط الإمام الصادق (عليه السلام) لإنقاذ (الشيعة)


1ـ النهي عن المغالاة وتأليه العباد



اتخذ الإمام الصادق (عليه السلام) خطوات هامة ليحول دون انحراف الشيعة وسقوطها، وتمثلت الخطوة الأولى في منع تلامذته وأتباعه من المغالاة في حق الأئمة.
وفكرة التأليه أو المغالاة في حق الإمام تسربت إلى الشيعة من وقت سابق على عهد الصادق (عليه السلام)، وكان البعض يرى بأن في الرسول (صلى الله عليه وآله) وعلي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد الباقر (عليهم السلام) وأئمة الشيعة عنصراً ملكوتياً يميزهم عن سائر البشر تمييزاً جوهرياً، وبعبارة أخرى، كانوا يرون في الأئمة عنصرين أو وجودين، الوجود البشري والوجود الإلهي، وقالوا بأن النبي والأئمة تختلف عن سائر البشر.
وكان جعفر الصادق (عليه السلام) يدحض هذه الفكرة ويعارضها منذ ما بدأ بالإفادة والتدريس، وكفر القائلين بها مؤكداً (إن جدي وآبائي خلقوا كغيرهم من الناس، وأن القرآن يقول عن رسوله (قل إنما أنا بشر مثلكم)(1)
وكان الصادق (عليه السلام) يرى بأن هذه العقيدة خطيرة، وأنها تعارض فكرة التوحيد في الإسلام، وأنها ستقضي في آخر الأمر إلى انقسام الشيعة على نفسها وضعفها وزوالها(2).
ولعله كان يعرف ما أصاب المسيحية من شقاق وفتن بسبب فكرة تأليه المسيح، وأنها انقسمت على نفسها وأصبحت عشرين مذهباً أو كنيسة، وكانت الأرثوذكسية أول مذهب مسيحي أسس لنفسه كنيسة في أنطاكية، وانقسمت الأرثوذكسية فيما بعد على نفسها إلى مذاهب وكنائس أخرى، فتأسست كنيسة في أورشليم (القدس) وأخرى في الإسكندرية، وتزعمت كل منهما مذاهب وكنائس أخرى.
كانت أنطاكية في القرن الثاني الميلادي عاصمة المسيحية تتبعها إحدى عشرة مملكة من مصر إلى إيران، وكان مائة وخمسون أسقفاً ينتمون إلى أنطاكية يبشرون بالمسيحية في المنطقة، وكانت ظاهرة الخلاف قد دبت بين الأساقفة بسبب اختلاف القول والرأي في مدى مرتبة الألوهية عند السيد المسيح (عليه السلام).
واليوم وقد مر ثمانية عشر قرناً من هذه الحقبة الزمنية، ونحن في نهاية القرن العشرين، وعدد الكنائس في المذهب الأرثوذكسي، وهو أول المذاهب المسيحية، يتجاوز العشرين وأهمها:
كنيسة أنطاكية، وكنيسة أورشليم، وكنيسة الإسكندرية أو الأقباط، وكنيسة روسية، وكنيسة أوكرانيا (في روسية)، وكنيسة اسطنبول، والكنيسة اليونانية، وكنيسة مونتيجرو (في يوغسلافيا)، وكنيسة البوسنة والهرسك (في يوغسلافيا)، وكنيسة بلاد الصرب (في يوغسلافيا) وكنيسة دالماسيا (في يوغسلافيا)، وكنيسة بلغاريا، وكنيسة رومانيا، وكنيسة بسارابي (في رومانيا)، وكنيسة ألبانيا، وكنيسة أستونيا، وكنيسة فنلندا، وكنيسة بولونيا، وكنيسة تشكوسلوفاكيا، والكنيسة الأرمنية.
لم نورد في هذه القائمة الكنائس الأرثوذكسية في أمريكا لأنها تفرعت وتشعبت من الكنائس الأرثوذكسية الروسية أو اليونانية أو البولونية وغيرها.
والخلاف كبير والفرق شاسع بين كل هذه الكنائس مع أنها أرثوذكسية، والخلاف نابع حول الاعتقاد بالمسيح، وأي جزء منه هو عنصر إلهي وأي جزء منه هو عنصر بشري، وهل العنصر الإلهي مركب مع عنصره البشري أو أنهما مختلطان، وهل يمكن فصل العنصر الإلهي عن العنصر البشري أو أنهما اختلطا كاختلاط الماء والخل، ولا سبيل إلى تجزئتهما وتفكيكهما، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف رفع المسيح إلى السماء والتحق بربه، وعن المعراج كان مع جزئه وعنصره البشري؟ وكيف للعنصر الأرضي (البشري) أن يرقى ويرتفع إلى العليين ويلتحق بالرب؟
نعم، كانت فكرة التأليه منذ القرن الأول الميلادي، وبقيت إلى يومنا هذا، سبب الخلاف والنقاش بين المسيحيين، فأدت إلى قيام مذاهب جديدة ضمن المذاهب الرئيسية الثلاثة وهي الأرثوذكسية، والكاثوليكية، والبروتستانتية.
كان الصادق (عليه السلام) علامة عصره وخبير دهره، وكان على إلمام تام بالإضافة إلى العلوم التي تدوولت في مدرسته، بتاريخ المسيحية ومبادئها ومواطن الخلاف بين أتباعها، واليوم، وفي عصرنا هذا، لا يسع أحداً بمفرده الوقوف على تاريخ جميع المذاهب المسيحية، فهي كعلم الطب الذي توسع وتشعب حتى لم يعد في وسع طبيب واحد أن يلم في عصره بجميع شعب الطب ويتخصص فيها.
ومن العلماء الذين تخصصوا في تاريخ الأديان (دانيس روبز) الفرنسي المتوفي سنة 1967، وقد كتب عن المسيحية أدق الكتب وأجمعها، ووقف حياته بأسرها على الموضوع فأخرج: (المسيح وعصره)، و(المسيحيون الأولون)، وكان متخصصاً في الجانب التاريخي من الموضوع دون سواه من الجوانب.
ولكن يبدو في عصر الصادق (عليه السلام) أن الاضطلاع بمعرفة تاريخ المسيحية كان أيسر، لأنها لم تكن قد تفرقت وتشعبت بصورتها الحالية، وليس ثمة ريب في أن الصادق (عليه السلام) كان من القلائل، إن لم يكن وحيد عصره، الذي ألم إلماماً تاماً بالمسيحية، تاريخها ومذاهبها، ومن هنا اجتهد في منع الشيعة من التورط فيما تورطت فيه المسيحية من حيث مغالاتها في خصوص المسيح حتى لا تقع فريسة لانقسامات خطيرة تنتهي بالقضاء عليها في آخر الأمر(3).
فوقف بجد وحزم، وتصدى لمن كان يغالي في حق الإمام أو الرسول، ونفى نفياً باتاً أن يكون في الرسول (صلى الله عليه وآله) أو الإمام عنصر إلهي، وكان يقول أن الرسول والأئمة من ولده بشر مثل غيرهم، وإنما الرسول (صلى الله عليه وآله) يتميز عن الخلق بأن الله اختاره ليكون حاملاً للوحي ومبلغاً الرسالة، والأئمة أوصياؤه، وهم عباد لله مخلصون، ومن قال بوجود عنصر إلهي في الرسول (صلى الله عليه وآله) أو الأئمة واعتقد بذلك، فكأنه قد أشرك مع الله إلهاً آخر، فهو مشرك ونجس، فإن كان كلامه هذا مون اعتقاد وإيمان بذلك، وجب نهيه وردعه حتى لا ينحرف أحد أو يقع خلاف بين المسلمين.



2ـ النهي عن المجابهة والخلاف والعزلة عن الناس



الظاهرة الثانية من التفرقة والخلاف في المذاهب المسيحية، التي نتجت عن الناسوت واللاهوت(4) هي وضعية الصوامع في جبل آتوس الواقع في اليونان.
ففي ولاية سلانيك اليونانية في الجانب الشرقي منها تقع ثلاث جزر: أولها شبه جزيرة أو جبل آتوس، وقد بنيت عليه عشرون صومعة من الدرجة الأولى واثنتا عشرة صومعة من الدرجة الثانية، ومائتان وأربع من الدرجة الثالثة، وأربع مائة وخمس وستون من الدرجة الرابعة(5).
وكان جبل آتوس من أقدم الأزمنة في تاريخ المسيحية مأمناً للرهبان الأرثوذكس، ولمن طاوعته نفسه على الاعتكاف وترك الحياة الاجتماعية.
وصوامع جبل آتوس كلها أرثوذكسية، وقد عني بها كثير من ملوك المسيحيين وأثريائهم، ووقفوا عليها الأملاك والأموال، ولكنها خسرت خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية كثيراً من موقوفاتها لأن معظم هذه الموقوفات كان في دول أوروبا الشرقية، وسكانها في غالبيتهم من المسيحيين الأرثوذكس.
وفي روسيا صادرت الحكومة موقوفات صوامع (آتوس) بعد الحرب العالمية الأولى وإقامة النظام الشيوعي فيها، فلم تبق لهذه الصوامع إلا الموقوفات الواقعة في اليونان وتركيا وقسم من أوروبا.
ومع كل ما فقدته صوامع آتوس من موقوفاتها في روسيا، فقد كانت تتمتع بوضع مالي مستقر متين، إذ ظل خمسة عشر ألف راهب معتكفين فيها، وكان يخدمهم ألف وسبعمائة شخص من غير الرهبان، يخيطون لهم الملابس ويصنعون الأحذية ويطبخون ويعدون الموائد. واليوم قل عدد الرهبان في صوامع آتوس، ولم يبق فيها إلا القليل.
وكان من خصائص صوامع آتوس أنها بقيت محصورة على الناس وخاصة المرأة سواء أكانت شابة أم عجوزاً مهما تذرعت بالذرائع.
وإذا حضرت الوفاة أحد الرهبان، لم يسمح لوالدته بأن تودعه الوداع الأخير داخل الصومعة، ولكن كان يسمح لها بحضور الجنازة ومراسم الدفن خارج الصومعة.
وإلى قبيل الحرب العالمية الثانية، كانت الحياة في صوامع آتوس شبيهة إلى حد ما بحياة القرون المسيحية الأولى، ولكن تبدل الحال بعد دخول الكهرباء إلى الصوامع وإن بقي الرهبان في صوامع آتوس بعد انقضاء عشرين قرناً من ميلاد المسيح لا يهتمون بمجريات الأحداث خارج هذه الصوامع، ولا يقتنون أجهزة الراديو أو التليفزيون.
قلنا أن صوامع الدرجة الأولى في هذا الجبل عددها عشرون صومعة، سبع عشرة منها تابعة للروم الأرثوذكس، أي لمذهب ديني واحد. ومع ذلك فلم تستطع تحقيق اتحاد أو اندماج في ما بينها بسبب الخلاف الناشب حول الناسوت واللاهوت، بل أن من المستحيل أن تجد صومعتين يونانيتين تتفقان في الرأي حول ناسوت المسيح ولاهوته، أي عنصره البشري وعنصره الإلهي.
ويلاحظ هذا الخلاف نفسه في صوامع الدرجة الثانية وعددها اثنتا عشرة صومعة، ولأن هذه الصوامع ظلت منطوية على نفسها ومنقطعة عن العالم الخارجي طول أربعة عشر قرناً، فقد أجرت التلفزة الفرنسية أخيراً مسابقة حول المعلومات العامة شارك فيها عدد من العلماء، فلم يستطع أحد منهم أن يسمي خمساً من صوامع آتوس، فكيف بأسماء جميع صوامع الدرجة الأولى والثانية.
وقد بنيت أول صومعة أرثوذكسية في القرن السادس الميلادي في جبل آتوس، وكانت تابعة للروم الأرثوذكس، وكان اختيار جبل آتوس لأسباب منها أنه بعيد عن العمران، وأنه جبل صخري شديد الانحدار يشرف على البحر فاختير لأنه أليق مكان لمن يريد الانقطاع عن الناس والمجتمع. ثم بنيت صوامع أخرى بعضها حول بعض للمسيحيين الأرثوذكس وكانت الصومعة العشرون من الطبقة الأولى للأرثوذكس الروس وبنيت في القرن الثامن عشر الميلادي.
واليوم، وبعد انقضاء أربعة عشر قرناً على تأسيس أول الصوامع في آتوس، لم تنته الخلافات حول الناسوت واللاهوت، بل لعلها قد زادت.
وقد روي أن السلطان محمد الملقب بالفاتح عندما حاصر القسطنطينية، لم يستنجد به أحد من الرهبان لإنقاذ الكنيسة، بل أن الرهبان لم يجتمعوا حتى ولا مرة واحدة للدفاع عن عاصمة البيزنطيين (رومية الصغرى) فيما انصبت اجتماعاتهم على مناقشة اللاهوت والناسوت.
وكل الخلافات التي دارت بين المسيحيين في صوامع آتوس، كان محورها الخلاف حول الناسوت واللاهوت.
وهناك أمرا آخر أيضاً دفع بالإمام الصادق (عليه السلام) إلى اتخاذ موقف واضح حازم للحيلولة دون سقوط الشيعة وزوالها، ألا وهو موضوع العزلة عن المجتمع أو حياة الرهبانية، وقد ظهر لدى المسلمين منذ القرن الثاني الهجري ميل إلى الاعتكاف عن الدنيا والزهد في ملذاتها، وظهرت فرق كثيرة عند المسلمين يدعو بعضها إلى الرهبانية، وترك الدنيا، وكانوا يختلفون حول ما الذي يتعين على العارف أو الزاهد أن يفعله، فمنهم من قال أن الصلاة هي أفضل عبادة للمعتكف، ومنهم من قال بالصوم لما فيه من حرمان النفس عما تشتهيه، ومنهم من رأى للمعتكف أو المتعبد أن يفكر في الله، ومنهم من قال (الذكر) أي أن يذكر الله.
ولم تهتم الفرق الصوفية التي حبذت الاعتكاف والزهد بأمور المعيشة الخاصة بأتباعها.
والشيعة بدورها اندفعت في هذا الاتجاه، أي الزهد أو الاعتكاف، وكان من أهم الأسباب في هذا عداء الحكام للأئمة وأتباعهم وشيعتهم وملاحقتهم لهم.
وكان موقف الصادق (عليه السلام) من هذه الظاهرة واضحاً وحازماً، إذ نهى عن العزلة وترك الحياة الاجتماعية نهياً باتاً، كما نهى كذلك عن تأليه الرسول (صلى الله عليه وآله) أو الأئمة (عليه السلام) أو الشطط في تقديرهم. وكان بنو أمية ومن بعدهم العباسيون يتطيرون من حركات الشيعة وتطلعاتهم، فجنحت الدولة إلى تحبيذ انزوائهم واعتكافهم اعتقاداً منها بأن انطوائهم على ذواتهم يمنع الناس من الاتصال بهم، فيخفت صوتهم وتنسى دعوتهم.
وكان الصادق (عليه السلام) يرى هذه المخاطر جميعاً، بل لقد رأى بنفسه كيف عاداه الأمويون هم والعباسيون من بعدهم الذين ساروا على نفس النهج بل أشده وكان يردد: لا رهبانية في الإسلام. وهو نفسه كان يعمل في مزرعة له بالمدينة(6) وكان جاهداً في منع هذه التيار تفادياً لانهيار الشيعة وزوالها.
وقد تعلم تلامذة الصادق (عليه السلام) في مدرسته عن تاريخ المسيحية مسألة عامة أخرى، فقد قال لهم الصادق (عليه السلام) إن القس (نسطوريوس) الذي عاش قبل نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) بمائة وثلاث وتسعين سنة (أي في سنة 429م) فيالقسطنطينية ساق رأياً عن وجود المسيح (عليه السلام) يختلف عن الآراء السابقة، فأحدث شقاقاً وخلافاً بين المسيحيين. فقد ذهب نسطوريوس إلى أن للمسيح (عليه السلام) الماهية والفطرة البشرية ككل إنسان، وليس في وجوده أي عنصر إلهي، ولكن الله ينزل ويقيم فيه كما ينزل المسافر ويقيم في محط سفره، أو كما يزور المؤمن الكنيسة ثم يذهب عنها.
وبعدما شاعت هذه النظرية في القسطنطينية والمنطقة، ثارت عليها المذاهب المسيحية القائلة بأن لله حلولاً في جسد المسيح (عليه السلام)، وإن فيه عنصراً إلهياً، ونقموا على (نسطوريوس) واتهموه بالزندقة والكفر وحكموا عليه بالقتل.
ومع ذلك شاعت نظرية نسطوريوس حول المسيح (عليه السلام)، وانتشرت في كل مكان، وهي النظرية القائلة إن للمسيح ماهية البشر، وإن الله أشرق في جسده بوجوده وأنواره.
وحمل هذا المذهب اسم نسطوريوس، فصار يعرف بمذهب النساطرة، وكانت المذاهب الأخرى، ما اعتقد منها بحلول الله في جسد المسيح، وما اعتقد بأن قوام المسيح عنصران أحدهما بشري والآخر إلهي، ترى في النسطورية هرطقة وكفراً.
وكان الصادق (عليه السلام) يقول لتلاميذه إن المسيحيين في الحبشة يعتقدون بأن المسيح والله متحدان، وأن العنصر البشري في المسيح قد ذاب وفني في الله. وهم يشبهون ذلك بقطرة الماء إذ تذوب في البحر، أو بذرة الشمع إذ تنصهر في النار الحامية الموقدة.
ومن العادات المسيحية الأخرى التي انتقلت إلى المسلمين الرهبانية والنسك، أي اعتزال الدنيا بعيداً عن الجماعة والأسرة، وذهب بعض المسلمين إلى حد الامتناع عن الزواج وعن الملذات المشروعة اقتداءً بالرهبان، قائلين إن هذا ادعى إلى التزكية وطاعة الله.
وكان أول اتصال تم بين المسلمين والمسيحيين هو اتصالهم بأتباع المذهب الأرثوذكسي، لا الكاثوليكي ولا سواه. فلما اتصلوا بالمذاهب الأخرى، ولا سيما الكثلكة، وجدوا أن القساوسة من كاثوليك ولاتين يأبون الزواج، سواء عملوا في الكنيسة أو اختاروا الرهبنة والإقامة في الأديرة والصوامع، في حين أن قساوسة الأرثوذكس في أنطاكية كانوا يجيزون الزواج.
وظهرت هذه العادة عند بعض الزهاد والمنشقين من المسلمين، فنهاهم الصادق (عليه السلام) عنها، وأمر أتباعه وتلامذته باتباع السنة الإسلامية في الزواج، قائلاً إن الامتناع عن الزواج ينافي سنة الله التي خلق الناس عليها، كما أنه يضر بالمسلم معنوياً وجسدياً، ثم إن العزلة والزهد في حياة الجماعة تنتهي بإقلال عدد المسلمين، في حين أن الكفار يتزايد عددهم يوماً بعد يوم بسبب تزاوجهم، فعلى المسلم أن يتزوج، وأن يستزيد من الأولاد ليكثر عدد المسلمين.
نهى الصادق (عليه السلام) عن العزلة والزهد، فكان مصير هذه العادة الزوال بعدما شاع أمرها بين المسلمين، وإن كانت قد عاودت الظهور في القرنين الثالث والرابع الهجريين عند بعض العرفاء والصوفية، وأسماء المرموقين منهم معروفة مشهورة.
وإلى القرن التاسع عشر الميلادي لم يكن أحد يعرف الحكمة الصحية الكامنة وراء نهي الإمام الصادق (عليه السلام) عن العزلة والزهد، إذ كان الاعتقاد السائد في ذلك الوقت أن النهي مقصود لدفع الأضرار المعنوية للعزلة، أو لأنها تخالف الشريعة الإسلامية، أما الجانب الصحي لنهي الإمام فقد كان خافياً، حتى أثبت الطب الحديث في القرن التاسع عشر أن الامتناع عن الزواج يؤدي إلى خلل شديد في الجهاز العصبي للإنسان رجلاً كان أو امرأة كما يسبب مضاعفات أخرى في الغدد الداخلية وفي وظائف الجوارح والأعضاء.



1 - الآية 110 من سورة الكهف.
2 - ظهرت فرقة دينية في الكوفة أيام خالد القسري، انشقت على زيد بن علي ابن الحسين (عليه السلام)، وأخذت تدعو إلى الإمام محمد الباقر (عليه السلام) وبعده إلى ابنه جعفر الصادق (عليه السلام) علىأنهما الإمامان. وكانت دعوتها هذه يعتريها شيء من الغموض وتثير الشبهة. فقد جاء في تاريخ الطبري ما يلي: (خرج مغيرة بن سعيد الرجل العجوز، وكان يقال إنه ساحر، ومعه سبعة من الموالي، ينادون ويصيحون: لبيك جعفر. وذلك في أيام خالد القسري، فأمر لهم، فلما أتى بهم موثقين إليه أمر بإحراقهم بطريقة هي الغاية في القسوة (الطبري: ج2 ص1620) وجاء في الأغاني: إن بعض مجانين الشيعة ثاروا في ولاية خالد القسري، وكانوا يصيحون: (لبيك جعفر) (الأغاني ج15 ص121 ج19 ص58). ومهما تكن أسباب هذه الصيحة أو دواعيها، فهي تتضمن تأليه الإمام، وهو كفر وشرك. وكان موقف الإمام صارماً وصريحاً في هذا الأمر. عن زيد النرسي قال: لما ظهر أبو الخطاب بالكوفة وادعى في أبي عبد الله (عليه السلام) ما ادعاه، دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) ومعي عبيدة بن زرارة، فقلت له: جعلت فداك، لقد ادعى أبو الخطاب وأصحابه فيك أمراً عظيماً، إنه لبى (بلبيك جعفر)، لبيك معراج. وزعم أصحابه أن أبا الخطاب أسرى به إليك، فلما هبط إلى الأرض دعا إليك، ولذا لبى بك. قال: فرأيت أبا عبد الله (عليه السلام) قد أرسل دمعته من حماليق عينيه وهو يقول: يا رب برئت إليك مما ادعى في الأجدع عبد بني أسد، خشع لك شعري وبشري، عبد لك ابن عبدك، خاضع ذليل، ثم أطرق ساعة في الأرض كأنه يناجي شيئاَ، ثم رفع رأسه وهو يقول: أجل أجل عبد خاضع خاشع ذليل لربه، صاغر راغم من ربه، خائف وجل، لي والله رب أعبده لا أشرك به شيئاَ، ما له أخزاه الله وأرغبه ولا آمن روعته يوم القيامة، ما كانت تلبية الأنبياء هكذا، ولا تلبيتي ولا تلبية الرسل، إنما لبيك بلبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، ثم قمنا من عنده فقال: يا زيد، إنما قلت لك هذا لأستقر في قبري يا زيد. (البحار ج47 ص378).
وحسب (الكافي): أرسل الإمام بمنشور إلى شيعته في العراق هذا نصه: عن اسحاق بن يعقوب قال: ورد التوقيع على يد محمد بن عثمان العمري: (وأما أبو الخطاب محمد بن أبي زينبة الأجدع ملعون وأصحابه ملعونون، فلا تجالس أهل مقالتهم، فإني منهم بريء، وآبائي منهم براء). (الكافي ص263ـ 264).
3 - يبدو أن قصة المغالاة في تعظيم الأئمة بين بعض الشيعة من العرب والموالي اتخذت أبعاداً أوسع وأخطر، ودفعت بالإمام الصادق (عليه السلام) إلى أن يتخذ موقفاً حازماً من هؤلاء المتطرفين والمغالين، وأن يوضح بكل صراحة ما للإمام وما عليه. جاء في (المناقب): عن المفضل بن عمر قال: كنت أنا وخالد الجوان ونجم الحطيم وسليمان بن خالد على باب الصادق (عليه السلام) فتكلمنا فيما يتكلم فيه أهل الغلو، فخرج علينا الصادق (عليه السلام) بلا حذاء ولا رداء وهو ينتفض ويقول: يا خالد يا مفضل يا سليمان يا نجم، لا (بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) (سورة الأنبياء الآية 27 كتاب المناقب ج3 ص347). وعن صالح بن سهل قال: كنت أقول في الصادق (عليه السلام) ما تقوله الغلاة، فنظر إلي فقال: ويحك يا صالح، أنا والله عبيد مخلوقون، لنا رب نعبده، وإن لم نعبده، عذبنا (المصدر السابق). والحديث الآتي يوضح مدى الغلو عند هؤلاء المتطرفين: عن أحمد بن محمد الأهوازي عن الحسين بن بردة عن جعفر بن بشير الخراز عن إسماعيل بن عبد العزيز قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا إسماعيل ضع لي في المتوضأ ماء. قال فقمت فوضعت له. فقال:
فدخل، قال: فقلت في نفسي أنا أقول فيه كذا وكذا ويدخل المتوضأ يتوضأ، قال: فلم يلبث أن خرج فقال: يا إسماعيل لا ترفع البناء فوق طاقته فينهدم، اجعلونا مخلوقين، وقولوا فينا ما شئتم، فلن تبلغوا. قال إسماعيل: وكنت أقول أنه وأقول وأقول.. (بصائر الدرجات ج5 الباب العاشر ص63 و بحار الأنوار ج47 ص68). وأضاف المجلسي (إنه) أي انه الرب تعالى عن ذلك، و(أقول وأقول معناه) (أني لم أرجع بعد عن هذا القول أو المعنى، وإني كنت مصراً على هذا القول). والحديث الآتي يبين أيضاً بكل وضوح مدى المغالاة، وكيف نهى الإمام الصادق (عليه السلام) عنها. روي عن الحسن بن سعيد عن عبد العزيز قال: كنت أقول بالربوبية فيهم. فدخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: يا عبد العزيز ضع ماء أتوضأ، ففعلت، فلما دخل يتوضأ قلت عند نفسي هذا الذي قلت فيه ما قلت يتوضأ؟ فلما خرج قال: يا عبد العزيز، لا تحمل على البناء فوق ما يطيق فيهدم، فو الله أنا عبيد مخلوقون (الخرائج والجرائح ص234). وعن سليمان بن خالد قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام وهو يكتب كتباً إلى بغداد وأنا أريد أن أودعه، فقال: تجيء إلى بغداد؟ قلت: بلى. قال: تعين مولاي هذا بدفع كتبه. ففكرت وأنا في صحن الدار أمشي، فقلت: هذا حجة الله على خلقه يكتب إلى أبي أيوب الجزري وفلان وفلان يسألهم حوائجه؟ فلما صرنا إلى باب الدار صاح بي، يا سليمان، ارجع أنت وحدك، فرجعت فقال: كتبت إليهم لأخبرهم أني عبد ولي إليهم حاجة (بحار الأنوار ج47 ص107).
4 - الناسوت: الفطرة أو الطبيعة البشرية. واللاهوت: العنصر الغيبي أو الإلهي.
5 - الصومعة وجمعها صوامع: الدير في الجبل أو المكان المرتفع يلجأ إليه الراهب للعبادة والانفراد. وقد انقسمت الصومعة عند الفرنسيين وفي فرنسا إلى درجات أو طبقات وهي الأولى: مانوستر (monastere) الثانية: كووان (couvent) الثالثة: اسكيت (squite) الرابعة: هرميتاج (hermitage) والصومعة يسكنها الراهب وهو الذي حرم على نفسه الزواج، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم: (ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها، ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون). (سورة الحديد الآية 27). وفي دائرة المعارف لمحمد فريد وجدي: الرهبنة ليست أصلاً من أصول المسيحية الأولى، ولم تنشأ إلا بعد القرن الثالث، لما ظهر الإمبراطور الروماني ديسيوس، واضطهد المسيحيين، واضطر بعضهم للهرب إلى الجبال والمكث بالصوامع. وفي دائرة المعارف الفرنسية (لاروس) عن القس تيرتوليان (160ـ 240م): إننا لسنا من البراهمة، ولا من معتزلة الهنود، فلا نعتزل الناس إلى الغابات، بل نساكنكم هذه الدنيا. وفي الوقت نفسه نشأ ميل في المسيحيين إلى حياة الاعتزال، ثم طرأت صنوف الاحشيشان والتقشف التي اختارها المسيحيون طلباً للزلفى من ربهم. واعتبروا الرهبانية حالة من الكمال الإنساني، فرفضوا الزواج والحياة البيتية حباً لله. ثم دارت الدائرة، ولم يرع الرهبان حق الرهبنة وفي القرن الحادي عشر كان الرهبان الشرقيون الذين آلوا على أنفسهم أن يعيشوا بلا زواج لا يجسرون على أن يدخلوا إلى بيوتهم الإناث من الحيوانات خشية أن يكون في ذلك خطر على أرواحهم، ومع هذا، لا يخفى اليوم أنهم لم يفوا بما
تعهدوا به من العفاف بين رجال الدين من الجنسين في القرون الوسطى. فقد قال (دوبوتر) بعد أن زار الأديرة في النمسا وفي الممالك الأخرى التابعة للملك فرديناند الأول سنة 1563م، إنه رأى مائة وعشرين ديراً تحتوي على 436 راهباً و160 راهبة و199 سرية و155 امرأة متزوجة و443 طفلاً. وقال إنه يخشى أن يتكلم عن راهبات زمانه لئلا يظن أنه يتكلم بإسهاب عن مجون محلات الفسق والعهر لبنات الهوى بدل أن يتكلم عن ديار الطهر التي تعيش فيهل العذارى الناذرات أنفسهن لعبادة الله. لأن الأديرة الدينية لم تعد معابد مخصصة لعبادة الله بل صارت بيوت دعارة للشبان الذين لا هم لهم إلا قضاء شهواتهم البهيمية. وقال: ليست هذه الأمور من الحالات الفردية ولا الخاصة بزمن دون زمن، ففي الأزمنة القديمة لام القديس (سيريابن) والقديس (بازيل) عذارى زمانهما اللاتي وقفن حياتهن لله على ما ظهر من عدم عفتهن. ورأى (جان كريزوستوم) أنه لا يكفي قتل الراهبة التي تفرط في عفتها بل ينبغي أن تشطر شطرين أو تدفن حية مع شريكها في الإثم. وقالت دائرة المعارف: أما الأديرة في القرنين السابع عشر والثامن عشر فلا يخفى ما هي عليه من قصور من الوجهة الأدبية. وتاريخ دير (دورياك) الذي تكلم عنه المسيو (دولور) في تاريخ باريس سنة 1822م يعطي فكرة عن الأديرة الفرنسية في القرن السادس عشر. وفي الآية الكريمة إشارة إلى هذه كلها: (فما رعوها حق رعايتها).
6 - في (الكافي) في باب (مكارم سيره ومحاسن أخلاقه) (عليه السلام) ثلاثة أحاديث تبين سيرة الإمام ومنهاجه في الحياة.
1ـ عن سهل عن الدهقان عن درست عن عبد الأعلى مولى آل سالم قال: استقبلت أبا عبد الله (عليه السلام) في بعض طرق المدينة في يوم صائف شديد الحر. فقلت: جعلت فداك. حالك عند الله عز وجل وقرابتك من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنت تجهد نفسك في مثل هذا اليوم؟ فقال: يا عبد الأعلى، خرجت في طلب الرزق لأستغني عن مثلك (الكافي ج5 ص74).
2 ـ عن أبي عمر الشيباني قال: رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) وبيده مسحاة وعليه إزار غليظ يعمل في حائط له، والعرق يتصاب عن ظهره فقلت: جعلت فداك، أعطني أكفك. فقال: إني أحب أن يتأذى الرجل بحر الشمس في طلب المعيشة (الكافي ج5 ص77).
3 ـ عن حماد بن عثمان قال: حضرت أبا عبد الله (عليه السلام) وقال له رجل: أصلحك الله، ذكرت أن علياً بن أبي طالب (عليه السلام) كان يلبس الخشن، يلبس القميص بأربعة دراهم وما أشبه ذلك، ونرى عليك التباس الجديد؟ فقال له: إن علياً بن أبي طالب (عليه السلام) كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر، ولو لبس اليوم مثل ذلك شهر به. فخير لباس كل زمان لباس أهله... (الكافي ج6 ص444 وبحار الأنوار ج47 ص55).

علي العذاري
07-26-2012, 12:55 PM
جعفر الصادق (عليه السلام) وانبعاث عصر التجديد في العلوم


رأينا في ما تقدم أن جعفراً الصادق (عليه السلام) انبرى وهو بعد تلميذ في مدرسة أبيه إلى انتقاد نظرية بطليموس الخاصة بدوران الشمس، وقال باستحالة دورانها في منطقة البروج وحول الأرض في وقت واحد، كما ذهب إلى ذلك بطليموس.
كان هذا وهو لم يزل تلميذاً في مدرسة الإمام الباقر (عليه السلام)، وسنرى في ما يلي كيف أن جعفراً الصادق تزعم مدرسة أبيه بعد وفاته، وأتى بآراء ونظريات جريئة جديدة، حتى ليصح لنا القول بأن الصادق (عليه السلام)، إن لم يكن هو الرائد المجدد في جميع العلوم فهو دون أدنى ريب في طليعة أولئك المجددين ولا سيما في علمي الهيئة والنجوم، وهما منطلق الإشعاع العلمي في أوروبا منذ سقوط القسطنطينية على يدي السلطان محمد الفاتح.
ومن المسلم به أن العالم الإسلامي كان سابقاً على أوروبا بكثير من التأهب لاستقبال النهضة العلمية والفكرية وأن الإسلام قد تقبل الحقائق العلمية برحابة صدر، وحث على طلب العلم من جميع مصادره، أما أوروبا فكانت منذ القرون الوسطى وإلى القرن السابع عشر الميلادي غير متأهبة لتقبل الحقائق العلمية وهضمها.
ومن الحقائق التي تعذر على أوربا هضمها حقيقة حركة الشمس ودوران الأرض حولها، ولم تعارض أوربا حقيقة علمية معارضتها لهذه الحقيقة، ولمسائل النجوم بصورة عامة.
ولو أن أحداً تحدث في أوربا عن الماء أو التراب أو النار بما يتعارض مع المعتقدات الدينية السائدة، لتعرض لأشد المخاطر، شأنه في ذلك شأن من يتحدث عن النجوم دون مراعاة للمعتقدات القائمة. وكان جزاء الواحد منهم الحكم بهرطقته ثم سجنه وقتله لاجترائه على الحقائق الدينية المسلم بها.
وهذا الموقف المتشدد أمام الأبحاث الفلكية في أوربا شبيه إلى حد كبير بمواقف اليونان والروم قديماً تجاه هذه المباحث.
فمع ما عرف عن اليونان من أنها عاصمة العلم قديماً، نرى (بلينوس)(1) المؤرخ يسجل ملاحظة هامة تدل على الاتجاه السائد في الوسط العلمي في اليونان قديماً، إذ قال كان انكساغوراس(2) اليوناني ماضياً في تدريس علم الفلك الفارسي، فاتهم بالخيانة لليونان ونفي منها.
ويبدو أن أقواماً كالإغريق وغيرهم كانوا يقفون مثل هذه المواقف المتشددة أمام الحقائق العلمية، لأن الناس كانوا يشاهدون حركات النجوم وتنقلاتها بأنفسهم فلا يخامر أحداً شك في أن ما يشاهده هو حقيقة واقعة.
وكان الشرق أو الغرب آنذاك يطلع بآراء في المسائل العلمية تناقض سنن الطبيعة ومن ذلك مثلاً موضوع (الحركة) و(الوجود)، وهو موضوع أثار خلافات وتناقضات كثيرة. فقالت جماعة بأن الحركة وجدت أولاً ووجد العالم بعدها، بينما رأت جماعة أخرى أن العامل خلق أولاً ثم جاءت الحركة في أثره.
وكذلك الشأن في موضوع الجسم والروح وأيهما سبق الآخر في الوجود، فقد اختلفت الآراء حول هذا الموضوع، وتناقضت أحياناً.
ولكن لم يتعرض أحد من أصحاب هذه النظريات المتعارضة للاتهام أو للرمي بالزندقة والكفر، لأن هذه الموضوعات لم تكن محسوسة ملموسة أو مرئية للناس.
فإن خالفت نظرية ما سنن الكون، لم يرم صاحبها بالكفر، أما إذا خالفت مبادئ الدين كالتوحيد أو النبوة، فالرمي بالزندقة هو المصير الحتمي.
وقد ذهب العالم والفيلسوف اليوناني (انكسيمانس) (الذي عاش في القرن السابع قبل الميلاد) إلى أن الكرة الشمسية عنصر مذاب، وإنها أكبر من الكرة الأرضية، ولكننا نراها صغيرة لبعدها عنا، ولولا ذلك لما أنارت الأرض كلها، ولما شعرنا بحرارتها.
وهذا الرأي، الذي طلع به هذا الفيلسوف في القرن السابع قبل الميلاد، شبيه إلى حد بعيد برأي العلماء في الشمس في القرن العشرين، إذ نعلم في يومنا هذا أن الشمس قرص محترق كالغاز.
وقد انتقلت هذه النظرية من اليونان إلى بابل، ولكن أحداً لم يجرؤ على إبرازها خشية التفكير، لأن من عقيدة بابل أن الشمس هي مصباح الإله الأكبر لبابل، وهو يضيئها صباحاً ويطفئها ليلاً.
فالرأي الذي ذهب إليه (انكسيمانس) كان معارضاً للعقيدة البابلية، وإن قال به أحد أو صدقه عد كافراً، ومنع من دخول معبد إله بابل الكبير، وحرمت عليه وظائف الدواوين الحكومية.
ومما ذهب إليه (السيمانس) أيضاً أن نشأة الكون بدأت بالهواء، والهواء هو أصل جميع الموجودات والخلائق.
وقد روى المؤرخ أومستيد(3) في كتابه (المسيح من الوجهة التاريخية) أن اثنين من علماء بابل قبلا نظرية (انكسيمانس) فطردا من العمل الحكومي، وضاقت بهما الحال حتى اضطرا إلى النزوح من بابل.
وهناك فيلسوف يوناني آخر، هو (انكسيماندس)(4) كانت له نظرية في نشأة الكون تختلف بدورها عن عقيدة البابليين، ومؤداها أن العالم كان في البدء لا متناهياً في المكان ولا متناهياً في الزمان، بحيث لا يستطاع وصفه على وجه التحديد، ثم أخذت أشياء وأجزاء من هذا اللامتناهي تتجمع وتتراكم، فنشأ الجرم ثم الأجسام.
وأضاف (انكسيماندس) أن تراكم الأجزاء لم يتم بنسبة واحدة، فمنها ما تراكم بكثافة فتكونت المواد الصلبة كالحجارة، ومنها ما تراكم بليونة فتكون الشجر والنبات والحيوان والإنسان. ولئن عاش هذا الفيلسوف في القرن السادس قبل الميلاد، فإن آراءه تتفق مع آراء العلماء في القرن العشرين هذا الذي نعيش فيه.
فنظريات علماء الفيزياء في عصرنا الحاضر شبيهة إلى حد بعيد بنظرية انكسيماندس، ولو سئل علماؤنا عن نشأة الكون لقالوا أنه بدأ بالهيدروجين، وإن سئلوا: مم وجد الهيدروجين، لجاء جوابهم مشابهاً لنظرية (انكسيماندس) ولكن لا يسع أحداً منهم أن يوضح لنا ما هو هذا الشيء اللامحدود واللامتناهي الذي خلق منه الهيدروجين لأن هذا الشيء وإن تعذر وصفه أو تحديده فهو موجود وهو يولد الهيدروجين ويوجده، ولئن وجد هذا الشيء في منظومتنا الشمسية وتوابعها، فهو موجود أيضاً في منظومات فلكية أخرى.
ومن هنا يصح القول إنه بعد انقضاء 26 قرناً على النظرية الفيزيائية التي طلع بها فيلسوف القرن السادس قبل الميلاد (انكسيماندس) ومع التقدم المدهش الذي أحرزه الإنسان في عصرنا الحالي، ولا سيما في ميادين الفيزياء والفيزياء الفلكية، فإن معارفنا عن نشأة الكون من خلال علم الفيزياء لم تتقدم خطوة واحدة على معارف القرن السادس قبل الميلاد.
وبفضل الفيزياء، عرفنا أن ذرة الهيدروجين هي أخف ذرات العناصر في هذا الكون، وإن لها (الكتروناً) واحداً و(بروتوناً) واحداً، وأن هذا الالكترون يدور في فلك حول البروتون.
وحتى هذا اليوم ليس هناك مسلمة فيزيائية أو علمية توضح لنا كيف جاء إلى الوجود هذا الشيء الذي لا يوصف، والذي وصف باللانهاية، وما الذي بدله إلى الكترون وبروتون عند نشأة الكون؟ وبعبارة أخرى، إن القانون العلمي لهذا التغيير والتبديل لم يكتشف حتى الآن ولا نعرف أيهما وجد أولاً: البروتون أو الالكترون، وهل أولهما هو الذي يحتوي على قوة الجذب الكهربائي وثانيهما: هو المحتوي على قوة الطرد الكهربائي، وهو ما يسمى في المصطلح العلمي بالقوة (+) والقوة (-)؟ أو أن هذين العنصرين وجدا معاً؟ وكيف وجدا من الشيء الذي لا يوصف؟
ووصلت نظرية (انكسيماندس) إلى بابل، كما وصلت من قبل نظرية سلفه اليوناني (انكسيمانس) فلقيت قبولاً وتأييداً من البعض دون أن توجه إلى أي منهم تهمة الفكر، ودون أن يطرد أحد من عمله الحكومي نتيجة لقبوله هذه النظرية. وعلة ذلك أن أحداً في بابل لم ير بأم عينيه ما يثبت أو يدحض نظرية (انكسيماندس) ولا عرف أحد كيف نشأ الكون، ولكن هؤلاء القوم كانوا يرون بأم العينين شروق الشمس كل صباح وغيابها كل مساء، فكان عسيراً عليهم قبول نظرية (انكسيماندس) القائلة إن الشمس كرة أكبر من الكرة الأرضية، وأنها كتلة ذائبة من الأشعة التي لا ينطفئ لهيبها، وإنما كانوا يرون الشمس تشرق في الصباح وتغيب أو تنطفئ ـفي رأيهمـ في المساء فكانوا يعتقدون أن إله بابل يضيء هذا المصباح في النهار ويطفئه في الليل.
وأما (انكساغوراس)، الذي طرد من اليونان، فكان ذنبه أنه بدأ بتدريس التقويم الفارسي وترويجه في اليونان، وهو التقويم الشمسي الذي يعتبر السنة 365 يوماً وبضع ساعات، وقد سجل أسامي أشهر السنة الفارسية في كتيبة على سفح جبل بيستون في غرب إيران، ولا توجد من عهد الأكمينيين كتيبة بهذا التفصيل في كل أرض فارس، فقد كتبت هذه الكتيبة بثلاث لغات هي البهلوية الأكمينية، والبابلية، والعيلامية.
وقد سجل التاريخ أن المصريين القدماء وضعوا بدورهم تقويماً، وكانوا يعتبرون السنة 365 يوماً قبل ميلاد المسيح (عليه السلام) بألفي سنة، ولكننا لا نعرف هل سبق البابليون المصريين في وضع التقويم ومعرفة أيام السنة أم لا؟.
ولا يستبعد أن يكون علم الفلك قد انتقل من قوم إلى قوم كغيره من العلوم، وأن هناك أقواماً أبيدوا بقعل كارثة طبيعية، كما قال أفلاطون.
وعلى كل حال، فعندما بدأ الإمام الصادق (عليه السلام) يلقي دروسه على تلامذته في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، لم تكن معارف البشر عن الشمس تتجاوز ما أسلفنا إيراده، وكان كل صاحب رأي أو نظرية جديدة في العالم الغربي في ذلك الحين معرضاً لخطر التكفير والزندقة، ولا سيما إذا تعارضت نظريته مع العقيدة السائدة، أما الوضع في العالم الإسلامي فكان مختلفاً عن ذلك، إذ أن البحث حول الشمس والأرض وحركاتها كان يدور بحرية كاملة دون خوف من توجيه تهمة الارتداد أو التفكير إلى أي باحث. فلما قال الصادق (عليه السلام) أن الأرض تدور، وأن توالي الليل والنهار يحدث بفعل دورانها، لم يرمه أحد بتهمة ما. وقد رأينا في ما سبق أن اقليدس اليوناني هو أول من تعرض لنظرية حركة الأرض، ولكنه لم ينتبه إلى أن الأرض تدور حول نفسها، وإنما قال أن الأرض تدور حول الشمس، وأياً كان الأمر، فإن النظرية التي ابتدعها اقليدس تقيم البرهان على نبوغه وعلى قدرته على التفكير العلمي الجاد.
أما كروية الأرض، فقد اهتم الإنسان بموضوعها قبل ميلاد المسيح بألف سنة، وكان قدماء المصريين يقولون بكروية الأرض، وقد انتقل هذا الرأي منهم إلى العرب، وقام الجغرافي العربي الشريف الإدريسي(5) برسم خرائط جغرافية تثبت رأيه في كروية الأرض.
ولكن العلماء الذين سبقوا الصادق (عليه السلام) لم يقل منهم أحد بأن الكرة الأرضية تدور حول الشمس، فكان الصادق (عليه السلام) أسبق العلماء إلى إيراد هذه النظرية العلمية الهامة، وقد اهتدى إليها بفضل ما وهبه الله من قدرة عقلية فائقة ونبوغ خارق قليل النظير، واستطاع جعفر الصادق (عليه السلام) بتفكيره العقلي المجرد، ودون استعانة بأي أجهزة علمية، أن يثبت ما كان الناس يرون خلافه في الواقع آنذاك.



1 - كانيوس بلي نيوس زكوندوس عالم ومؤرخ يوناني ولد في بلاد الروم عام 23 بعد الميلاد وتوفي بها عام 79م. خلف كتباً ومؤلفات منها: التاريخ العام، وتاريخ العلوم الطبيعية في سبع مجلدات وهو يعد من الكتب الهامة في تاريخ العلوم الطبيعية.
2 - انكساغوراس العالم والفيلسوف اليوناني ولد قبل المسيح بحوالي 500 سنة وتوفي سنة 423 قبل الميلاد. كان يقول بأن الأشياء كلها خلقت من أصل (نوس) أي العقل، وأن النوس أوجد الحركة وأوجد الذرات ووضعها في الأجسام.
3 - أومستيد عالم ومؤرخ أمريكي، وكان أستاذاً لتاريخ إيران في معهد الدراسات الشرقية في جامعة شيكاغو، وله مؤلف نفيس بعنوان (تاريخ الإمبراطورية الإيرانية) توفي عام 1945م.
4 - انكسيماندس فيلسوف يوناني ولد سنة 611 قبل الميلاد وتوفي سنة 547 ق.م.
5 - الأدريسي أبو عبد الله المعروف بالشريف وهو من أحفاد إدريس الحسيني (461ـ 561 هـ 1100ـ 1165م) رحالة ولد في سبته ودرس في قرطبة، وبرع في علم الهيئة والجغرافيا والطب والحكمة والشعر، وطاف ببلاد الروم واليونان ومصر والمغرب وفرنسا وجزيرة بريطانيا، ودعاه روجيه الثاني ملك النورمانديين إلى زيارة صقلية، فرسم له الإدريسي هناك ما عاينه من البلدان على كرة من الفضة. من مؤلفاته (نزهة المشتاق في احتراق الآفاق) و(الجامع لصفات أشتات النبات).

علي العذاري
07-26-2012, 12:57 PM
0 PM
نظرية الصادق بشأن الأرض




مر بنا أن الإنسان اهتدى إلى أن الأرض كروية منذ القديم، وأن جميع البحارة البرتغاليين والأسبان الذين بدؤوا رحلاتهم البحرية من منتصف القرن الخامس عشر إلى نهاية القرن السادس عشر لكشف العالم انطلقوا من هذا المبدأ (أي كروية الأرض)، ولا بد من الإقرار في هذه المناسبة بأن القرن السادس عشر كان زاخراً بالمفاجآت واكتشاف المجهول، ومتى قرأنا أخبار رحلة البعثة البرتغالية بقيادة (فاسكودوغاما) الذي اكتشف الطريق البحري إلى الهند، صغرت في أعيننا رحلة أبولو إلى القمر في القرن العشرين.وإذا ما قرأنا عن رحلة (ماجلان)(1) ورفاقه (268 شخصاً) حول الأرض والتي استغرقت ثلاث سنين، وما عانوا من المتاعب وأسباب الحرمان والمخاطر بحيث لم يبق على قيد الحياة من أعضاء هذه البعثة الضخمة إلا 18 شخصاً فقط، لم يعد لقصة رحلات أبولو الفضائية ورحلات الأقمار الصناعية الضخمة لون فتان.فالبحار فاسكودوجاما الذي اكتشف الطريق البحري إلى الهند، وكريستوف كولمبس الذي اكتشف أمريكا، وماجلان هو أول من طاف حول الأرض عن طريق البحر، كانوا يعلمون أن الأرض كروية، ولم يخرج أحد منهم في رحلته بقصد اكتشاف كروية الأرض، بل كانت رحلاتهم لأهداف مادية.فقد بدأ فاسكودوجاما وكريستوف كولمبس وماجلان رحلاتهم للحصول على الأعشاب الطبية التي كانت تباع بأسعار خيالية في أوروبا. فإذا كان كريستوف كولمبس وماجلان اتخذا وجهة الغرب في رحلتهما تلك، لأن السفن الإسبانية لم يكن مسموحاً لها بأن تتوجه نحو الشرق بسبب أن البابا قسم العالم إلى جزأين شرقي وغربي، وأهدى النصف الشرقي إلى ملك البرتغال والجزء الغربي إلى ملك إسبانيا، فكان من نبوغ كريستوف كولمبس وماجلان وذكائهما أن خططا للوصول إلى القسم الشرقي وجزر الملوك (وهي منبت الأعشاب الطبية) بعد اجتياز الجزء الغربي من العالم آنذاك، فكانت أهداف جميع هؤلاء الرحالة العظام تجارية ومادية بحتة. ولم يحفل أحد منهم لا بأن الأرض كروية ولا بأن لها حركة أو أنها تدور حول نفسها.وليس لدينا ما يثبت أن جاليلو، وهو العالم الإيطالي الذي كان أول من اكتشف أن الأرض تدور حول الشمس، قد اهتدى أيضاً إلى أن الأرض تدور حول نفسها. ويلوح أن هذا الباحث الفيزيائي والمنجم، الذي يدين له التقدم العلمي في العالم بفضل القوانين العلمية التي وضعها لأول مرة، والذي مات بعد اكتشاف أمريكا بقرن ونصف قرن، كان يقول بدوران الأرض حول الشمس فقط، وأن محكمة التفتيش العقائدية (انكيزيسيون) حاكمت جاليلو، لمجرد أنه قال أن الأرض تدور حول الشمس، وأكرهته على التوبة والاستغفار.وبدأ البحار البريطاني (فرانسيس دريك) رحلة حول الأرض في سنة 1577، أي بعد ماجلان بخمس وسبعين سنة، واستمرت رحلته إلى عام 1580، وكان ذلك بعدما اشتهرت نظرية كروية الأرض وشاعت في مختلف الأوساط. ولكنه لم يكن يعلم بدوره ما إذا كانت الأرض تدور حول نفسها أو لا؟ولكي نفطن إلى أن نظرية دوران الأرض حول نفسها كانت من النظريان البعيدة عن الإدراك والفهم، تتعين الإشارة إلى أن عالم الرياضيات الفرنسي هنري بوانكاره (Henry Poincarre) الذي توفي عام 1912م عن عمر ناهز السابعة والخمسين وكان يعد ألمع عالم في الرياضيات في هذا العصر، كان يمزح ويقول: إنني غير متأكد من أن الأرض تدور حول نفسها. فإن صح بأن عالماً فذاً كهنري بوانكاره تشكك، ولو على سبيل الفكاهة في مطلع القرن العشرين بأن الأرض تدور حول نفسها، فمن اليسير علينا أن ندرك ماذا كان الناس يتصورون أو يقولون بشأن هذه النظرية في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي (النصف الأول من القرن الثاني الهجري) إذ كان قبول هذه النظرية شبه مستحيل.ودوران الأرض حول نفسها لم يثبت علمياً إلا بعدما وضع الإنسان قدميه على سطح القمر، وشاهد الكرة الأرضية من هناك وسجل حركتها. أما قائدو المكوكات الفضائية فلم يتمكنوا من تسجيل حركة الأرض حول نفسها قبل وصول البشر إلى القمر، لأن مراكب الفضاء كانت تنطلق بسرعة فائقة وتدور حول الأرض مرة في كل 90 دقيقة، ولم تثبت أقدام رواد الفضاء في نقطة ما ليشاهدوا منها حركة الأرض، ولكن هذا تحقق من سطح القمر ومع أجهزة التصوير الدقيقة فشاهدوا عندئذ حركة الأرض وصوروها أيضاً.وبفضل التقدم العلمي والصناعي الذي تحقق للإنسان في القرن العشرين، عرفنا أن كل نجم في منظومتنا الشمسية يدور حول نفسه، وأن حركة النجوم في المنظومة الشمسية تخضع لقوانين ميكانيكية دقيقة، وأن كرة الشمس التي تدور حولها الكرات الأخرى، والتي تمثل القطب أو المركز، تدور بدورها حول نفسها وتتصل حركتها حول نفسها في منطقة خط الاستواء فتمتد إلى مرة في كل 25 يوماً.وعندما اخترع جاليلو المنظار الفلكي، استطاع بمساعدته رصد المنظومة الشمسية والأجرام، وأيقن أن هذه الأجرام تدور كذلك حول نفسها.صحيح أن جاليلو رأى الكرة الأرضية تدور حول الشمس كغيرها من الكواكب، ولا يستبعد أبداً أن يكون قد انتهى إلى أن الأرض تدور بدورها حول نفسها، ولكننا لا نقع في مؤلفاته على أثر لهذا الكشف، ولعله وهو الذي اضطر ـفي ما بعدـ إلى إنكار نظريته في دوران الأرض حول الشمس، خوفاً من محكمة التفتيش العقائدية قد آثر أن يحجب رأيه المتعلق بدوران الأرض حول نفسها لئلا توقع عليه العقوبة الصارمة المؤكدة وهي الإحراق بالنار، إن عرف عنه ـ بعد تراجعه وتوبته ـ أنه يدعو إلى رأي جديد هو أن الأرض تدور حول نفسها. وليس في مذكرات جاليليو التي تركها بعد وفاته ما يدل على أنه عرف أن الأرض تدور حول نفسها. وفي القرن السادس عشر الميلادي ظهر في الدانمارك عالم فلكي آخر هو (تيخو براهة) أو (تيكو براهة) وكان ينتمي إلى طبقة الأشراف المترفة في بلاده على النقيض من كوبر نيكوس البولوني الذي كان رقيق الحال لا يجد ما يسد به جوعه.وقد مهدت أبحاث تيخو في علم الفلك طريق الكشف أمام العالم الألماني كبلر، فوضع هذا الأخير قوانينه الفلكية الثلاثة المشهورة الخاصة بحركة السيارات ـ ومنها الكرة الأرضية ـ حول الشمس.ولكن تيخو براهة لم يهتد بدوره إلى أن الأرض تدور حول نفسها، وقد كان يعيش في الدانمارك بعيداً عن سلطة محاكم التفتيش ونفوذها، فلو اهتدى إلى هذه النتيجة، لبادر إلى إعلانها غير متظير من احتمال العقاب شأنه في هذا شأن كوبر نيكوس البولوني وكبلر الألماني اللذين كانا يعيشان خارج نفوذ محاكم التفتيش.والغريب أنه في الوقت الذي كانت فيه محاكم التفتيش مشغولة بتعقيب القائلين بنظرية دوران الأرض حول الشمس وإنزال أشد العقوبات صرامة بالداعين إلى هذه النظرية، كانت الكتب والملاهي الخليعة واسعة الانتشار ولا تتعرض لها محاكم التفتيش على أي نحو كان.وقد توفي تيخو براهة في سنة 1601م وتوفي كبلر في سنة 1630م، وظلت القوانين الثلاثة التي وضعها كبلر عن حركة السيارات تظفر بإعجاب الأوساط العلمية في ذلك الوقت إلى يومنا هذا، وكان مما ذهب إليه في حركة النجوم أن السيارات ومنها الكرة الأرضية تدور حول الشمس في مسار بيضاوي الشكل وليس دائرياً كما ذهب كوبر نيكوس(2). ولسنا هنا في مقام التحديد بالتفصيل عن قوانين كبلر الفلسفية وحسبنا أننا أشرنا إليها بالإيجاز الذي يقتضيه السياق.وصحيح أن كبلر باكتشافه القوانين الثلاثة وبأن الكرة الأرضية تدور حول نفسها قد أثبت للعالم نبوغه العلمي، ولكن الإمام جعفراً الصادق (عليه السلام) اكتشف هذه الحقيقة العلمية قبله باثني عشر قرناً، وقال أن الأرض تدور حول نفسها، وأن تعاقب الليل والنهار ليس سببه حركة الشمس حول الأرض. ثم قال إن مثل هذه الحركة مستحيلة مع دوران الشمس في منطقة البروج، وأن الليل والنهار ناشئان عن حركة الأرض حول نفسها. فيصبح نصف الكرة الأرضية في نهار مشرق، ونصفها الآخر في ليل مظلم(3) .فما (http://ebook/www.14masom.com/14masom/08/mktba8/book01/14.htm#3%29.%D9%81%D9%85%D8%A7) الذي جعل الإمام جعفراً الصادق (عليه السلام) يكتشف أن الأرض تدور حول نفسها فيتعاقب الليل والنهار بسبب ذلك. سابقاً العلماء جميعاً، ومنذ اثني عشر قرناً؟في حين أن علماء القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين الذين أشرنا إلى أسماء بعضهم، قد اهتدوا إلى القوانين الميكانيكية للنجوم دون أن يتوصلوا إلى حقيقة دوران الأرض حول نفسها، وفي حين أن الإمام الصادق (عليه السلام) يعيش في منطقة بعيدة كل البعد عن عواصم العلوم في روما واليونان، فكيف اكتشف هذه الحقيقة؟لقد كانت هناك عواصم علمية في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) هي أنطاكية والقسطنطينية وجنديسابور وبغداد، ولكنها لم تكن قد برزت بعد، ولا وجد فيها من اكتشف هذه النظرية.هنا يثور السؤال: هل كان الإمام الصادق (عليه السلام) الذي اهتدى إلى هذه الحقيقة العلمية، على علم بقوانين ميكانيكية النجوم، وهل كان يعرف أن هذه الأجرام تدور حول نفسها وحول الشمس وفقاً لقانون الجاذبية بجانبيه الموجب والسالب، الجاذب والطارد، الصادر من القاعدة أو المركز والعائد إليها؟ولا يستبعد أبداً أن يكون الإمام العالم جعفر الصادق (عليه السلام) الذي اكتشف نظرية دوران الأرض حول نفسها، قد توصل قبل ذلك إلى قانون الجاذبية. فهذا القانون هو أساس تلك النظرية، ومن المنطقي أن يكون اهتداؤه إلى قانون الجاذبية قد هون عليه الاهتداء إلى نظرية دوران الأرض حول نفسها.




1 - ماجلان (Magellan) 1480ـ 1521م رائد برتغالي اكتشف المضيق الذي أطلق عليه اسمه في جنوب أمريكا اللاتينية عندما عبره في طوافة حول العالم عبر المحيط الهادي من الشرق إلى الغرب في مائة وعشرة أيام، دون أن يواجه متاعب في البحر أو أمواجاً عاتية. فسمي هذا البحر بالمحيط الهادي، ثمَّ وصل إلى جزر سماها باسم ملك إسبانيا الذي كان في خدمته (قليلين)، وقتل ماجلان في مصادمة مع سكان الجزر، فخلفه البحار (سباستيانوـ انكانو) الذي قاد السفينة ومن عليها (18 شخصاً) إلى إسبانيا وتسلم نيشان الكانو الذهبي من ملك إسبانيا، وبقيت أسرته تحظى بالاحترام طوال قرون، ولكن ماجلان لم يخلف أحداً من بعده. ومضيق ماجلان هو ذراع بحرية بين طرفي أمريكا الجنوبي وأرض النار.
2 - للدائرة مركز واحد يسمى القطب، أما الشكل البيضوي فله قاعدتان.
3 - ظهرت نظرية الإمام الصادق (عليه السلام) هذه من خلال ما كان يلقيه على تلاميذه ومن خلال أحاديثه مع أصحابه ومواليه في مناسبات شتى. ومن ذلك ما رواه (الكافي) عن أحمد بن محمد وعلي بن محمد جميعاً عن علي ابن الحسن التيمي عن محمد بن الخطاب الواسطي عن يونس بن عبد الرحمن عن أحمد بن عمر الحلبي عن حماد والأزدي عن هشام الخفاف، قال: قال لي أبو عبد الله (جعفر الصادق) (عليه السلام): كيف بصرت بالنجوم؟ قال، قلت: ما خلفت بالعراق أبصر بالنجوم مني. فقال: كيف دوران الفلك عندكم؟ قال: فأخذت قلنسوتي عن رأسي فأدرتها. فقال: فإن كان الأمر على ما تقول، فما بال بنات نعش والجدي والفرقدين لا يرون يدورون يوماً من الدهر في القبلة؟ (وفي (المناقب): لا تدور يوماً من الدهر في القبلة؟) قال، قلت: والله هذا شيء لا أعرفه، ولا سمعت أحداً من أهل الحساب يذكره. فقال لي: كم السكينة من الزهرة جزءاً في ضوئها؟ قال، قلت: هذا والله نجم ما سمعت به، ولا سمعت أحداً من الناس يذكره. فقال: سبحان الله، أسقطتم نجماً بأسره، فعلى ما تحسبون؟..إلى آخره. (من الكافي ج8 ص351. المناقب ج4 ص265) وهنا يسقط الإمام نظرية دوران الشمس حول الأرض لأنها إن صحت، فكيف نهتدي بالجدي ونراه (والجدي نجم في القطب يهتدى به إلى القبلة). وبنات نعش والفرقدان لا تترك مواقعها، وإنما الأرض التي تتحرك حول نفسها ثم تتحرك في دائرة أوسع حول الشمس. (المترجم).

علي العذاري
07-26-2012, 01:03 PM
الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) ونظرية نشأة الكون


أتينا فيما سبق على نظرية الإمام الصادق (عليه السلام) بشأن حركة الأرض ودورانها حول نفسها. وربما تراءى للمرء أن يقول أن الإمام جعفراً الصادق (عليه السلام) قد اهتدى إلى هذه النظرية بقوة حدسه أو بمحض الصدفة، إذ كثيراً ما يحدس الإنسان بأمر أو يرجم به، فيصادف حدسه الواقع في ما بعد. ولكن يبقى دائماً سؤال هام هو: لم لم يهتد أحد إلى أن الأرض تدور حول نفسها طوال هذه القرون، وكان الصادق (عليه السلام) وحده صاحب هذا الكشف؟
وأرجح الآراء أن الإمام جعفراً الصادق (عليه السلام) توصل إلى معرفة القوانين الميكلنيكية لحركة النجوم من خلال معرفته لحركة الأرض ودورانها، فلولا معلافته بتلك القوانين لما استطاع التوصل إلى هذه النتيجة، فمثل هذه المعرفة لا تتحصل مصادفة ولا يحدث بها المرء، وإنما تتحصل بمعرفة العلة والمعلول، حتى وإن لم تذكر العلة التي أفضت إلى المعلول، أي النتيجة.
وللإمام آراء علمية جريئة في الفيزياء وغيرها من العلوم لا تختلف أبداً عن النظريات العلمية في عصرنا الحديث. ولو قرأ عالم فيزيائي اليوم نظرية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في موضوع نشأة الكون، في إطار القوانين الكونية بعد، وكل ما قيل في هذا الصدد هو نظريات وآراء تحتمل الصواب والخطأ.
على أن نظرية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قد تميزت بكونها انطلقت قبل اثني عشر قرناً، وأنها مع ذلك تطابق النظريات الفيزيائية الحديثة بشأن نشأة الكون.
أما نظرية الإمام الصادق (عليه السلام) الخاصة بنشأة الكون، فلا تختلف عن النظرية العصرية الخاصة بالذرة وأصل الكون. وقد أشار الإمام (عليه السلام) إلى وجود قطبين متضادين، وهو ما يماثل القوتين الإيجابية والسلبية داخل الذرة، ومنهما تتألف الذرة نفسها، وتتولد المادة من الذرة..
وقد مر بنا أن بعض فلاسفة اليونان في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد قد طلعوا بآراء حول نشأة الكون وأصل العالم، منهم ديمقريطس الذي قال بنظرية شبيهة إلى حد بعيد بنظرية الذرة في العصر الحديث. ولا يستبعد أن يكون الإمام الصادق (عليه السلام) قد وقف على نظريات هؤلاء الفلاسفة، وأن نظريته المتعلقة بنشأة الكون قائمة على هذا الأساس.
وليس ثمة ريب في أن الإمام جعفراً الصادق (عليه السلام) قد ألم بآراء فلاسفة اليونان ونظرياتهم، وأن هذه الآراء والنظريات كانت تنتقل إلى المدينة عن طريق أقباط مصر، تماماً كما انتقل نموذج الكرة الأرضية من مصر إلى المدينة(1)
ولا يستبعد أبداً أن يكون الإمام الصادق (عليه السلام) قد وقف أيضاً على نظريات فلاسفة الإغريق الذين عاشوا قبله بثلاثة عشر قرناً. وهي النظريات المتعلقة بأصل الكون، إلا أن الإمام أضاف إليها ما هدته إليه بديهته الذكية، فأخرج نظرية علمية دقيقة تتفق مع نظرية علماء لفيزياء في هذا القرن، بل إن العلماء المعاصرين لم يضيفوا إليها إضافة جديدة ذات بال.
والنقطة المحورية في نظرية الإمام الصادق (عليه السلام) هي موضوع القطبين المتضادين. أما فلاسفة الإغريق من قبله، فلم يتحروا هذه النقطة بمثل ما وضحها الإمام، واقتصروا على القول بأن في الوجود أضداداً، وقال بعضهم بأن الشيء يتميز بضده ويعرف به.
وتتجلى بوضوح في نظرية نشأة الكون عند الإمام نظريته الخاصة بالأضداد، بما لا يتضح في نظريات فلاسفة الإغريق القدامى أو فلاسفة الإسكندرية، ناهيك عن أن هؤلاء الفلاسفة قد ساقوا نظرية الأضداد في غير اطمئنان إلى صحتها، وأفسحوا المجال أمام الباحثين في إثباتها أو دحضها، وطبيعي أن النظرية كانت غير مكتملة الدقة، وكانت تحتمل الطعن في سلامتها.
فإذا انتقلنا إلى نظرية الإمام الصادق (عليه السلام)، ألفيناها واضحة العرض والتعليل. فقد جزم بها واستغنى بذلك عن استخدام أي عبارة توحي بمعنى التحفظ أو الاحتياط، فهو قد كان واثقاً من سلامة رأيه ولا يعتوره أدنى شك في صحة نظريته. وكما سبق القول، فإن الشيعة ترى أن اهتداء الإمام إلى أسرار الكون والنجوم وعلوم الفيزياء والرياضيات وما إليها إنما هو من خصائص الإمامة، أي من مقتضيات العلم اللدني الباطني الذي يهبه الله لأئمته، ولا يكتسبه المرء بالتجربة والاختبار.
أما المؤرخ الباحث عن الحقيقة المجردة، فلا بد له من متابعة مجريات الأحداث وتعليلها واستقصاء الأسباب والوصول إلى النتائج، وليس من ديدنه القول باللدنية أو العلم الباطني. وقد عرف المؤرخ وغير المؤرخ أن الإمام جعفراً الصادق (عليه السلام) كان يحصل العلم بحضوره درس أبيه الباقر، وكان يشتغل بالتدريس والتعليم، فلا سبيل إذن إلى القول بأن علمه لدني، ناله دون دراسة أو اجتهاد أو إمعان فكر(2).
والعلماء الذين سطروا تاريخ الإمام الصادق (عليه السلام) قد رأوا فيه عالماً فذاً يأخذ بمناهج العلماء الأفذاذ، وكانت قدرته الفكرية الألمعية تفوق قدرة جميع معاصريه من العلماء والباحثين، وقد استطاع باستثمار هذه القدرة الإتيان بما تحقق له من نظريات علمية وكشوف لم يسبقه إليها أحد(3)
وإن نظرية القطبين المتضادين التي طلع بها الإمام الصادق (عليه السلام) قد ظهرت أهميتها في القرن السابع عشر الميلادي، عندما أثبت علم الفيزياء وجود هذين القطبين. والذين عاصروا الإمام ظنوه قائلاً بما قالت به الفلاسفة من قبله من أن الشيء يعرف بضده، ولهذا لم يعوا كلامه، ولا احتفوا به الحفاوة الخليقة به، ولكن ما نعرفه اليوم من علوم الذرة والكهرباء والالكترونيات قد قطع بسلامة هذه النظرية، وأكد أن هناك قطبين متضادين في المغناطيس وفي الكهرباء وفي نواة الذرة وفي غير ذلك من ميادين العلوم.
وقد استوفينا القول في علم الإمام الصادق (عليه السلام) بالجغرافيا وعلم الهيئة والنجوم، وها نحن نفيض الآن في الحديث عن إسهامه في موضوع نشأة الكون وأصل العالم، وننتقل بعد ذلك إلى دوره في علوم الفيزياء وغيرها من العلوم. وسنرى أن الإمام جعفراً (عليه السلام) قد تعرض في مباحث الفيزياء لمسائل لم يتعرض لها أحد، لا قبله ولا بعده إلى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي. ومن ذلك مثلاً قانون الأجسام الصلبة، فقد صنف تلك الأجسام إلى أجسام كدرة وأخرى مصقولة شفافة، إذ قال: كل جسم صلب جامد يكون كدراً، وكل جسم جامد دافع يكون لماعاً وشفافاً. وقال في الرد على سؤال: ما الذي يجذب؟ إن الحرارة هي التي تجذب.
وقد أصبحت هذه النظرية في يومنا الحاضر قانوناً علمياً في الكهرباء والفيزياء. أفليس مما يدهش أن يكون القائل بهذه النظرية منتمياً إلى منتصف القرن السابع الميلادي؟ ولعلنا في يومنا هذا، لو سألنا مائة شخص كيف أن من الأجسام الصلبة ما هو لماع وما هو كدر، لما استطاع أحد منهم أن يجيء بالجواب الصحيح، أي أن يقول لنا سبب كون الحديد كدراً والبلور أو الألماس لماعاً وشفافاً؟
ونعرف في قوانين الفيزياء الحديثة أن كل جسم كدر تصدر عنه أمواج وأشعة حرارية، فيكون موصلاً جيداً للحرارة وللأمواج الالكترونية. وأن الأجسام التي لا تنتقل الحرارة منها بسهولة، أي غير الموصلة للحرارة الجاذبة لها أو الناقلة الأمواج الالكترونية، تعتبر أجساماً عائقة، وتكون شفافة لماعة(4)
والإمام الصادق (عليه السلام) لم يتحدث عن أمواج كهرطيسية (كهربائية مغنطيسية)، ولكنه تحدث عن الحرارة، وجاءت أقواله مطابقة لقوانين الفيزياء في يومنا هذا. وبعبارة أخرى، أن الأجسام الكدرة كالحديد تنقل الأمواج الكهرطيسية وتنقل الحرارة وتجذب، في حين أن الأجسام التي لا توصل الحرارة أو توصلها ببطء وتحول دون انتقال الأمواج الكهرطيسية تعتبر أجساماً عائقة، وتكون لماعة شفافة.
وتقوم نظرية الإمام الصادق (عليه السلام) في كدر الأجسام أو صفائها على أساس الجاذبية والقدرة على الشد والقبض. ولما سئل عن سبب كدر الأجسام أو صفائها قال: إن الجسم القابض للحرارة كدر، والأجسام التي لا تمتص الحرارة شفافة على اختلاف مراتبها.
ولا تقل نظرية الجاذبية عند الإمام الصادق (عليه السلام) في أهميتها عن نظريته القائلة بوجود قطبين متضادين، وهي تطابق قوانين الفيزياء الحديثة من حيث تعليل أسباب كدر الأجسام الصلبة أو صفائها.
ولا ريب في أن العقلية التي اكتشفت الأسباب الكامنة وراء صفاء الأجسام الصلبة أو كدرها منذ اثني عشر قرناً هي عقلية سبقت جميع معاصريها، وليس من الغلو في شيء القول بأنها عقلية عبقرية فريدة في ميادين العلوم. ولم ينته علم الإمام الصادق (عليه السلام) عند هذه النظرية وما سبق له كشفه من نظريات، بل إن له في العلوم نظريات أخرى لا تقل أهمية عما أوردناه.
ولا بد من الإشارة هنا إلى ناحية هامة، وهي أن الصادق (عليه السلام) يشرح نظرياته شرحاً مبيناً واضحاً، ويعرضها عرضاً علمياً سهل الفهم والإدراك، بحيث تستطيع الأذهان تقبله واستيعابه. فالقوانين العلمية التي أتى بها قد ساقها بأسلوب واضح، وصاغها بعبارات لا تحتمل اللبس، إدراكاً منه لحقيقتين، هما أن انتشار العلم رهن بالقدرة على فهمه، وأن قوانين العلوم تبقى للدهر، ولا تنتهي بوفاة واضعيها.
وهذا القول يصدق أيضاً على الحكم والأمثال السائرة، ولا بد لسهولة تقبلها من الناس وسريانها على الألسنة من أن تكون سلسلة العبارة سهلة المأتى بليغة التعبير. وهكذا تدخل الأمثال إلى المعاجم، وتبقى جزءاً من الثقافة العامة للناس جميعاً، يستشهدون بها ويتناقلونها.
وللإمام الصادق (عليه السلام) حكم وكلمات قصار شاعت بين الناس، وتقبلتها أقوال كثيرة قبولاً حسناً بل منهم من رواها دون أن يفطن إلى واضعها ومنشئها.
ومن الحكم التي ساقها الإمام الصادق (عليه السلام) قوله مثلاً: (الإنسان إذا مرض أو وجع عرف نفسه). ولئن قال الصادق (عليه السلام) هذه الحكمة في المدينة، فقد شاعت عند أمم كثيرة في آسيا وإفريقيا وأوروبا ثم أمريكا، ومن سمعها عرف أن قائلها أصاب كبد الحقيقة. وها نحن في عصرنا هذا نرى العالم النفسي الكندي (مارشال ماك لوهان) يعد هذه الحكمة من قوانين علم النفس، فيقول أن الإنسان لا ينسى نفسه فقط عندما يحل به ألم، إذ أنه كثيراً ما ينسى نفسه ووجوده في غياب الألم وتوافر الصحة.
ومما ساعد على انتشار هذه الحكمة الجعفرية في العالم وحمل الأقوام على تقبلها، أنها حكمة صحيحة وسهلة الفهم في آن واحد. وفي وسع كل منا أن يتحقق من صدقها، فيعرف أن الإنسان لا ينسى نفسه أو ينسى أنه حي إذا ما أصابه ألم أو مرض.
فمهما تكن قدرة الإنسان على الصبر والتحمل، فلا يسعه في حالة المرض أن ينسى نفسه، لأن الألم يشعره طول الوقت بأنه حي، ويصدق هذا أيضاً في حالة إصابة الإنسان بألم روحي يزيد من شعوره بأنه حي يتأمل.



1 - القول بأن الإمام جعفراً الصادق (عليه السلام) أخذ نظرياته العلمية من مصادر إغريقية، لا يستند إلى دليل تاريخي مقنع، فضلاً عن أن تاريخ الإمام وسيرته يثبتان خلاف ذلك. وعلى سبيل المثال، نورد مناظرة للإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في مجلس الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، مع طبيب هندي كان يقرأ على المنصور كتب الطب، فأخذ الإمام الصادق (عليه السلام) ينصت لقراءته، فلما فرغ، قال: يا أبا عبد الله، أتريد مما معي شيئاً؟ قال: لا، لأن ما معي خير مما معك. قال: ما هو؟ قال: أداوي الحار بالبارد، والبارد بالحار، والرطب باليابس، واليابس بالرطب، وأرد الأمر كله إلى الله،
واستعمل ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأعلم أن المعدة بيت الأدواء، وأن الحمية هي الدواء، وأعود البدن ما اعتاد. قال: وهل الطب إلا هذا؟ قال الصادق (عليه السلام): أفتراني عن كتب الطب أخذت؟ قال: نعم. قال: لا والله ما أخذت إلا عن الله سبحانه وتعالى، واستمر الحديث والمناظرة بأسئلة ألقاها الإمام على الطبيب الهندي عجز عن إجابتها. المناقب ج4 ص260.
2 - إن حضور الإمام الصادق (عليه السلام) درس أبيه الإمام الباقر (عليه السلام) دون سواه، واختصاص الإمام الباقر (عليه السلام) لوحده بإفاضته العلم إلى الإمام الصادق (عليه السلام) خير دليل على أن علم الصادق (عليه السلام) ليس علماً اكتسابياً لأن الباقر (عليه السلام) نفسه لم يأخذ العلم قبل ذلك من الآخرين.
3 - للمجمع العلمي للدراسات الإسلامية بجامعة ستراسبورغ دراسات تاريخية حول الشخصيات الإسلامية تتناول الوجهة التاريخية وحدها بتجرد وموضوعية، بالإضافة إلى أن معظم الباحثين فيه هم من غير المسلمين أو الشيعة، فلا ينتظر منهم أن يعترفوا بالأئمة أو الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) شأن المسلم. وعندنا أن الإمام فضله الله وكرمه بمنبته الطيّب الطاهر، وأخذ العلم عن أبيه وعن جده الرسول (صلى الله عليه وآله) وهو المعلم الأول لهم، وهم أعلم الناس بأقوال الرسول (صلى الله عليه وآله) وسنته، والعلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء، فهم مواطن العلم وأهله (المترجم).
4 - الأمواج الكهرطيسية هي الأمواج التي بواسطتها نسمع أصوات الإذاعة (الراديو) ونرى صور التليفيزيون. وتقول المجلات العلمية الأوروبية والأمريكية أنه إن قدر للبشر ذات يوم أن يتراسلوا ويتحادثوا مع سكان الكواكب الأخرى، فأكبر الاحتمالات أن ذلك سيتم عن طريق الموجات الكهرطيسية (الكهربية المغنطيسية).

علي العذاري
07-26-2012, 01:06 PM
الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) والمعارف الجعفرية (الشيعية)



أسدى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) خدمة للشيعة من ناحيتين، أولاهما أنه اهتم بتعليم أتباعه اهتماماً كبيراً، ولم يقتصر على العلوم القرآنية، بل أضاف إليها علوماً زمنية مثل الرياضيات والفيزياء والجغرافيا والنجوم والهيئة والتاريخ والحكمة. وتخرج على يديه ومن مدرسته عدد غير قليل من أفذاذ العلماء. ومن هنا يصح القول بأن الإمام جعفراً الصادق (عليه السلام) بنى الثقافة الشيعية وأوضح معالمها.
وبفضل المعارف الشيعية أو الجعفرية ساد المذهب الشيعي وعاش، وهذه بديهية، لأن الثقافة هي أساس المجتمعات البشرية وسر بقائها واستمرارها، والمجتمع اليوناني بقي إلى يومنا هذا لأنه كان ذا ثقافة رصينة منذ القديم، في حين أن أقواماً كثيرة اختفت ولم تترك أثراً يذكر لافتقارها إلى ثقافة متينة أصيلة.
ولم تتح للأئمة قبل الإمام الصادق (عليه السلام) أن يؤسسوا مدرسة علمية كمدرسته، وذلك لأسباب شتى، أهمها الضغوط السياسية من جانب الخلفاء والسلطة الحاكمة واسترابة السلطة في تحركاتهم وأنشطتهم.
أما الصادق (عليه السلام) فقد كان يعرف أن الشيعة تحتاج إلى مدرسة علمية قوية تكفل لها الصمود أمام التيارات المنحرفة، وتجعلها بمنأى عن التأثر بوفاة هذا أو مجيء ذاك. ومنذ اليوم الأول لقيام الصادق (عليه السلام) بالتدريس، وضع لنفسه أهدافاً معينة يتوخاها، أهمها تأسيس مدرسة علمية وإقامة ثقافة شيعية رصينة تتمثل في (المعارف الجعفرية)، لثقته من أن بقاء الشيعة رهن بما يتوافر لها من علم وثقافة.
وهذا يدل على أن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) لم يكن عبقرياً في العلم وحده، بل كان أيضاً عبقرياً في السياسة، وكان يدرك أن إيجاد مدرسة علمية شيعية من شأنه الحفاظ على الكيان الشيعي أكثر من أي قوة عسكرية. فالقوة العسكرية وإن عزت عرضة لأن تدمرها قوة أكبر منها، أما المدرسة العلمية التي تنشر الثقافة المتعمقة فتبقى ما بقي الدهر وكان يرى أن من تمام الصواب الإسراع بإنشاء هذه المدرسة لمواجهة الانحرافات المذهبية والتيارات الفكرية غير الإسلامية التي بدأت منذ عصر الإمام تهدد العالم الإسلامي وتهزه هزاً. ولئن كانت الشيعة فقدت المنهل الرئيسي لاغتراف المعارف بعد الإمام الثاني عشر، فقد بقيت تواصل حياتها الثقافية دون أن تكون لها مراكز دينية يشرف عليها عالم ديني، كما هو الشأن في كنائس الغرب. وإنما الفضل في هذا راجع إلى مدرسة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) العلمية، والإشعاع الفكري الذي تركته لدى الشيعة.
واليوم، وقد انقضى نحو ثلاثة عشر قرناً على عصر الإمام الصادق (عليه السلام)، لم تعد للشيعة أجهزة نظامية دينية تشرف على التعليم والأنشطة الدينية، شأن الكنيسة الكاثوليكية مثلاً(1 استطاعت بفضل مدرسة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أن تطاول الدهر وتنهض بنشاط علمي ملموس، ولها من الآثار العلمية ما يكفل لها البقاء دهراً طويلاً.
صحيح أن العلماء الذين جاءوا بعد الإمام الصادق (عليه السلام) اضطلعوا بدور كبير في توسيع المعارف الجعفرية ونشرها، بما صنفوه من أبحاث ودراسات ومؤلفات نفيسة، ولكن الفضل في تأسيس هذه المدرسة وإرساء قواعدها ومعالمها يرجع دائماً إلى الإمام الصادق (عليه السلام) الذي حث الشيعة على الاغتراف من المعارف والثقافة الشيعية، وأمرهم بنشر هذه الثقافة وإذاعتها قائلاً لهم: إن لم تكونوا حملة العلم وناشريه بين الناس، فكونوا حفظة له.
وفي الوسع القول بأن الاهتمام بالمذهب الديني أمر مألوف عند جميع رجال الدين من مختلف الديانات والمذاهب، ولا يقتصر على الشيعة وحدهم، ولكن هناك فارقاً جوهرياً بين هؤلاء وأولئك، فرجال الدين الآخرون ينصب اهتمامهم على حفظ الأصول والسنن المذهبية وصونها، في حين أن الشيعة يهتمون بتوسيع ثقافة المذهب.
وبعد ألف وخمسمائة سنة من إنشاء أول دير أرثوذكسي في جبل آثوس اليوناني، ما زال الرهبان يرددون نفس الأناشيد والتراتيل الدينية ويقومون بنفس الطقوس عند العبادة، دون أن يطرأ عليها أدنى تغيير طوال هذه السنوات الألف والخمسمائة.
يقابل هذا أن الثقافة والمعارف الجعفرية ما انفكت في نشاط متصل وتوسع مستمر، حتى وإن مرت بالتاريخ الشيعي فترات كساد عارضة كانت لا تلبث أن تزول، وتعود هذه المعارف إلى النشاط بسرعة أكبر، وتاريخ هذا المذهب يشهد لعلماء الشيعة العظام بأنهم اجتهدوا بمؤلفاتهم وأبحاثهم النفيسة في أن يثروا المعارف والثقافة الشيعية(2) .
وقد عرفت الكنيسة الأرثوذكسية في أنطاكية عصوراً ذهبية في القرن الثاني الميلادي، إلا أنها أصيبت بعد ذلك وإلى يومنا الحاضر، أي قرابة ألف وثمانمائة عام، بجمود في ثقافتها وافتقار إلى إمارة التجديد فيها، مع أن هذا المذهب من أقدم المذاهب المسيحية ومن أكثرها أصالة.
فلم اختلفت الكنيسة الأرثوذكسية اليوم عما كانت عليه قبل ألف وثمانمائة عام في أنطاكية؟
لقد عقد أساقفة الأرثوذكس المرة بعد المرة مؤتمرات عالمية لتبادل الرأي في أمور الكنيسة شهدها أساقفة من جميع أنحاء العالم، ومع ذلك لم يخرج أي مؤتمر منها بقوانين جديدة أو أنظمة حديثة تثري هذا المذهب.
أما عن الكاثوليك، فقد قال الباحث الفرنسي الشهير دانيل روبز(3) صاحب كتابي (يسوع في عصره) و(تاريخ كنيسة المسيح)، إن الثقافة الكاثوليكية ظلت طوال ألف سنة في ركود شامل، ولم يضف إليها أي جديد، واقتصر قساوستها على حفظ الشعائر والإبقاء على التقاليد المتواترة.
وقد تحقق هذا الباحث من أن الثقافة الدينية للكاثوليك في القرن السادس عشر كانت هي نفس ثقافتهم الدينية في القرن السادس الميلادي، وهي فترة طويلة ظهر فيها رهبان وراهبات وقسيسون عظام سجل التاريخ لنا أسماءهم وسيرهم، ولكن أحداً منهم لم يضف إلى الثقافة الكاثوليكية شيئاً يذكر. في حين أن عصر النهضة (الرينسانس) كان عصراً لنهضة العلوم والثقافة والفنون في أوروبا، كما كان عصر نهضة للكنيسة الكاثوليكية التي ظهر فيها رجال عظام صنفوا الكتب ووضعوا البحوث فاغتنت الثقافة الكاثوليكية، وحرصت على نشرها وإذاعتها على نطاق واسع.
ولم يقتصر دور التأليف على رجال الدين وحدهم، بل اضطلع بالتأليف الديني أساتذة وباحثون آخرون تناولوا المذهب الكاثوليكي بالدراسة والشرح، ومنهم دانيل روبز الذي أشرنا إليه آنفاً، وهو باحث ومؤرخ فرنسي من غير رجال الدين أو القساوسة، وقد ألف طائفة من الكتب حول تاريخ المسيح والمسيحية وعمل جاهداً على نشر الثقافة الكاثوليكية.
وقل أن تجد بيتاً في أوربا اللاتينية (فرنسا وإيطاليا وإسبانيا) دون أن تجد فيه ولو كتاباً واحداً لروبز مترجماً إلى لغة هذه الدولة الأوربية أو تلك.
ومن أولئك الباحثين أيضاً الفيلسوف الفرنسي المعروف (ارنست رينان)(4) الذي عاش في القرن التاسع عشر الميلادي، وألف كتابه الشهير عن حياة المسيح الذي يعد من أهم الكتب الدينية في العالم الكاثوليكي، وهو بدوره لم يكن من رجال الدين أو القساوسة، كما أن تفكيره الفلسفي أفقده عطف قساوسة الكاثوليك، ومع ذلك، يعتبر كتابه هذا مساهمة جليلة في نشر المذهب الكاثوليكي.
وجدير بالذكر أن الكنائس التي كانت تابعة للمذهبين الأرثوذكسي والكاثوليكي كانت تتمتع بثروة طائلة منذ القديم. وبمضي الوقت، تناقصت ثروة الكنيسة الأرثوذكسية، بينما تعاظمت ثروة الكنيسة الكاثوليكية حتى أصبحت اليوم من أغنى الأنظمة الدينية العالمية. ويقال إن ثروة الكنيسة الكاثوليكية، وعاصمتها (الفاتيكان) في روما تقدر اليوم بمائة ألف مليون دولار، وهو رقم تتواضع أمامه رؤوس أموال كثير من المؤسسات الاقتصادية والبنوك العالمية.
ومع أن هذه الثروة المتعاظمة كانت رهن الكنيسة الكاثوليكية منذ عصور خلت، إلا أنها لم تستخدمها هي والإمكانيات المادية الضخمة المتوافرة لديها في النهوض بنشر المعارف الكاثوليكية طوال ألف سنة.
أما الشيعة، فلئن لم يكن لديهم مركز ديني رئيسي أو تنظيم سياسي اجتماعي يساعد على نشر المعارف الشيعية، فقد اضطلع علماؤهم وباحثوهم مع جزء يسير أو حتى دون إمكانيات مادية بدور كبير في نشر هذه المعارف، باستثناء فترات الاضطراب السياسي، ولا بد من التوضيح هنا بأن رجال الدين في المذاهب المختلفة لم يكونوا فيما مضى ناشطين واحداً واحداً في نشر الثقافة الدينية وإذاعتها، وإنما نشط البعض وقعد البعض الآخر.
أما في القرن العشرين الحالي، فنحن تلقاء نشاط ملموس لدى مختلف الأديان والمذاهب للدعاية والنشر، وإن كان المذهبان المسيحيان الرئيسيان، وهما الأرثوذكسي والكاثوليكي قد قعدا في الماضي عن دعم الثقافة المسيحية ونشرها، إن تشجيع النشاط الفكري الديني قد يفتح الباب أمام دخول البدعة إلى المذهب.
ثم إن التزام زعماء المذهب الكاثوليكي بسياسة التحفظ في نشر الثقافة الدينية أو الامتناع البات عن نشرها على مدى ألف عام، أصبح أساساً مذهبياً عندهم يستحيل التخلص منه.
وإذا كان عصر النهضة الكاثوليكي قد بدأ منذ أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، فإن نهضة الشيعة قد بدأت بعصر الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في القرن السابع الميلادي (الثاني الهجري)، إذ أن الإمام (عليه السلام) أيقظ في مفكري الشيعة روح الاهتمام بنشر المعارف بعامة والجعفرية بخاصة، كل حسب طاقته الفكرية وقدراته العلمية، ثقة منه بأن الضمان الوحيد لبقاء الشيعة هو انتشار معارفها.
ومعروف أن الشيعة في عصر الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) لم تكن تستند إلى قوة مادية أو نفوذ سياسي يكفلان لها البقاء.
فلم يكن المجتمع الشيعي في شبه الجزيرة العربية يخرج في اهتمامه عن الأسرة أو المجتمعات الصغيرة التي ينتمي إليها، وهي مجتمعات ليس لها من التنظيم السياسي أو النفوذ الأدبي ما يستطيع بها مواجهة الحكم الأموي.
وكان من رأي الإمام أنه ما لم تتوافر للشيعة قوة سياسية وسلطة مقيمة كافية، فلن تستطيع أن تحقق لنفسها موقعاً سياسياً ممتازاً، وارتأى أن أفضل طريق تسلكه هو نشر الثقافة وعلوم أهل البيت النبوي (عليه السلام)، وتمكين الناس من الاغتراف من هذا المنبع والارتواء منه، فسبق الصادق (عليه السلام) بذلك علماء الديانات الأخرى الذين قعدوا عن إنشاء مراكز ثقافية أو فكرية لها ولم يحفلوا بنشر ثقافتهم الدينية أو دعمها.
صحيح أن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) لم يؤسس للشيعة بابوية دينية كالكنيسة، فمثل هذا التنظيم كان بعيداً عن تفكير العرب في تلك الفترة، ولكنه أرسى أسساً أكاديمية(5) علمية عجزت المسيحية طوال القرون وعبر أجهزتها وتنظيماتها العظيمة عن أن تصنع مثلها.
فضلاً عن أن المسيحية بمذهبيها الأرثوذكسي والكاثوليكي قد نقلت التنظيم الكنسي عن الأنظمة الرومانية القديمة.
أما التنظيم الثقافي الذي أبدعه الإمام الصادق (عليه السلام)، فقد كان بحق أكاديمية للبحث العلمي الحر، ولا سيما في الأمور الفكرية، كما ولا بد من التأكيد هنا بأن حرية البحث والفكر في مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) لم تتوافر في أي مدرسة دينية سواها.



1 - وذلك صحيح بالرغم من وجود دولة شيعية تعتمد الإسلام والتشيع نظام إدارة ومنهج تنظيم.
2 - والثقافة عامة.
3 - دانييل روبز (Daniel Rops) 1901ـ 1965م أديب فرنسي، اسمه الحقيقي هنري بينو. كتب في القصة، ثم انصرف إلى تأليف الكتب التاريخية والدينية ومن أشهرها: (يسوع في عصره) الذي صدر عام 1945 و(تاريخ كنيسة المسيح).
4 - رنست رينان (Renan) 1823ـ 1892 فيلسوف وعالم آثار فرنسي عمل في التنقيب عن الآثار في لبنان وفلسطين. أهم كتبه (حياة يسوع). وله نظريات هامة في الانثروبولوجيا والتاريخ الطبيعي وفلسفة التاريخ.
5 - الأكاديمية لفظة تعني منهجاً تعليمياً منتظماً ـكما هو لحال في الدراسة الجامعية وقد أخذت اللفظة من أصل يوناني نسبة إلى الأكاديمية Academic مدرسة فلسفية أسسها أفلاطون في بساتين أكاديمس بالقرب من أثينا، وكان تلامذته يواصلون البحث والتدريس في هذه المدرسة التي ظلت من سنة 387 ق.م إلى سنة 592 ميلادية ـأي طوال 979 سنةـ مدرسة علمية نشطة. فلما جاء جستينيان إمبراطور بيزنطة (رومية الصغرى) احتل اليونان وعطل هذه المدرسة، (والإمبراطور جستنيان هو الذي أسس كنيسة أيا صوفيا وهو الذي جمع القوانين المدنية ودونها فاشتهرت باسمه، وقد نقل الفقيه المصري الدكتور عبد العزيز فهمي باشا (مدونة جستينيان) إلى اللغة العربي بتكليف من الدكتور طه حسين) ومنذ ذلك الحين، صار اسم الأكاديمية يطلق على بعض المجامع العلمية والمعاهد الأدبية، ومنه الأكاديمية الفرنسية التي أسسها ريشيليو في عام 1635م وعهد إليها في وضع قاموس للغة الفرنسية، ومنها الأكاديمية البريطانية في لندن المعنية بتشجيع دراسة التاريخ والفلسفة. (المترجم).

علي العذاري
07-26-2012, 01:10 PM
مكانة حرية الرأي في مدرسة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)


تميزت مدرسة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) على المذاهب الأخرى في عصره بحرية الرأي والبحث فكان ذلك من أهم أسباب انتشار المعارف الجعفرية وذيوعها.
وقد رأينا فيما تقدم أن المذهب الكاثوليكي بقي طوال ألف سنة في حالة من الركود والافتقار إلى النشاط الفكري، وأن المذهب الأرثوذكسي لا يختلف اليوم عما كان عليه في القرن الثاني الميلادي في أنطاكية.
ولكن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أرسى للثقافة والمعارف الشيعية(1) أساساً هيأ لها أسباب الذيوع والانتشار قبل نهاية القرن الثاني الهجري، بل لقد أصبحت هذه الثقافة نموذجاً لحرية الرأي والبحث، فاقتدت الفرق الإسلامية الأخرى بالشيعة في المباحث الكلامية والعلمية.
ويتوهم البعض بأن حرية البحث عند الشيعة مقتبسة من مدرسة الإسكندرية، في حين أن الواقع يختلف عن ذلك، ففي مدرسة الإسكندرية التي امتد نشاطها إلى القرن السابع الميلادي، وانهارت عند غزو العرب لهذه المدينة، كانت حرية البحث تقتصر على المباحث الفلسفية دون سواها، ولا تتعرض للمسائل الدينية، وأحياناً لمسائل علوم الفلك والفيزياء والطب والصيدلة.
وكانت أمور الدنيا محظورة فيها حظراً باتاً، صحيح أن بعض علماء مدرسة الإسكندرية كانوا من اليهود أو من المسيحيين، ولكنهم كانوا معرضين عن تناول المسائل الدينية في مباحثهم الفلسفية والعلمية، ومن هنا صارت مدرسة الإسكندرية مدرسة علمانية مجردة.
ولسنا في حاجة إلى سرد تاريخ مدرسة الإسكندرية، فالمعروف أن النشاط العلمي في الإسكندرية بدأ مع تأسيس مكتبتها الشهيرة على يدي بطليموس الأول ملك مصر الذي توفي سنة 258 قبل الميلاد وهو رأس أسرة ملوك البطالسة الذين حكموا مصر قرابة قرنين ونصف قرن، وهؤلاء على الرغم من أنهم من أصل يوناني، وكانوا يعبدون آلهة اليونان فإنهم لم يحاولوا حمل مدرسة الإسكندرية على قبول عقيدتهم الدينية وهم ملوك مصر.
وكان بيرون(2) من أوائل علماء مدرسة الإسكندرية وفلاسفتها الذين اشتهروا باسم (الشكاكين). ولئن لم يقم في الإسكندرية طوال الوقت، إلا أنه يعد من فلاسفة هذه المدرسة. ومن الآراء التي ذهب إليها قوله إنه ليست في العالم حقيقة مجردة، لأنه ما من نظرية علمية إلا جاءت نظرية غيرها تفندها وتدحضها.
ويقال إن حالة الشك والتردد التي اعترت بيرون لم تكن وليدة مدرسة الإسكندرية، وإنما كان سببها أن لديه استعداداً نفسياً لذلك، ثم إن حرية البحث والرأي في مدرسة الإسكندرية شجعته على انتهاج هذا السبيل والمجاهرة برأيه في إنكار الحقيقة. ولو أن البطالسة أثروا في مدرسة الإسكندرية تأثيراً دينياً، أو كان لهم فيها نفوذ ديني، لما جرؤ بيرون وأنصاره على المجاهرة بمثل هذه النظرية، لا سيما والبطالسة كانوا يؤمنون بأن آلهة اليونان حقيقة لا تقبل الشك. وأياً كان الأمر، فهذا بحث لا نريد التوسع فيه، وحسبنا أننا أثبتنا أن مدرسة الإسكندرية كانت مدرسة علمانية.
أما حرية البحث في أمور الدين، فقد بدأت في الإسلام بعصر الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) وبعد انتشار المذهب الجعفري.
وكانت المدرسة الجعفرية تتناول المسائل الدينية جنباً إلى جنب مع المسائل العلمية (الدنيوية)، ومع الوقت، أصبح علماء الجعفرية يناقشون المسائل الدينية والفكرية ويثبتونها بقوانين العلم ومبادئه.
وانتقلت هذه الطريقة في ما بعد من المذهب الجعفري إلى المذاهب الأخرى التي اجتهدت في إثبات قضاياها بالدلائل العلمية.
ومعروف أن الأديان السماوية كالإسلام والمسيحية واليهودية لم تكن في بادئ الأمر تعلن مبادئها وتحاول إثباتها بالدلائل العلمية والنواميس الثابتة. وحتى اليوم وبعد انقضاء أربعة عشر قرناً على الإسلام وعشرين قرناً على المسيحية وثلاثين قرناً على اليهودية فإن كثيرين من أتباع هذه الأديان يعتقدون بأن الدين لا يحتاج إلى براهين علمية لإثباته، لأن الدين يرتبط بالإنسان عن طريق القلب والعواطف، لا عن طريق الاستدلال العلمي.
وتتفق هذه النظرة مع نظرة الآباء الأرثوذكس، كما أن كثيراً من الآباء الكاثوليك يؤيدون الرأي القائل بفصل الدين عن العلم، وليس معنى هذا عندهم أن الدين ليس نظرية يمكن إقامة الحجج عليها بالعلم، ولكن معناه أن الأحكام والمبادئ الدينية تظل محتفظة بصحتها وقدسيتها حتى ولو برهنت عليها الأدلة العلمية، فجوهر المسيحية هو المحبة والنقاء، ولا حاجة إلى العقل أو المنطق للبرهنة على هذين الأمرين.
وهذا يعلل لنا سبب عزوف المدارس الدينية المسيحية التي تسمى (بالسيمنار) عن تدريس العلوم على مدى قرون طويلة، تسليماً منها بأن الدين شيء والعلم شيء آخر.
ودرجت المدارس الدينية في العصور الوسطى على تدريس الشريعة المسيحية ـ أو القانون (كانون)(3) ـ إلى جانب المواد الدينية التقليدية، وهو عرف ما زال متبعاً في المدارس الكاثوليكية. أما علوم الفيزياء والكيمياء والفلك والرياضيات والهندسة والميكانيكا والطب والصيدلة، فكانت غريبة عن المدارس الدينية المسيحية، وظلت مجهولة منها طوال العصور الوسطى.
وكانت الفلسفة محظورة لشدة خطورتها ـ في رأي هذه المدارس ـ على العقيدة الدينية. وقد سبق الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) جميع المدارس الدينية عندما قرر، ولأول مرة في تاريخ الأديان والأمم تدريس هذه العلوم جميعاً، إضافة إلى الفلسفة، جنباً إلى جنب مع العلوم القرآنية والفقه الإسلامي.
وقد تولى الإمام الصادق (عليه السلام) بنفسه تدريس هذه العلوم، ولم يستبعد منها الفلسفة أو الحكمة أو العرفان، لأن هذه العلوم كانت تمثل المبادئ والمجادلات التي يستعان بها في إثبات حقيقة الله والكون، وهي علوم كانت قد وصلت فعلاً إلى المدينة.
ولكن هذا كله حدث قبل ابتداء حركة الترجمة والنقل، وقبل أن تنقل كتب اليونان من السريانية إلى العربية، ولا يستبعد أن تكون فلسفة اليونان قد انتقلت إلى المدينة عن طريق أقباط مصر من تلامذة مدرسة الإسكندرية أو من المعجبين بها وبالبحث الحر، وقد خصصنا هنا المعجبين بمدرسة الإسكندرية، لأن رجال الدين الأقباط عموماً لم يولوا الفلسفة اهتماماً كبيراً لانتمائهم إلى الكنيسة الأرثوذكسية التي تعد الفلسفة شديدة الضرر.
وأياً كان الأمر، فقد نهض هؤلاء الأقباط بدور هام في نقل الفلسفة وبعض العلوم الأخرى إلى المدينة. ولا نعرف في تاريخ العلوم في الإسلام من تناول الفلسفة قبل الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وإن كانت الشيعة اهتمت في ما بعد بالفلسفة والمنطق، وأدخلتهما ضمن دروس المدرسة الشيعية، ومنها انتقلت هذه العلوم إلى المذاهب الأخرى.
وقد ابتدأ الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) بتدريس مبادئ الفلسفة أو أسلوب الاستدلال والجدل المنطقي، وكانت مباحث الفلسفة في مدرسته تتناول في بادئ الأمر آراء سقراط وأفلاطون وأرسطو ونظريتهم.
ومنذ أن أرسى الإمام الصادق (عليه السلام) مبادئ الفلسفة في مدرسته وقام بنفسه بتعليمها، فإن هذه المبادئ تعد من الدروس التقليدية في المدرسة الشيعية، وهكذا أصبحت الفلسفة باباً متميزاً من تراث الشيعة وثقافتهم، وهي تنفرد به عن سائر الفرق والمذاهب الإسلامية، وتضيف إليه (العرفان) الذي تحدثنا عنه في ما مر من كلام.
وقد عرفنا أن (العرفان) انحدر في بادئ الأمر من الشرق ومن الإسكندرية أيضاً، ولكن الإمام الصادق (عليه السلام) استطاع أن يخرج من هاتين المدرستين بنظرية عرفانية تتفق مع أصول الإسلام ومبادئ الفكر الشيعي، وكما سبق القول، فالعرفان الجعفري له شخصيته المستقلة عن عرفان المتصوفة في الشرق أو في الإسكندرية، فهو يقول بأن أمور الحياة الدنيا ينبغي أن ينصرف إليها من الاهتمام ما لا يقل عن الاهتمام المنصرف إلى أمور الأخلاق وتزكية النفس(4) . وصفوة رأيه في هذا الصدد أن الدنيا مزرعة الآخرة، ومن حق من زرعها أن يجني ثمارها، ولن يجني المرء إلا ما زرعت يداه. فمن التزم بدينه وزكى نفسه وخلقه، فلا خوف عليه في العالم الثاني.
ولا محل أيضاً في عرفان الإمام الصادق (عليه السلام) للمغالاة التي تجد مثلها عند العرفاء أو المتصوفة الآخرين، ولا محل أيضاً للقول بوحدة الخالق والمخلوق.
والحق أن مجلس الإمام الصادق (عليه السلام) ومدرسته كانا يمثلان منبراً حراً لتلامذته ومريديه، لهم أن يسألوا، ولهم أن يعترضوا، ولهم أن يعبروا عن آرائهم وإحساساتهم بحرية تامة، كما أن من حقهم أن ينتقدوا آراء أساتذتهم، ولم يكن الإمام يفرض على تلامذته رأياً معيناً، ولا كان يطلب منهم الإذعان لرأيه، ومع ذلك، فقد كان الأمر ينتهي دائماً بإذعانهم، بالنظر إلى الأسلوب العلمي الذي كان الإمام يتوسل به للتدليل على رأيه بالحجة الناصعة والمنطق السليم والبيان الرائق.
وكان المترددون على دروس الإمام الصادق (عليه السلام) يعرفون أن الإمام لن ينفعهم مادياً، بل لعل غشيان مجلسه يعرضهم لتهديدات السلطة الأموية خارج المدينة في أيام الأمويين. فإن عرف عن أحد ولاؤه للإمام الصادق (عليه السلام)، لم يأمن على حياته من أعوان الخليفة، ذلك بأن الخليفة كان يعتبر الإمام وأنصاره من خصوم الخلافة، ومع إنه كان يعلم جيد العلم بأن الشيعة وأنــــصار الإمام لا يملكون من القوة ما يستطيعون به مقارعة حكمه، فقد كان يـعـــدهم خصوماً ألــــداء له(5)
وهكذا كانت المخاطر تحيط بمدرسة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) والمترددين عليها، وكان طلاب المدرسة يعلمون علم اليقين بأن الإمام لا يملك مالاً أو مناصب فيوزعها عليهم، فلم يجتذبهم إلى مدرسته، برغم هذه المخاطر وبرغم انعدام المنفعة المادية إلا إخلاص مستقر في النفس، وإيمان عميق في القلوب، وانجذاب لشخصية الإمام (عليه السلام)، وإعجاب بدروسه التي يلقيها ببيانه العذب ويستهدف بها الحقائق وجوهر المعرفة.
وكان الإمام الصادق (عليه السلام) يؤمن بما يقول، ويأخذ بالواقع لا بالمثاليات، ولهذا لم يتوسل أبداً في دروسه بأسلوب (البوتوبيا)(6) الذي سيطر على تفكير المجتمع الأوروبي منذ بداية القرن السادس عشر الميلادي، ومن هنا انتفت من دروس الإمام الصادق (عليه السلام) أي دعوة إلى قيام حكومة مثالية لا تتفق مع واقع الحياة في المجتمع البشري.
وإذا كان بعض من الطلاب الذين أخذوا العلم عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) طمعوا في الظفر ببعض الوظائف كمناصب القضاء في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك الذي كان يسمح بتعيينهم، فإن المترددين على مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) لم يداعبهم الأمل في الحصول على مثل هذه الوظائف، ولا على أي نفوذ سياسي، وإنما كانوا يغشون مجلسه للاغتراف من علمه فحسب.
وقد قلنا قبلاً إن مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) كانت متمتعة بحرية البحث أسوة بمدرسة الإسكندرية، ولكن هناك بوناً شاسعاً بين المدرستين في هذا الأمر. ففي حين أن مدرسة الإسكندرية أوصدت الباب دون مناقشة المسائل الدينية كما ذكرنا آنفاً، أباح الإمام الصادق (عليه السلام) في مدرسته حرية البحث في جميع الموضوعات، ومنها الدينية، ولم يكن ثمة حرج في أن ينتقد الطالب آراء أستاذه، أو أن يطرح عليه الأسئلة في ما يعن له.
وقد اغتذت الثقافة الشيعية من هذه الحرية التي هيأت لهذه الثقافة أسباب الذيوع والانتشار الواسعين، وأقبل عليها الراغبون في حرية البحث والاستدلال، كما أقبل عليها الموالون للشيعة مدفوعين إلى ذلك برغبة باطنية.
ومن يتصفح التاريخ قبل قيام الدولة الصفوية، يلاحظ أن الحكومات الشيعية التي قامت في البلاد الشرقية كانت معدودة، وأشهرها حكومة البوهيين، كما يلاحظ أن هذه الدول لم تتوسل بالقوة أو النفوذ السياسي لنشر المذهب الشيعي، وإنما اقتصرت على التمسك بالتقاليد والأعراف والمبادئ الشيعية، وفي مقدمتها الاحتفالات الدينية في أيام التعزية، وبصورة خاصة يوم عاشوراء عام 61 للهجرة الذي استشهد فيه الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) في كربلاء، ولم يكتب لدولة شيعية أن تستقر طويلاً في بلاد الشرق بعد البوهيين، باستثناء دولة الفاطميين في غرب العالم الإسلامي، إلى أن قامت الدولة الصفوية في القرن العاشر الهجري (1502ـ 1736م).
ومع ذلك، أخذ التشييع ينتشر في ربوع الشرق بثقافته العلمية المنطقية المبسطة، بإصرار وثبات في مقاومة التيار الحكومي المعادي له، وإن لم ينجح في إنشاء مركز سياسي أو نظام حكومي يستند إليه، أي أنه نجح بالفكر لا بالسلطان، وبالروح لا بالقدرة المادية.
وفي التاريخ أقوام وطوائف أخرى عاشت دون أن تكون لها دول أو حكومات، ولكنها استندت إلى مكانة مستمدة من القدرة المادية، كاليهود مثلاً الذين عاشوا في أوروبا منذ العصور الوسطى. وبسبب غناهم، كان الناس يقترضون المال منهم ويردونه بأبهظ الفوائد الربوية. بل لقد وصل الأمر إلى حد أن بعض الملوك والأمراء استقرضوا منهم المال، وحظروا على الناس التعرض لهم بسوء نظراً لحاجتهم إليهم. فعاش اليهود مع المسيحيين في أوروبا في العصور الوسطى متمتعين بحرية تامة، وإن كانت مجموعات منهم آثرت الانطواء على نفسها، واستقلت بأحياء خاصة باليهود انزوت فيها مع أبناء العقيدة في بعض مدن أوروبا.
وبعدما تخلصت القارة الأوربية من متاعب العصور الوسطى وظلمات الجهل، عاشت ألف سنة بعد الإمام الصادق (عليه السلام) وهي لا تملك حرية الاعتراض في مسائل الدين، أو حتى التساؤل حولها، فإن حدث في دولة من دول أوربا اللاتينية (فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال) أن سولت لأحد نفسه أن ينتقد موضوعاً من موضوعات المذهب الكاثوليكي، لنزلت به العقوبات الصارمة، فكيف به إذا جرؤ على انتقاد أصل من أصول الدين المسيحي؟ لقد قضي على القس الإيطالي (برونو) بالموت حرقاً، ولم يكن ذنبه إلا قوله إن الإنسان متى بلغ سن الرشد، تكونت لديه آراء تتفق مع عقله واستنباطه في شأن الحياة والدنيا، وعلى بساطة هذه النظرية وواقعيتها، انقض عليه المتزمتون والتقليديون، فرموه بالهرطقة والكفر، ثم قتلوه بإلقائه في النار حياً.
ومما يذكر أن القس برونو هنا ـواسمه الكامل جيوردانو برونوـ عاش في أواخر القرن السابع عشر، وكان عمره عند إحراقه في عام 1600 ميلادية 52 سنة. وقد أنفق حياته كلها في إغاثة الملهوفين ومساعدة الفقراء والمعوذين ومعالجة المرضى المعدمين، وكانت لذته الوحيدة إرهاق نفسه إسعاداً للآخرين وتخفيفاً لآلام المحتاجين، شأنه في ذلك شأن النحلة (الشغالة) التي تكد وتتعب في جمع الطعام لأترابها من النحل.
ويقال إنه كان يدع بابه مفتوحاً حيثما حل، ليطرقه من يشاء من السائلين ليلاً ونهاراً، وإنه كان يلبي كل حاجة معقولة للآخرين، ولم يكن يرفض لأحد طلباً أو سؤالاً، ولكن كل هذا لم يشفع لهذا القسيس المنتمي إلى الكنيسة الدومينيكية، فقتل شر قتلة.
وقد رسم الشاعر الفرنسي الأشهر (فيكتور هيجو)(7) في كتابه المعروف (البؤساء) صورة قسيس من خيار رجال الدين، أطلق عليه اسم (بينونو) رامزاً بذلك إلى (برونو).
وفي اليوم المحدد لتنفيذ حكم الإحراق في برونو في الساحة الكبيرة لمدينة البندقية، جندت السلطة قوة عسكرية ضخمة لتحول بين المشاهدين وبين مكان تنفيذ الحكم.
وعندما علق (برونو) مصلوباً على خشبة الإعدام، وتحته كميات كبيرة من الحطب والمواد المحرقة، تعالى نحيب الواقفين وعويلهم، وانبعث صراخهم تلقاء هذا المنظر، فعجل الجلاد بإشعال النار للانتهاء من تنفيذ الحكم قبل أن تنفجر ثورة الفقراء والمعوزين احتجاجاً على هذا الحكم الفظيع، ووسط اللهب المتصاعد اختنق صوت برونو وانطفأت شعلة حياته، ولم ينقذه من هذا المصير المروع رصيده الباذخ في خدمة الإنسان والإنسانية.
كان هذا الحكم صادراً من محاكم التفتيش العقائدية(8) اعتبرت برونو خارجاً على الدين لقوله إن الإنسان متى بلغ سن الرشد، كون لنفسه عقيدة حول الدنيا والحياة تتفق مع عقله واستنباطه. وفي رأي هذه المحاكم أن المسيحي متى بلغ سن الرشد، تقبل دون نقاش ما تصوره له الكتب المقدسة بعهديها القديم والجديد، ورفض كل ما يخالف ذلك من نوازع عقله وتفكيره.
وقيل في حكم المحكمة إن برونو خارج على الدين لأن الشيطان حل فيه، ولابد من إحراقه لإخراج الشيطان منه.
أما في الإسلام، فقد بلغت حرية الرأي والبحث في جميع أمور الدين والعلوم حداً أتاح لرجل مثل (ابن الراوندي) أن يظهر وأن يطالع الناس بآرائه الجريئة التي نتناولها في الفصل التالي.



1 - وبالتالي المعارف العامة.
2 - بيرون (Pyrhon) (360ـ 270 ق.م) هو رأس الشكاكين من فلاسفة اليونان، وقد أنكر على الإنسان قدرته على معرفة الحقيقة لكثرة اختلاف البشر حولها.
3 - (كانون) لفظة يونانية معناها الناموس أو الدستور. و(القانون الكنسي) هو مجموعة الشرائع الكنسية.
4 - وفي ذلك الآية الكريمة: (وابتغ في ما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا).
5 - مما يؤدي رأي المؤلف ما رواه ابن شهر آشوب في (المناقب) عن (الترغيب والترهيب) عن أبي القاسم الأصفهاني أنه دخل عليه (أي على الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) ) سفيان الثوري فقال (عليه السلام): أنت رجل مطلوب، وللسلطان علينا عيون، فاخرج عنا غير مطرود. (ج4 ص248 المناقب) ومع ذلك كله توافد الناس من كل جانب بحيث يقول: ينقل عنه من العلوم ما لا ينقل عن أحد، وقد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة من الثقاة على اختلافهم في الآراء والمقالات، وكانوا أربعة آلاف رجل (ج4 ص247 المناقب) وهذا عدد من اجتمع عليه لأخذ العلم في مدينة صغيرة من حواضر العالم الإسلامي في ذلك العصر. وأورد أبو نعيم في (الحلية) أسماء أعلام الأئمة الذين أخذوا عن الصادق (عليه السلام) فقال: حدث عنه من الأئمة والأعلام: مالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، وابن جريج، وعبد الله بن عمرو، وروح بن المختار، ووهب بن خالد، وإبراهيم بن الطحان، ونقل عنه مسلم في صحيحه محتجاً بحديثه، وروى عنه مالك والشافعي والحسن بن صالح وأبو أيوب السجستاني وعمرو بن دينار وأحمد بن حنبل. وقال مالك بن أنس: ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر الصادق فضلاً وعلماً وعبادة وورعاً. ج4 ص248 المناقب.
6 - (البوتوبيا) لفظة يونانية مركبة من مقطعين هما (يو) بمعنى (لا) و(توبوس) بمعنى (مكان)، أي (اللامكان). وقد أطلق هذا الاسم على بلد خيالي نظام الحكم فيه مثالي. وقد جاء الفيلسوف الإنكليزي توماس مور، الوزير الأول لهنري الثامن ملك بريطانيا في النصف الثاني من القرن الخامس عشر الميلادي، وأخرج كتاباً عنوانه (اليوتوبيا) صور فيه مجتمعاً مثالياً يعيش جميع أفراده على مستوى واحد من حيث الإمكانيات المادية والحياة المرفهة. ومن المفارقات العجيبة أن توماس مور هذا حكم عليه بالإعدام في بريطانيا العظمى وهو في الخامسة والتسعين من عمره، وفصل رأسه عن جسمه في سنة 1535م.
ويوتوبيا كذلك ترجمة لكلمة (طوبى) الواردة تكراراً في القرآن الكريم، وقد انتشر اليوم مصطلح (الطوباوية) بمعنى (المثالية) أو (الخيالية) أو (غير الواقعية) أما لفظة (لا مكان) فهي مستعملة في الأدب والعرفان الفارسيين بمعنى (المكان المجرد) أو (حيث لا حدود) وكثيراً ما تعني أن التجرد من كل العلائق في طريق السير إلى الله يلزمه تجرد الإنسان من فكرة المكان، فالله لا يحده مكان ولا يحيط به مكان وليس في مكان دون مكان..
7 - فيكتور هيجو (Victor Hugo) 1802ـ 1885م شاعر وكاتب فرنسي من أعلام الحركة الرومنطيقية، امتازت مؤلفاته بقوة الخيال وتنوع الألفاظ وغنى الوصف ومن مؤلفاته الشعرية: الشرقيات وأوراق الخريف وأغاني الغسق وملحمة الأجيال، وله في النثر: سيدة باريس والبؤساء وهرنافى.
8 - سبق الحديث عن محكمة التفتيش iuquisition وهي محكمة دينية أنشأت في القرن الثالث عشر لملاحقة الخارجين على الدين وتعاليم الكنيسة ومعاقبتهم.

علي العذاري
07-26-2012, 01:13 PM
15 PM
ابن الراوندي وآراؤه الجريئة



من هو ابن الراوندي؟
هو أبو الحسن أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي، نسبة إلى قرية راوند الواقعة بين إصفهان وكاشان في فارس، وكانت في قريته هذه مدرسة إسلامية، فالتحق بها ودرس مقدمات العلوم حتى اعتزم النزوح عنها إلى مدينة (الري).
وذهاب ابن الراوندي إلى مدينة الري بدلاً من إصفهان ـالمدينة العظيمة التي هي أقرب منها إلى موطنهـ طالباً للعلم فيها إنما يدل على أن الري كانت من العواصم العلمية في الشرق.
ولا نعرف من أيام دراسته هناك إلا أنه كان طالباً مجداً، أظفره اجتهاده بإعجاب أساتذته والمحيطين به في مدرسة الري. كما إننا لا نعرف شيئاً عن أساتذته والدروس التي تلقاها في الري والمدة التي قضاها في هذه المدينة على وجه التحديد، وإن كنا نعرف عنه أنه كان في تلك الفترة طيب السيرة، نقي السريرة، محافظاً على الفرائض الدينية، لا يقصر في شيء منها، مقيماً على السنن المرعية والآداب العامة. وفي هذه المدينة ألف كتابه (الابتداء والإعادة).
ويعتبر هذا الكتاب وكتابه الثاني الموسوم (الأسماء والأحكام) دليلاً على صدق انتمائه إلى الإسلام وعمق إيمانه. ولكنه لم يلبث أن وضع كتباً أخرى حفلت بالانتقادات الموجهة إلى الشريعة الإسلامية والفرائض الدينية، ولم تسلم من مطاعنه حتى عقيدة التوحيد.
وهكذا انتهى الأمر بابن الراوندي المسلم المتشيع الذي يكن للإمام الصادق (عليه السلام) كل مودة واحترام، إلى الإلحاد، وتوالت مؤلفاته في التشكيك في عقيدة التوحيد وفي يوم المعاد وفي العدل.
وتطرق في انتقاده للتوحيد إلى التشكيك في صفات الله مرة، وفي نفيها مرة أخرى، مع أن المسلمين وجميع الموحدين من أتباع الديانات السماوية الأخرى، لا يجردون الله سبحانه وتعالى من صفاته، لأن هذه الصفات جزء لا يتجزأ من ذاته الوسطى، وكانت هذه الآراء كفيلة بإنفاذ حكم الإعدام فيه فوراً، إما على أعواد المشانق أو في المحرقات.
ولكن ابن الراوندي لم يتعرض لشيء من هذا من معاصريه في القرن الثالث للهجرة، ولا حرقت كتبه ومصنفاته، وقصارى ما حدث يومذاك هو نهوض أهل العلم والاختصاص بالرد عليه في كتب ورسائل كثيرة.
والفضل الأول في إيجاد هذا الجو العلمي إنما يعزى إلى مدرسة الصادق (عليه السلام) التي كانت حفيظة على حرية الرأي والبحث، ومن هنا اعتبرت آراء ابن الراوندي من قبيل المباحث الفلسفية فلم تلصق به تهمة الإلحاد والارتداد.
وذهب ابن الراوندي في تشكيكه إلى أبعد من هذا، فأنكر وجود الله وأزلية العالم، فلم يبق شك في كفره وإلحاده.
ومع أن الشريعة الإسلامية تقضي على المرتد بالقتل، فإن أحداً لم يتعرض لابن الراوندي بسوء، واكتفى العلماء بالرد على آرائه المعلنة.
وينسب إلى ابن الراوندي كتاب طعن فيه في نبوة الأنبياء وأنكرها، مما غلظ في موقفه الإلحادي، وإن كان إنكار وجود الله كافياً وحده لإثبات إلحاده، وكان ينبغي تلقاء تماديه في الإلحاد، أن تنفذ فيه أحكام الشريعة الإسلامية بالقتل، ولكن المجتمع المعاصر له اكتفى بالرد عليه متسفيه آرائه.
وكانت بغداد في ذلك الوقت، أي في النصف الأول من القرن الثالث للهجرة، العاصمة الجديدة ودار الخلافة، وكانت تتهيأ لأن تصبح المركز العلمي والثقافي للعالم الإسلامي بأسره.
ولم يكن يمر يوم على بغداد دون أن يصدر فيها كتاب جديد أو رسالة علمية، إذ كان العلماء من جميع الأقطار يتوافدون عليها ويعرضون آثارهم وكتبهم على الوسط العلمي. وكان الناس من ناحيتهم متلهفين على قراءة كل جديد، وعلى اقتناء الكتب الجديدة التي يقوم الوراقون باستنساخها، حتى أصبح في بغداد أكثر من ألف وراق ولكنهم مع ذلك لم يستطيعوا ملاحقة الطلب المشتد على استنساخ الكتب. فكان الوراق منهم يستعين بغيره للنهوض بهذه المهمة وكثيراً ما كان الوراقون يقتسمون الكتاب الواحد، فيقوم كل منهم بنسخ جزء منه للإسراع في إخراجه.
فإن كان الكتاب لمؤلف ذي شهرة علمية، أو كان موضوعه مثيراً للجدل والنقاش، اشتد الطلب على استنساخ الكتاب، حتى أن النساخ كان يكتب في اليوم الواحد بين خمسين إلى مائة صفحة، وتتم بعد ذلك عملية تجميع أجزاء كل كتاب على حدة.
وهكذا ازدهرت مهنة الوراقة في بغداد، وازدهرت بالتالي حركة الثقافة والعلم. وإذا كان الناس ينظرون في يومنا هذا إلى الناسخين نظرة استخفاف، لأن هذه المهنة قليلة الجزاء المادي، حتى لقد أطلقوا في الإفرنسية اسم (جرات بابييه) على القائمين بهذا العمل من قبيل الاستهزاء بهم لأنهم (يحكون الورق)، وأطلقوا بالإنكليزية اسماً مماثلاً هو (سكراتش)، فإن مهنة الوراقة كانت محترمة في بغداد عاصمة الخلفاء العباسيين، وكانت تدر على أصحابها آنذاك مالاً وفيراً.
واعتباراً من النصف الأول من القرن الثامن عشر الميلادي، ظهرت في أوروبا جماعة أخرى، إلى جانب جماعة الوراقين التقليديين، صناعتها تحرير النوتة الموسيقية. ومن الذين اشتغلوا بهذا العمل الكاتب الفرنسي الأشهر (جان جاك روسو) الذي كان في فترة من حياته يعيش على كسبه من كتابة النوتة الموسيقية، فلما ظهرت المطابع الحديثة، وشرعت تطبع الكتب والمذكرات والنوتة الموسيقية بسرعة أكبر وإتقان أفضل، بارت صناعة الكتابة اليدوية للنوتة الموسيقية، وانصرف عنها المشتغلون بها، ومنهم روسو.
ولكن ظهر نوع آخر من الوراقين أو المحررين العصريين، وهؤلاء يختلفون اختلافاً كبيراً عن الوراقين القدامى الذين كان كل همهم نسخ الكتب دون تعديل في مادتها. أما الوراقون الجدد، فيطلقون عليهم بالإنجليزية اسم (غوست رايتر) أي الكاتب الشبح. فإن أراد ذو ثراء أن (يؤلف) كتاباً دون أن يكون ذا موهبة في التأليف، عهد إلى هؤلاء الأشباح في تأليف الكتب، وأجزل لهم العطاء في مقابل انزوائهم، وظهر الكتاب وعليه اسم المثري باعتباره مؤلفه ومنشئه ومصنفه، وإن لم يقم بشيء من هذا قط(1) .
ويطلق الفرنسيون على المشتغلين بهذا العمل اسم (نيجرو) أي الزنجي أو الملون، اعتقاداً منهم بأن من يسخر قلبه لآخر لا يختلف في شيء عن العبد أو الخادم الذي يبيع جهده لسيده.
وقبل المطبعة، كانت مهنة الوراقة مهنة شريفة محترمة تدر على أصحابها بدر المال، وكان هذا الاحترام ـولا سيما عند العرب ـ نابعاً من احترامهم للكلام المكتوب والكتاب المحرر، إذ أن عرب البادية كانوا ينظرون نظرة إجلال إلى كل كلام مكتوب باعتباره جامعاً لكل شيء وأن له تأثيراً في كل شيء حتى في الأصنام والآلهة التي يعبدونها، وكان من تقاليدهم المرعية تعليق المحررات على الكعبة، كما علقت الصحيفة التي كتبها العرب ودعوا فيها إلى مقاطعة رسول الإسلام هو وأهله وأسرته من بني هاشم وقد علقوها على الكعبة.
ولا نكون مغالين إذا قلنا إن عصر الخلفاء العباسيين في بغداد كان العصر الذهبي للوراقين الذين ظفروا بالاحترام العام والتقدير الكامل من الخلفاء والعلماء وطلاب العلم على حد سواء.
وفي هذا العصر الذهبي للوراقة، وصل ابن الراوندي إلى بغداد، وغايته في ذلك أمران: أولهما:
أن بغداد كانت المركز العلمي الأول في العالم الإسلامي، فإن طبيعياً أن يتوجه ابن الراوندي إلى هذا المركز طلباً للمزيد من الفائدة، ولعرض بضاعته من الثقافة والفكرة.
وثانيهما: أن الخليفة العباسي كان مهتماً بالعلم مشجعاً للمؤلفين والمترجمين، وكان ينفحهم بعطايا وجوائز سخية، كما كان يستقدم العلماء ويجزل لهم العطاء لكي يعملوا على نشر العلوم. فتوجه ابن الراوندي إلى مقر الخلافة أملاً في أن يكون له نصيب من هذه العطايا.
وكانت شهرة ابن الراوندي قد سبقته إلى الأوساط العلمية في بغداد بفضل كتابيه الأولين (الابتداء والإعادة) و(الأسماء والأحكام) اللذين وصلت مخطوطات منهما إلى بغداد قبل وصوله هو، وكما سبق قوله فإن هذين الكتابين كان قد ألفهما ابن الراوندي بروح المسلم الملتزم الطيب السيرة والسريرة، قبل أن ينحرف به التفكير إلى شطط الزندقة والكفر.
ولكن شهرته في بغداد لم تكن تقاس بشهرته في الري وبلاد فارس حيث أقام مدة طويلة، وشغل الدوائر العلمية بآرائه وشطحاته، فسعى إلى الذين لهم صلات بالأوساط العلمية في بغداد لكي يزكوه لدى من يعرفون في عاصمة الخلافة، فحمله واحد منهم رسالة إلى وراق يدعى عباس الصرم. ولما استقر في أحد الفيروانات العديدة المخصصة للمسافرين في بغداد في ذلك الوقت(2) ، (http://ebook/www.14masom.com/14masom/08/mktba8/book01/18.htm#2%29%D8%8C) أخذ يبحث عن الوراق ومعه نسخة من كتابه الموسوم (الفرند)، فلما اهتدى إليه، رجاه أن يستنسخ له عدداً من النسخ من هذا الكتاب.
فشرع الوراق يتصفح الكتاب، ودقق النظر في عناوين فصوله، وكانت حيرته تزداد كلما ازداد وقوفاً على محتويات الكتاب وجرأة صاحبه.
فقال له: يا أبا الحسن (ابن الراوندي)، هل طالع أحد هذا الكتاب؟
فأجاب: نعم، هناك نسخ منه في متناول المهتمين بموضوعه في الرأي.
فقال الوراق: يدهشني أنت ما زلت على قيد الحياة ناعماً بحريتك في الذهاب والإياب، على الرغم من هذا الكفر الذي تبثه في ثنايا الكتاب.
فقال ابن الراوندي: ما سجلته في هذا الكتاب حقائق وليس بكفر.
فعاد الوراق عباس الصرم يقول له: لقد أنكرت الأصول الثلاثة للإسلام، وهي التوحيد والنبوة والمعاد.
فقال ابن الراوندي: ليس الأمر كما تتصور، فلو دققت النظر لعرفت أنني لم أنكر التوحيد، وإنما رغبت في تنزيه الخالق عن الخرافات التي تنسب إليه.
ثم طلب من الوراق أن يكلف أحد كتابه من المعروفين بجمال الخط استنساخ الكتاب ليقدمه إلى الخليفة العباسي.
فقال الوراق: أنصحك بألا تقدم على هذا الأمر لتجنب نفسك غضب السلطان وعقابه.
فقال ابن الراوندي: لكن الذي سمعته عن الخليفة أنه رجل رحب الصدر، محب للعلم والعلماء، يهتم بالكتب والمؤلفات العلمية ويكافئ مؤلفيها بما ينفحهم من العطايا الجزيلة السخاء، وقد منيت نفسي الحصول على عطية جزيلة من الخليفة مكافأة لي على تأليف هذا الكتاب.
انتهى الحوار بينهما إلى لا شيء، ومع ذلك فقد وافق الوراق عباس الصرم على أن يقدمه إلى وراق آخر هو المطلب البصري عساه يوافق على أداء هذه المهمة له. ولكن ابن الراوندي كان صفر اليدين عند وصوله إلى بغداد، وكان يطمع في حل مشكلاته المالية متى وجد من يقدمه إلى الخليفة أو يقدم إليه بعض مؤلفاته، فلما التقى بالمطلب البصري، كانت طلبته الأولى منه مساعدته على الاهتداء إلى أي عمل يكفل له العيش في بغداد.
واطلع الوراق على نموذج من خط ابن الراوندي، فألفاه رديئاً ولا يؤهله للعمل في استنساخ الكتب. ومع ذلك، وافق على أن يدفع إليه ببعض الكتب لاستنساخها وتحريرها، على أن يكافئه على عمله شيئاً فشيئاً كلما فرغ من استنساخ فصل من الكتاب.
وكان المطلب البصري كغيره من الوراقين يشتري نسخة المؤلف، ثم يقوم باستنساخها في عشرات من النسخ، أي أن الوراقين كانوا في القرن الثالث الهجري يقومون بالدور الذي تقوم به في يومنا الحاضر مؤسسات نشر الكتب وطبعها وتوزيعها(3) .
ولم يكن أمام ابن الراوندي إلا أن يقبل هذه الوظيفة الجديدة. فقدم إليه الوراق نسخة من الكتاب المطلوب نسخه وكمية من الورق للكتابة عليها، إذ كان من عادة الوراقين أن يزودوا المحررين بالورق ليضمنوا جودة النسخ وخروجها بالحجم المطلوب.
ويعود الفضل في نشر الكتب والمعارف إلى من أبدع هذا الأسلوب، متوافقاً في ذلك مع تاريخ ظهور الورق، حتى كثرت المخطوطات وازدادت نسخها المتداولة، فحفظت لنا تراثاً علمياً هاماً كان عرضة للضياع والفقدان، ولا ريب في أن مبتدعي هذا الأسلوب قد سبقوا بقرون عدة غوتنبرغ الذي اخترع المطبعة الحديثة حتى لا يبقى في مدينة استراسبورغ أمي واحد بعد انتشار الكتب(4) .
عكف ابن الراوندي على استنساخ الكتاب، ولكنه تبين أن فيه ما يستحق الرد والنقض، فوضع للكتاب حواشي تتضمن آراءه وتعليقاته على ما ورد في الكتاب، وصاغها في أسلوب فني. ولما احتاج إلى مال، حمل ما أنجزه من الكتاب إلى الوراق لكي يؤدي له ثمن ما أنجزه، فقام الوراق بمراجعة الجزء المستنسخ بعناية ودقة للتثبت من أمانة النقل وصحة الكتابة ونظافة الورق وسلامته، ففوجئ بالتعليقات والحواشي التي انتشرت في الكتاب دون أن يكون لها وجود في النص الأصلي.
لما استفسر الوراق من ابن الراوندي عن موضوع هذه الحواشي والتعليقات التي لم ترد في الأصل، اعترف بأنه هو الذي أضافها.
فسأله الوراق عن سبب هذا التصرف، فأجاب: لقد وجدت المؤلف على خطأ وصوبت له ما وقع فيه من أغاليط.
ألفى الوراق نفسه ولأول مرة تلقاء كاتب ومعلق يضع الحواشي والتعليقات على الكتب على خلاف غيره من الكتاب والنساخين، ولكنه طلب منه إعادة كتابة نفس الصفحات بعد استبعاد هذه التعليقات والحواشي التي كان قد أضافها، قائلاً له أنه إذا أراد أن يستمر في عمله هذا، فلا بد له من الالتزام بالنص دون زيادة أو نقصان، ودون تغيير في عباراته أو إردافه بتعليقات وحواش.
وإزاء هذا الموقف من جانب المتوكل، عمد الشيعة إلى الالتزام بالتقية (التقاة) وعدم المجاهرة بولائهم لآل علي، وزاد هذا الموقف من مخاوف عباس الصرم من رد الفعل لدى الخليفة في ما لو عرف أن ابن الراوندي من فارس وله مؤلف في الإمامة ويغلب عليه التشيع، ثم إنه كان في نفس الوقت واثقاً من أن ابن الراوندي لا بد أن يلتمس سبيلاً آخر لرفع كتابه إلى الخليفة، فقرر الصرم أن يقوم بنفسه بتقديم ابن الراوندي إلى الخليفة، زاعماً أن هذا الرجل مصاب بداء الصرع وأنه برغم ذلك ألف كتاب (الفرند)، وكان في اعتقاده أن من شأن هذه الظروف أن ترد عن ابن الراوندي عادية الخليفة وتحول دون تكفيره ثم إعدامه، كما أن من شأنها في الوقت نفسه أن تدفع عنه تهمة إيواء هذا الرجل المتهم بالزندقة وتقديم العون له.
والحقيقة أن ابن الراوندي، برغم شطحاته الفكرية، كان من العبقريات العلمية في القرن الثالث الهجري، وقد خلف هذا الأصبهاني وراءه في عمر لم يجاوز الأربعين عاماً آثاراً فكرية لم يترك مثلها أفذاذ العلماء الذين عمروا في عصره سبعين عاماً أو ثمانين.
فقد كان ـ كأعلام عصره ـ متضلعاً من جميع علوم يومه، ومنها الطب والرياضيات والفلك، وكان أول من نبه إلى أن جسم الإنسان محاط طوال أيام حياته بأعداء تهم بالفتك به، ولكن الجسم نفسه يولد ما يقيه شرها، ويحافظ على سلامته وحياته. ومع أهمية هذه النظرية العلمية، فلم يفطن إليها أحد في القديم ولا في العصر الحديث وإلى مطالع القرن العشرين، عندما تبين الأطباء الباحثون أن الكريات البيضاء في الدم تقوم بدور الشرطي أو حرس الحدود فتحمي الجسم من هجوم الأجسام الغريبة، وبعبارة أخرى تقاوم الميكروبات والجراثيم التي تنتقل بالعدوى، وقد تحقق هذا الكشف الهام في سنة 1940م.
فالإتيان بهذه النظرية كان كافياً في حد ذاته لتكذيب ما يقال من أن ابن الراوندي مصاب بالصرع، لأن قائل هذه النظرية لا بد أن يكون صحيح العقل والتفكير.
وفي منتصف القرن الثالث، كانت أصول الطب السائدة سواء في الشرق أو في الغرب مستمدة من مدرسة أبقراط القائمة على أساس وجود طبائع أربع، فإن تعادلت وتوازنت في جسم الإنسان سلم وتعافى، وإن اختل التوازن في ما بينها مرض، وإن بلغ الخلل درجة حادة، مات.
وبالبناء على هذه النظرية، تكون أسباب الموت أسباباً داخلية، ولا يتسبب فيه عدو خارجي. ولم يسبق لأحد أن قال بأن جسم الإنسان معرض طوال حياته لهجوم الجراثيم والميكروبات إلى أن جاء العالم الفرنسي باستور في القرن التاسع عشر واكتشف الميكروب الذي ينقل العدوى، وأقام البرهان عملياً ونظرياً على صحة هذه النظرية.
أما الكريات البيضاء فلم تكتشف إلا في عام 1940م، فعرف الطب الدور الهام الذي تقوم به هذه الكريات الحيوية في مقاومة الميكروبات المهاجمة.
وفي عام 1950م، تحقق علماء الطـــب من أن هناك عــــاملاً آخر يطرد الأجســـــام الغريبة من الجسم ويسمونه (الجسم المضاد)(5) ، (http://ebook/www.14masom.com/14masom/08/mktba8/book01/18.htm#5%29%D8%8C) ومهمته الأساسية هي مقاومة الخلايا الغريبة وطردها من الجسم.
ولكي نعرف مدى أهمية هذه الأجسام المضادة التي اكتشفت في عام 1950م يحسن بنا أن نشير إلى تقرير للدكتور روبرت آلن جود المشهور بتخصصه في أمراض السرطان والأستاذ بجامعة كاليفورنيا في الولايات المتحدة، فقد أثبت الدكتور جود في تقريره هذا أن جسم الإنسان يولد ما يتراوح بين عشرة خلايا وعشرة آلاف خلية من خلايا السرطان منذ المهد وإلى آخر أيام العمر، ولولا الأجسام المضادة التي تطرد الخلايا الأجنبية من الجسم وتحول دون انقسام خلية(6) السرطان وانتشارها لنمت خلايا هذا الداء اللعين وغزت الجسم البشري كله. ومن رأيه أن السبب لفي إصابة الشيوخ بالسرطان بنسبة تفوق نسبة إصابة الشباب به هو أن جسم الشيخ يولد من الأجسام المضادة كمية أقل مما يولده جسم الشاب، وبالتالي يتعذر على الشيوخ مقاومة هذا الداء العضال.
ومما قاله الدكتور روبرت آلن جود إن وجود الأجسام المضادة بكميات غير كافية في جسم الإنسان يساعد على الإصابة بالسرطان، وإنه إذا أريد علاج هذا المرض فلا بد للطبيب من أن يفكر في وسيلة لتقوية جسم المصاب وتمكينه من توليد قدر أكبر من الأجسام المضادة.
أو ليس مما يثير الدهشة أن يكون عالم من العلماء مضى عليه أحد عشر قرناً ونصف قرن قد استطاع أن يكشف سراً من أهم أسرار الصحة البدنية، دون أن ينتبه أحد إلى هذا الكشف، ودون أن يهتم به العلماء الباحثون في النصف الأول من القرن الحاضر؟
وقد لقيت نظرية ابن الراوندي التي طلع بها قبل ألف ومائة وخمسين سنة إعجاباً عاماً وقبولاً من الأوساط العلمية والطبية في جميع أنحاء العالم بعد ما تبينوا صوابها، لأن الثابت عند جميع الأطباء أن الإنسان هدف مستمر لأعداء خطرين يسعون إلى القضاء عليه، ويتمثل هؤلاء الأعداء في الميكروبات والفيروسات والخلايا الدخيلة.
ولابن الراوندي نظرية أخرى لا تقل شأناً عن النظرية السابقة مؤداها أن الإنسان إذا ابتلي بمرض مستعص عز علاجه وفقد الدواء فعله تلقاءه، وجب أن يحقن بمرض آخر ينقل إليه، وهكذا ينجو من خطر الموت، ومتى تم علاجه بهذه الكيفية من المرض الأول، قام الطبيب بعلاجه من المرض الثاني.
فإذا كانت هذه النظرية التي قال بها ابن الراوندي في القرن الثالث للهجرة من البينات التي أقيمت على مرضه بالصرع، فقد أصبحت في القرون اللاحقة موضوع اهتمام الأطباء، إذ ثبت لديهم من التجربة أن المصاب بمرض مستعص يمكن الاستعانة على علاجه تدريجياً بتعريضه للإصابة بمرض آخر، وقد تحققت نتائج هذه التجارب بمحض المصادفة والاتفاق، ولكن الأمر الذي عجز الأطباء قديماً عن الاهتداء إليه هو نوع المرض الثاني الذي يستعان به في العلاج، ثم القدرة على التحكم فيه بعد نقله إلى المريض.
ومنذ القرن التاسع عشر بدأ تطبيق هذا النوع من العلاج الذي دخل طوراً جديداً بعد كشف الميكروب وسموم التوكسين(7)
فمنذ القرن التاسع عشر والأطباء يحاولون علاج الأمراض بإدخال الميكروب أو التوكسين إلى أجسام المصابين بها.
ومن ذلك مثلاً أن الدكتور وليم كالي قام في القرن التاسع عشر بتجربة نظرية ابن الراوندي، وبصورة خاصة في علاج السرطان، عن طريق إدخال التوكسين إلى جسم المريض. وقد تبين له أنه كلما أخذ المرض الجديد في الظهور، بدأت أنسجة خلايا السرطان تتحلل وتزول، وبهذه الكيفية نجح في إنقاذ حياة أكثر من مائتي مريض كان شفاؤهم ميئوساً منه، فعاشوا بعد العلاج حياة طبيعية. وأقل نتيجة حققها هذا الأسلوب في العلاج هي إطالة أعمار المصابين بالسرطان في مراحله المتأخرة خمس سنين أخرى.
والمهم هنا أن طريقة الدكتور كالي برهنت على صحة نظرية ابن الراوندي، وإن كانت تجارب تطبيقها قد توقفت لأسباب منها أن المرض الثاني (المجلوب)، إن كان مرضاً ضعيفاً، عز عليه التأثير في وقف انتشار الخلايا السرطانية، وإن كان قوياً كان بمثابة علاج الأفسد بالفاسد فيضعف الجسم، وربما تعذر بعدئذ علاج المرض الثاني أو طال أمد علاجه.
إلا أن الدكتور روبرت آلن جود استمر في ما بعد يعالج السرطان بطريقته المستمدة من نظرية ابن الراوندي. ويؤخذ من التقارير العلمية أن النجاح حالفه في كثير من الحالات.

ابن الراوندي في نظر معاصريه(8) : (http://ebook/www.14masom.com/14masom/08/mktba8/book01/18.htm#8%29:)

يقول عبد الرحيم العباسي مؤلف كتاب (معاهد التنصيص) (طبع بولاق عام 1274 هـ ص176ـ177): (كان (ابن الراوندي) أحد المتكلمين المعتزلة، عاش في بغداد، ثم ألحد وارتد وانفصل عن المعتزلة). ونقل عن أبي القاسم البلخي (وهو تلميذ لأبي القاسم الخياط وأحد المعتزلة الذين تصدوا لآراء ابن الراوندي ووضعوا رداً على كتبه) قوله في كتابه (محاسن خراسان): (كان ابن الراوندي من المعتزلة العظام. لم يواكبه أحد في سبر غور علم الكلام. ولم يكن أحد أعرف منه بمذاهب أهل الملة واختلاف آرائهم. وكان في بداية أمره على صحة المذهب وحسن السيرة، ثم حاد عن الطريق، وترك المنهج والسبيل الحق. وقيل إن ذلك كان لغضبه على رفاقه الذين طردوه من حلقتهم وناديهم، فأخذ يؤلف كتباً لأبي عيسى الأهوازي (اليهودي) ).
وقد توفي ابن الراوندي في داره في أهواز. وأحصى البلخي خمسة فقط من كتبه، هي: (كتاب التاج) وقد دافع فيه عن أبدية العالم، و(كتاب الزمرد) وقد أطلق عليه هذا الاسم اعتقاداً منه بأنه كتاب سيعمي أعداءه ومعارضيه كما يعمي الزمرد عيون الأفاعي، و(كتاب الفرند)، و(كتاب اللؤلؤ) و(كتاب الدامق)، وقد أودعه كلاماً عن الخالق يسوء ذكره، فاعتبر ما في الدنيا من ظلم وشر وسوء من صنع الخالق. وفي كتاب (الفهرست) لابن النديم استشهاد بما ذكره ابن البلخي.
وعده ابن المرتضى في كتابه (طبقات المعتزلة) من الطبقة الثامنة، وأضاف أنه انحرف وأصبح زنديقاً ملحداً، ووضع كتاب (التاج) وكتاب (عبث الحكمة) الذي طعن فيه على مذهب التوحيد وتحدث عن الثنوية، وكتاب (الدامق) الذي عارض فيه القرآن الكريم، وكتاب (الفرند) الذي انتقد فيه بعث الرسل ورسالة الأنبياء، وكتاب (الطبايع) وكتاب (الزمرد) وكتاب (الإمامة) وقد رد عليه وعلى آرائه ومؤلفاته جماعة منهم الشيخ أبو علي (الجبائي) والخياط والزبيري وأبو هاشم الذي رد على كتابه (الفرند).
ومن خلال عرضنا السريع لأقوال أصحاب السير والتواريخ، يتبين أن ابن الراوندي كان من الشخصيات العلمية البارزة، ومن أعلام المعتزلة في القرن الثالث الهجري، ويربي عدد مؤلفاته على مائة وثلاثين كتاباً. أيد المعتزلة، ووضع لهم الكتاب تلو الكتاب للدفاع عن آرائهم الكلامية والفلسفية، إلى أن انفصل عنهم، فأخذ ينتقد آراءهم ومناهجهم ويرد عليهم، فرموه بالزندقة مرة، وبالإلحاد أخرى، وبالميل إلى الرافضة، وأخيراً بالميل إلى اليهودية.
والجميع متفقون على أن ابن الراوندي كان في مستهل حياته صائب الرأي، سليم العقيدة، وذلك عندما كان يلتقي مع المعتزلة في رأيهم حول الإمامة ومسائل عقائدية أخرى، وما لبث أن وضع كتابه (الإمامة).
وهذا الكتاب هو بداية انحراف ابن الراوندي إلى الزندقة والكفر، يقول الخياط في سياق نقله لهذا الكتاب: (كتاب (الإمامة)، يطعن فيه على المهاجرين والأنصار (باختيارهم الخليفة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) ) ويزعم أن النبي (صلى الله عليه وآله) استخلف عليهم رجلاً بعينه واسمه ونسبه، وأمرهم أن يقدموه، ولا يتقدموا عليه، وأن يطيعوه ولا يعصوه، فأجمعوا جميعاً إلا نفراً يسيراً، خمسة أو ستة، على أن يزيلوا ذلك الرجل عن الموضع الذي وضعه في رسول الله (صلى الله عليه وآله) استخفافاً منهم بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتعهداً منهم لمعصيته).
يبدو من هذا أن السبب الرئيسي في انحراف ابن الراوندي ـفي نظر الخياطـ هو ميله إلى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وتفضيله إياه على غيره، وتأكيده بأن الخلافة أو الولاية قد خصه النبي (صلى الله عليه وآله) بها، فهاجم الخياط لذلك ابن الراوندي وعده فاسقاً ومنحرفاً. وبعدما انشق عن جماعة المعتزلة لهذا السبب، وضع كتابه الثاني رداً على كتاب (فضيلة المعتزلة) لعمرو بن بحر الجاحظ، وسماه (فضيحة المعتزلة). وأثار هذا الكتاب غضب المعتزلة جميعاً، فتصدوا له بطرق ووسائل شتى، فهذا أبو الحسين بن عثمان الخياط المعتزلي يضع كتاباً عنوانه (الانتصار) في الرد على ابن الراوندي وكتابه (فضيحة المعتزلة)، وبفضل كتاب الخياط هذا الذي رد فيه فقرة فقرة على آراء ابن الراوندي ومؤلفاته، عرفنا شخصية ابن الراوندي وقيمته العلمية ومؤلفاته الكثيرة التي وضعها، وإن كان لم يصلنا منها إلا كتابان هما (الابتداء والإعادة) و(الفرند)، وفقرات من كتاب (فضيحة المعتزلة) كما وردت في كتاب الخياط.
ولم يقف المعتزلة عند هذا الحد في مهاجمتهم لابن الراوندي وطعنهم عليه، بل سعوا عند الخليفة لإيغار صدره عليه، فأمر بالقبض عليه، لولا أنه فر من بغداد ومات متخفياً في الكوفة.
وقد قال القاضي أبو علي التنوخي إن أبا الحسين (ابن الراوندي) كان يعاشر الملاحدة. وعندما سئل عن ذلك، قال إنه يريد أن يعرف معتقداتهم وأفكارهم. وقيل إن أباه كان يهودياً فأسلم، فقال اليهود للمسلمين إنه سيخرب عليكم دينكم كما فعل أبوه بديننا.
ويقول أبو العباس الطبري: (لم يستقم يوماً ابن الراوندي، ولم يستقر في مذهب ولا مسلك. وكتب كتابه (البصيرة) لليهود مقابل أربعمائة درهم استلمه من يهود سامراء، ثم عكف على رد المتاب بنفسه، فدفع له اليهود مائة درهم آخر ليمتنع عن الرد) (راجع (معاهد التنصيص) ).
والتقى ابن الراوندي بأبي علي الجبائي على جسر بغداد، وسأله: (هل سمعت معارضتي للقرآن؟) فأجاب أبو علي: (إنني أعرف قدرك وعلمك ورفاقك الملحدين، ولكن إذا أشهدت قلبك وضميرك، هل تجد ما يريحك ويرضيك عن فعلك هذا؟ وهل تجد أنسق نظماً وأجمل عرضاً وأوقع في النفس من القرآن؟). فأجاب ابن الراوندي: (لا والله). فقال أبو علي: (إذن، اذهب إلى حيثما شئت). (راجع (معاهد التنصيص) ).
وكلما زادت شقة الخلاف بين ابن الراوندي والمعتزلة كلما زادت الاتهامات الموجهة إليه، حتى قيل إنه يناصر اليهودية على الإسلام، بل قيل إنه يهودي، وإنه يلجأ إلى اليهود ويموت في أحضانهم.
ولم يذكر المؤرخون الذين تعرضوا لحياة ابن الراوندي الأسباب الحقيقية التي أدت إلى إلحاده وزندقته، فمنهم من قال إن الفقر هو الذي ورطه في هذا، ومنهم من قال إنه كان خاضعاً لليهود، ومنهم من قال إنه كتب في الإلحاد لأن هناك من أغراه بالمال على ذلك، حتى لقد قيل إنه تقاضى ثلاثين ديناراً عن تأليف كتاب (الإمامة).
وقد جاء في الفقرة 66 من كتاب (الانتصار) ما يناقض الحقيقة من ناحية، ويوضح مدى غضب المعتزلة وكرههم لابن الراوندي. يقول الخياط: لقد هجره أكثرهم (أي المعتزلة)، فبقي طريداً وحيداً، فحمله الغيظ الذي دخله على أن مال إلى الرافضة.. فوضع لهم كتابه (الإمامة) (الانتصار ص77).
والحقيقة أن ابن الراوندي وضع كتاب (الإمامة) قبل ظهور الخلاف بينه وبين المعتزلة، وأنه أغضب المعتزلة عندما وضع كتابه (فضيحة المعتزلة)، وأثار غيظهم وسخطهم فنسبوه إلى الإلحاد مرة وإلى الزندقة أو الثنوية واليهودية مرة أخرى.
ومات ابن الراوندي في أخريات القرن الثالث الهجري، وأغلب الظن أنه عاش ما يقارب ثمانين سنة. وذكر صاحب (كشف الظنون) أنه مات في 301 للهجرة (ج4 ص446 و5: 60). فإذا كانت ولادته كما قال أكثر المؤرخين قد حدثت في سنة 205 أو 215 للهجرة، فوفاته حسب (معاهد التنصيص) وقعت في سنة 298، كما أشار إلى ذلك ابن النجار.
وقال المسعودي في (مروج الذهب) (ج7: 237) بعد ذكر وفاة أبي عيسى الوراق في سنة 247 للهجرة: (وتوفي أبو الحسين أحمد بن يحيى إسحاق الراوندي في رحبة مالك بن طوق) وقال البعض في بغداد سنة 245 للهجرة عن عمر يناهز 40 سنة وقد ألف 114 كتاباً وبهذا يكون ابن الراوندي من معاصري عيسى الوراق.
وهذه قائمة ببعض مؤلفات ابن الراوندي، كما ذكرها الخياط في ثنايا رده على ابن الراوندي في كتابه (الانتصار) وسائر المؤرخين، ونبدأ بالكتب التي وضعها وهو مع المعتزلة، ثم الكتب التي وضعها بعد أن هجرهم واختلف معهم، أو كما يقول ابن البلخي الكتب التي وضعها وهو ملحد وزنديق:
1ـ كتاب الابتداء والإعادة (ذكره ابن البلخي)
2ـ كتاب الأسماء والأحكام (ذكره ابن البلخي)
3ـ كتاب خلق القرآن (ذكره ابن البلخي وابن النديم)
4ـ كتاب البقاء والفناء (ذكره ابن البلخي)
5ـ كتاب لا شيء إلا موجود (ذكره ابن البلخي)
6ـ كتاب الطبائع في الكيمياء (ذكره الانتصار وابن المرتضى)
7ـ كتاب اللؤلؤ (ذكره ابن البلخي)
وبعد انفصاله عن المعتزلة واختلافه معهم ألف الكتب الآتية:
8 ـ كتاب الإمامة (ذكره الانتصار وابن المرتضى)
9ـ كتاب فضيحة المعتزلة: وقد وضع الخياط كتاب (الانتصار) رداً عليه.
10ـ كتاب القضيب: سماه ابن البلخي: كتاب القضيب الذهبي (ذكره ابن البلخي وابن المرتضى وابن خلكان).
11ـ كتاب التاج: (ذكره الخياط وابن البلخي وابن المرتضى وابن خلكان) وذكره ابن النديم أن أبا سهل النوبختي رد عليه في كتابه (السبك) (الفهرست ص117).
12ـ كتاب التعديل والتجوير: زعم فيه أنه من أمرض عبيده، فليس بحكيم في ما فعل بهم ولا ناظر لهم ولا رحيم بهم، كذلك من أفقرهم وابتلاهم (الانتصار ص1).
13ـ كتاب الزمرد: ذكر فيها آيات الأنبياء فطعن فيها وزعم أنها مخاريق ـحسب كلام الخياطـ (ذكره ابن البلخي وابن المرتضى وابن خلكان والخياط).
14ـ كتاب الفرند: انتقد فيه الأنبياء، وقد رد عليه أبو هاشم (أشار إلى ذلك ابن المرتضى، ويقول ابن البلخي إن الخياط رد عليه) (وجاء ذكر هذا الكتاب عند ابن البلخي وابن المرتضى وابن خلكان).
15ـ كتاب البصيرة: (ذكره أبو العباس الطبري، وقال إنه ألف هذا الكتاب نزولاً عند رغبة اليهود وطعناً في الإسلام.
16ـ كتاب الدامق: ذكره ابن البلخي وابن المرتضى، وذكر ابن البلخي بأن الخياط رد على هذا الكتاب، وقال أبو علي الجبائي إن ابن الراوندي كتب هذا الكتاب بطلب من اليهود، وأثار غضب السلطان، وقد أمر بإحضاره لكنه هرب والتجأ إلى يهودي مات عنده.
17ـ كتاب التوحيد (ذكره الخياط في الانتصار (الفقرة 5) ).
18ـ كتاب الزينة (ذكره صاحب (كشف الظنون) 5: 9).
19ـ كتاب اجتهاد الرأي (ذكره ابن النديم في (الفهرست) ص177) وأضاف أن أبا سهل النوبختي رد على هذا الكتاب.
ويقول المستشرق الفرنسي نيبرغ (Nyberg) في تقديمه لكتاب (الانتصار) في بحث ممتع: (يجب ألا ننسى الدور الهام الذي اضطلعت به المعتزلة في هذه الفترة في ميادين العلوم والدين والسياسة. وقد توافقت بداية ظهورهم مع قيام الدولة العباسية، وازداد نشاطهم واتسع نفوذهم ولا سيما في أيام المأمون والمعتصم والواثق الذين استعانوا بالمعتزلة وأسندوا إليهم مناصب حكومية هامة فأصبح رجالهم من أصحاب الرأي والمشورة.
فهذا أحمد بن أبي دؤاد، وهو من زعماء المعتزلة، أصبح قاضي القضاة ووزيراً للخليفة العباسي بالإضافة إلى المنزلة التي كان يحتلها عند المعتزلة. وهكذا أصبح المعتزلة الحزب الذي يظفر بالتأييد الرسمي، كما كان أقوى المذاهب والطوائف آنذاك، حتى أن أصحاب الحديث والسنة من معارضيهم واجهوا مشكلات كثيرة انتهت بمحنة، كما حدث للإمام أحمد بن حنبل إمام الحنابلة الذي سجنه المعتصم وأفرج المتوكل عنه. واستمر نفوذهم إلى ما بعد وفاة الواثق الذي أعطاهم من الأهمية أكثر مما أعطاهم الخلفاء الذين سبقوه، فلما جاء المتوكل، واتخذ سبيلاً مختلفاً من أسلافه من حيث احترام أهل المذاهب والنحل، احتضن أهل السنة وأصحاب الحديث الذين طالما ترصدوا لهم، فهاجموهم شر هجوم، وانتقموا منهم أقسى انتقام. فأخذت المعتزلة تدافع عن نفسها وآرائها، وكتب الجاحظ كتابه: (فضيلة المعتزلة) في هذه الفترة.
وقد مر بنا أن ابن الراوندي وضع كتابه (فضيحة المعتزلة) في الرد على هذا الكتاب، ثم جاء الخياط ووضع كتابه (الانتصار) الذي بين أيدينا رداً على ابن الراوندي. وللاستزادة من البحث نحيل القارئ إلى ما كتبه نيبرغ: H.S. Nyberg, (Preface de Kitab AlIntisanr Abu Al Husayn B.Othman Al-Khayyat) Edition les lettres Orientales, Beyrouth,1957

علي العذاري
07-26-2012, 01:15 PM
ابن الراوندي والكيمياء:

كان ابن الراوندي، كما أشرنا من قبل، من الأفذاذ القلائل الذين تبحروا في العلوم المتداولة في عصرهم، ومنهم الكيمياء. ولا ننسى أنه كان من الطبقة الثانية من تلامذة الصادق (عليه السلام)، إذ أخذ العلم من أمثال جابر بن حيان.
وإذا قلنا إنه كان كيميائياً، فإنما نقصد به أنه كان خبيراً في خواص المواد والعناصر منفردة ومركبة، شأنه في ذلك شأن علماء الكيمياء في عصرنا الحاضر، ولا نقصد أنه كان يستخرج الذهب من المعادن الخسيسة كما قد يتبادر إلى الذهن كلما جرى الحديث عن الكيمياء في القديم.
والواقع أن الكيميائيين في القديم قد فشلوا أيضاً في استخراج الذهب من العناصر الأخرى، وأنفقوا من المال والجهد في سبيل الظفر بهذا المعدن الأصفر ما يفوق بكثير قيمة الذهب نفسه. ولم يختلف الوضع في العصور المتأخرة بالنسبة للكيميائيين الذين اجتهدوا في تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب.
ومن هؤلاء الكيميائيين في العصور الوسطى (نيقولا فلامل) الذي وضع كتاباً في الكيمياء، وعاش في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الميلادي، أي بعد وفاة ابن الراوندي بستة قرون. ومما قاله في كتابه (قانون استخراج الذهب أو تحويل العناصر الأخرى إلى الذهب) ما يلي:
(في اليوم السابع عشر من يناير سنة 1382، أخذت كمية من الجير الأبيض مع روح الجمر (الآكل) وتركتهما في قارورة من البلور، ووضعتهما فوق نار هادئة حتى أخذت تفور وتغير لونها إلى سواد، ومنه إلى بياض ناصع، ثم أخذ يشتد ويتحول إلى اصفرار، ثم وضعته في قارورة فيها زئبق، فبعدما سخنت الزئبق واختلط بالمادة التي أضفتها إليه، تكونت مادة غليظة بلون الذهب. فرفعت القارورة من النار، واندهشت إذ تبينت أن هذه المادة بعدما مالت إلى البرودة كانت ذهباً، ولكنها أقل منه صلابة. فكنت أتصرف فيها وأطويها كما أشاء، وهذه حقيقة).
وليس ثمة ريب في أن (نيقولا فلامل) قام بمحاولات عدة لتحويل العناصر المختلفة إلى ذهب، ولكن المؤكد أن الذي توصل إليه ليس بذهب. ولم يعد أحد يحفل بالقيام بمثل هذه التجربة لأن فشلها معروف سلفاً. وإن رغب أحد في إجراء هذه التجربة، فليدرك أن الزئبق يتحول بالحرارة إلى غاز سام.
وقد قيل إن ابن الراوندي كان كيميائياً، أي كان على علم بطريقة تحويل المعدن الخسيس إلى ذهب.
ولو صح هذا القول، لما احتاج ابن الراوندي إلى القيام بعمل الوراقين في استنساخ الكتب مقابل أجر زهيد.
وحياة ابن الراوندي الأصفهاني في منتصف القرن الثالث الهجري شبيهة إلى حد بعيد بحياة (إرازموس) المسيحي الهولندي الذي عاش في أوائل القرن السادس عشر الميلادي، واشتهر بكتابيه (ثناء الجنون) و(الأمثال). وقد غلبت على (إرازموس) صفة التدين والنسك على خلاف ما اشتهر به ابن الراوندي، ولا سيما من خلال كتابه (الفرند). ومع ذلك، فقد جاءت نهاية إرازموس شبيهة بنهاية ابن الراوندي، من حيث اتهام كليهما بالكفر والزندقة.
وقد ترجم (إرازموس) الكتب المسيحية المقدسة من اللغة اليونانية، وأتاح لأتباع المسيح الملتزمين الحصول على نص دقيق للعهدين القديم والجديد اللذين يتألف منهما (الكتاب المقدس).
ولما شاعت ترجمة إرازموس للعهد الجديد الذي يضم الأناجيل الأربعة، دهش المسيحيون إذ وجدوا أن هذا الكتاب المقدس خلا من التناقضات، وأن شخصيات أصحاب الأناجيل الأربعة ظهرت من خلال هذه الترجمة واضحة مستقلة. وبهذا قدم إرازموس خدمة جليلة إلى المسيحية والمسيحيين بعمله هذا، وكافأه عليه كثير من الملوك المسيحيين بما أرسلوه إليه من الهدايا التقديرية. وأنشأت جامعة (لوون) في بلجيكا كرسي أستاذية يحمل اسم (إرازموس) تقديراً واحتراماً، كما أن له تمثالاً ينتصب في حديقة محكمة العدل الدولية في لاهاي بهولندا.
ولكن، كيف تتهم شخصية علمية دينية من طراز إرازموس بالكفر والإلحاد؟ إن الجواب على هذا السؤال كامن في الأسلوب الذي انتهجه إرازموس، فلولا جهده في كشف المتناقضات وإيضاح المبهمات في الكتب المقدسة وصياغتها في قالب يسهل على الجميع فهمه، لما ظهر المذهب البروتستانتي الإصلاحي.
صحيح أن إرازموس لم يكن من مؤسسي هذا المذهب، ولكن ترجمته مهدت الطريق لظهوره. لذلك أن القس الألماني مارتن لوثر، لم يكد يقرأ ترجمة إرازموس للعهد الجديد، حتى هب إلى نقل هذا السفر المقدس إلى اللغة الألمانية إعجاباً به وتسهيلاً لفهم المسيحية على حقيقتها من جانب الشعب الألماني. ولعل لوثر لم يفكر آنئذ في الدعوة إلى مذهب جديد في المسيحية، ولكن ترجمته الجديدة كانت حافزاً على النهضة الدينية التي أطلق عليها اسم (البروتستانتية)، بمعنى الاعتراض على التقاليد الدينية السائدة وإصلاحها.
ولما انتشرت ترجمة مارتن لوثر للأناجيل الأربعة نقلاً عن ترجمة إرازموس، وشاعت بين الناس، انبرى بعض المتزمتين والمتعصبين من المسيحيين إلى اتهام (إرازموس) بأنه أدخل البدعة، ورموه بمحاولة إشاعة الفرقة بين المسيحيين من خلال ترجمته للعهدين القديم والجديد، وحكموا عليه بالهرطقة والكفر.
ولكن جماعة أخرى من الآباء المسيحيين المتنورين نفت عنه هذه التهمة وأيدته، وأرسل البابا (آدرين السادس) رسالة إلى (إرازموس) قال فيها إنه لا يشك في حسن نيته في ترجمة الكتاب المقدس، ولكن عليه إظهاراً لسلامة موقفه ودفعاً للشبهات أن يوضح رأيه في الحركة البروتستانتية.
ولم يكن إرازموس يفكر في مناصبة لوثر أو الحركة البروتستانتية الجديدة العداء، إلا أن رسالة البابا دفعته إلى نشر كتاب مفتوح نفى فيه تأييده للوثر وللحركة البروتستانتية. ومع ذلك، ما زال كثير من المهتمين بالدراسات المسيحية في هذا القرن (العشرين) يعتبرون إرازموس من مؤسسي الحركة الإصلاحية البروتستانتية.
أوردنا ما تقدم لكي نوضح أن أوجه الشبه بين (أرازموس) و(ابن الراوندي) في العقيدة الدينية قليلة إن لم تكن معدومة لأن الأول كان من رجال الدين الأتقياء، ولم يتوخ بترجمته للعهدين القديم والجديد إشاعة الفرقة بين المسيحيين، حتى وإن ظن أن هذا كان مقصده، في حين أن ابن الراوندي كان على النقيض منه تماماً من حيث الإيمان والسلوك.
والواقع أن ظهور ابن الراوندي في القرن الثالث الهجري كان من آثار حرية الرأي والبحث التي أرست مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) دعائمها، وجادت بيانع الثمار في النهضة العلمية الفريدة التي ظهرت في عصر الدولة العباسية. وقد حرص الشيعة على هذه الحرية، فكانت من أسباب استقرارهم وتوسعهم وتقدمهم، ولم نقرأ في تاريخ الشيعة أن حكم الإعدام قد نفذ في أحد لمجاهرته برأي يخالف العقيدة السائدة، ولا أن تهم الزندقة والإلحاد قد وجهت إلى أحد بسبب رأي فلسفي ذهب إليه أو خلاف في أمور العقائد، وغاية ما في الأمر أن الشيعة كانت تسمي معارضيها بالمخالفين أو المعاندين وحسب.
وقد وفق ابن الراوندي إلى تقديم كتابه (الفرند) إلى الخليفة العباسي المتوكل، الذي ألقى عليه نظرة متفحصة سريعة ولم يطالعه بتدقيق وإنعام نظر، ولكن هذه النظرة السريعة كانت كافية لإثارة غضبه وانتباهه، لأن ابن الراوندي ضمن كتابه فصلاً عن تاريخ شجرة السرو في كاشمر، وكان المجوس ينظرون إليها نظرة تبجيل اعتقاداً منهم بأن الزردشت هم الذين غرسوها(9).
ومما رواه ابن الراوندي أيضاً أن المسلمين كانوا بدورهم يقدسون هذه الشجرة ويجلونها، وهو قد كان يهدف من عرض القضايا التاريخية والاجتماعية إلى تعزيز رأيه الفلسفي، كما كان يقصد من عرضه لتاريخ شجرة السرو الكاشمرية أن يقول إن هذه الشجرة اكتسبت قداسة وألوهية عند الناس.
فلما قرأ المتوكل هذا الكلام، غضب غضباً شديداً، وقال: ما كنت أعلم أن في خلافتي وفي دار الإسلام شجرة خضراء يعبدها الناس، وفي سورة غضبه، طلب قطع هذه الشجرة واقتلاعها من جذورها خشية أن تنبت من جديد. وبعث بأوامره إلى طاهر بن عبد الله بن طاهر واليه على خراسان، طالباً منه أن يتحقق من هذا الأمر ويوافيه بتقرير عاجل.
فأوفد طاهر بن عبد الله جماعة لكي تتحرى صحة هذا الأمر، ثم كتب إلى الخليفة قائلاً: نعم، الشجرة قائمة، والناس يكنون لها احتراماً دون أن يعبدوها. وأضاف أنه لم يجد في خراسان أحداً يقول بألوهية هذه الشجرة.
ومما رواه القزويني أن الخليفة أمر بقطع الأشجار ونقل أغصانها وفروعها إلى بغداد، ومن غرائب المصادفات أن الأشجار المقطوعة وصلت إلى بغداد في نفس اليوم الذي قتل فيه المتوكل بيد ابنه المنتصر (236) هـ، وقيل وقتها إن المنجمين حذروا المتوكل من قطع هذه الشجرة لئلا يتعرض لحادث مؤلم.
ويقال إن مؤبد المؤبذان (الحراق) بخراسان دعا بالموت(10) على الخليفة عندما سمع أنه أمر بقطع هذه الشجرة.
أما النقطة الثانية التي أثارت نقمة المتوكل وحيرته في كتاب (ابن الراوندي) فهي كلامه عن آراء الناس في الله وفي التوحيد، فسأل الخليفة ابن الراوندي: هل قرأ كتابك هذا غيري؟ فأجابه: نعم، فزاد هذا في دهشته ونقمته، وقال: كيف يترك مثلك حراً بعد هذا الكفر؟
ثم قال لابن الراوندي: أنت أنكرت وجود الله، وتقول إن ما تعتقده الناس في الله أسطورة من الأساطير انتقلت من جيل إلى جيل؟ كيف تقول هذا؟ ومن خلق الخلق وأوجد العالم إذا كانت هذه الحقيقة في رأيك أسطورة؟
فلزم ابن الراوندي الصمت خوفاً من غضب السلطان وتحاشياً لنقمته وعقابه. فقال له الخليفة: إن من ينكر وجود الله، عليه إقامة الحجة على ذلك، ولولا هذا لأمرت بقتلك، فأجاب ابن الراوندي: يجب تصحيح قولي بأن أعظم الأساطير في حياة الإنسان هو تصوره عن الخالق.
فسأله المتوكل: ما قصدك من هذا الكلام؟
قال: إن تصورات الإنسان عن الخالق والمبدأ محاطة بالأوهام والأساطير، لأن فكر الإنسان يعجز عن إدراك الخالق أو معرفة أوصافه.
فقال المتوكل: إنني أقبل منك هذا الرأي والتوضيح، لكن عليك أن تضيفه إلى كتابك وتسجله بنفسك.
واستطرد ابن الراوندي يقول: من أعظم الأساطير في حياة الإنسان تلك الصورة التي يرسمها الإنسان بوهمه عن الخالق.
قال المتوكل: فإذن أنت تعترف بوجود الله، وتراه خالق كل شيء؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. أعترف بذلك.
فأخذ المتوكل يسأله عن النقطة الثالثة في كتابه (الفرند)، التي تدور حول النبوة وإرسال الرسل، وكان بعض الشيعة قد تصدى للرد على ابن الراوندي حول هذا الموضوع، ولكن المتوكل كان خالي الذهن عن ذلك.
وكان ابن الراوندي قد طعن في حجة المتكلمين حين أقاموا البرهان على وجوب إيفاد الرسل لإرشاد الخلق وهدايته، قائلاً: ليس بواجب على الله أن يرسل الرسل أو يبعث أحداً من خلقه ليكون نبيه ويرشد الناس إلى الصواب والرشد، لأن في قدرة الله وعلمه أن يجعل الإنسان يرقى ويمضي إلى رشده وصلاحه بطبعه، كما خلق الشجر والنبات وهي تنمو وتثمر دون أن يجعل لها نبياً.
فقال المتوكل: أنت أنكرت ضرورة إرسال ومهمة الأنبياء، وأنت بهذا تنكر أصلاً من أصول الإسلام؟
وعلى الفور انتقل ابن الراوندي إلى ما كتبه بعض الشيعة في الرد عليه، وبدأ يوضح للخليفة أنه يقصد من هذا الكلام الرد على المعتزلة، وأنه لا يشك في أن الإنسان يختلف عن الحيوان والنبات، وأنه بحاجة إلى رعاية وتربية منذ الولادة إلى آخر يوم من أيام حياته، وأن الإنسان خلق ليعيش مع غيره ويستأنس بمثله، يقتدي به ويقلده ويأخذ عنه، ومن مقتضى العقل أن يكون الأخذ والتقليد من الإنسان الكامل، فكيف لو كان نبياً مرسلاً؟ وهكذا ينتظم المجتمع الإنساني، ويرقى الإنسان ويسير نحو الكمال.
فقال الخليفة: فإذن أنت مقر برسالة الأنبياء والكتب المرسلة؟
قال ابن الراوندي: نعم.
فطلب منه الخليفة أن يسجل هذا بخط يده، ففعل.

علي العذاري
07-26-2012, 01:18 PM
الموت في رأي ابن الراوندي:
من المسائل الهامة التي تعرض لها ابن الراوندي في كتابه (الفرند) مسألة الموت، وقد استثار هذا الرأي انتباه المتوكل، فسأله: ما معنى هذا الكلام الذي تنسبه إلى الحكيم فيثاغورث حيث يقول: (ما دمت موجوداً، فلا موت، وإن جاء الموت، فلا وجود لي، فلا داعي إذن للتفكير في أمر ليس لي به شأن وأنا حي؟) أو ليس هذا هو كلام المشركين الذين ينكرون حقيقة الموت والبعث؟ أو ليس هذا كلام حكماء اليونان الملحدين؟
فأجاب ابن الراوندي قائلاً: يا أمير المؤمنين، لم أحاول أن أطرح هذه المسألة من الناحية الدينية، وإنما أوردت آراء الحكماء السابقين في الموت، وكيف أن سر الموت لا سبيل إلى معرفته، فالإنسان منذ ما خلق وهو يبحث عن سر الموت لكي يحول دون وقوعه، فأخفق حتى الآن في هذا السعي، وقد لا يوفق في الاهتداء إلى سره إلى الأبد.
فقال المتوكل: إذا عرف المرء كيف يحافظ على توازن جسمه، وكيف ينهار هذا التوازن، فلعله يعرف سر الموت ويحول دون وقوعه.
فدهش ابن الراوندي لذكاء المتوكل ودقة تعبيره، وعقب عليه قائلاً: يا أمير المؤمنين، هذه وظيفة الأطباء الحكماء والمتكلمين.
فقال المتوكل: إن التحقق من سر الموت ومعرفة مصير الإنسان لا ينحصر في الأطباء وحدهم، لأن لعلماء الدين والتفسير دوراً أهم في معرفة سر الموت من خلال تفسير الآيات القرآنية، وتدبر معانيها وما ترمز إليه.
ويفهم من كلام المتوكل هذا أن المسلمين كانوا في هذه الحقبة التاريخية يعتقدون بأن للآيات القرآنية معاني ظاهرة ودلالات خفية أو معاني باطنية، وأن استكناه المعاني غير الظاهرة ليس في مقدور أي مسلم أو أي إنسان.
ومنذ ما ظهر الاعتقاد بالوجه الظاهري والوجه الباطني للآيات القرآنية في مطلع القرن الثاني الهجري، وهذا الاعتقاد آخذ في الاتساع ولا سيما في القرنين الثالث والرابع للهجرة، حتى لقد ظهرت فرقة إسلامية عرفت ب (الباطنية)، لأنها كانت تفسر الآيات القرآنية وتؤلها بمعانيها غير الظاهرة.
ويتصور البعض أن الشيعة وحدهم هم الذين يعتقدون بوجود معان باطنية أو غير ظاهرة للقرآن الكريم، في حين أن هذا الاعتقاد كان شائعاً لدى المسلمين منذ القرن الثاني للهجرة، وكانوا يستشهدون على وجود المعاني الظاهرة والباطنة بآية قرآنية تشير إلى هذا(11) .
وكانوا يعتقدون كذلك بأن لكل من يعرف المعاني الباطنية والخفية في القرآن الكريم مرتبة تدنو من مرتبة النبي (صلى الله عليه وآله)، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يعلم حقائق القرآن بالوحي، فإن عرفها غيره كانت له مرتبة رفيعة في العلم. ومن رأي الشيعة أن الأئمة كانوا يعرفون حقائق القرآن بفضل اقترابهم من الرسول (صلى الله عليه وآله) وتوارثهم لعلمه وفضله.
وكان لابن الراوندي آراء في الموت تسترعي الاهتمام وتثير الدهشة، منها قوله في نظرية له بأن (الناس جميعاً لا يعلمون كيف يموتون، ولو جرب الإنسان الموت ما أدركه أو عرفه حق المعرفة، وإن معاينة موت الآخرين لا تعلم الإنسان شيئاً عن أسرار الموت).
وله نظرية ثانية تقول: (لا يسع أحداً أن يعد نفسه ميتاً، لأن هذه الحالة تستحيل مع الحياة، لأن المرء إن تخيل أو ظن بأنه ميت، كان هذا التخيل أو الظن في حد ذاته دليلاً على أنه حي وليس بميت، لأن التفكير والتخيل والظن هي من خصائص الأحياء). ومؤدى نظريته الثالثة أنه (لا يسع أحداً أن يشعر بعد موته بأنه جسد ميت، لأن هذا الشعور يتنافى مع الموت الحقيقي الذي يموت معه كل شعور أو إحساس).
ويضيف ابن الراوندي إلى ذلك قائلاً (إن الميت ينسلخ من شعوره الباطني أو ضميره، لأن الضمير من خصائص الحياة. ولو أن ميتاً عرف نفسه، وشعر بأنه في حالة معينة، لكان معنى ذلك أنه ليس بميت، لأن الميت لا يشعر بشيء ولا يفطن إلى من حوله، ولا يعرف أهله والمجتمعين من حوله، ولا يشعر ببكاء الغير على فقدانه، ولو حدث شيء من هذا القبيل، لكان غير ميت).
وتقول النظرية الرابعة لابن الراوندي إنه (لا يسع الميت أن يتصور نفسه في العالم قبل الموت، ولو مات أبو الحسن (كنية ابن الراوندي نفسه) ووضع في قبره، لم يتأت لهذه الجثة الهامدة أن تتصور نفسها في عالم ما قبل الموت، أو أن تشعر بأنها أبو الحسن).
وأما النظرية الخامسة لابن الراوندي، فمؤداها (أن النظريات الأربع التي سبق إيرادها مستمدة من كون الإنسان عاجزاً عن إقناع نفسه بأنه سيموت، وبأنه سينعدم من هذا الوجود، فلدى الإنسان شعور بأنه لن يموت أبداً، وأنه حين يثوي في قبره سيعيش ويبقى حياً، وإن يكن ذلك بطريقة أخرى وبنشأة تختلف عما كان عليه في هذه الدنيا).
ومما يعزز هذا الاعتقاد أن الإنسان يرقد نائماً في كل يوم ثم يصحو من نومه، مما يجعله يعتقد بأن الموت شبيه بالنوم، وبأنه سينهض منه كما ينهض كل صباح من نومه، ثم إن الأحلام التي يراها النائم تعزز هذه الفكرة بدورها وتطرد من مخيلته فكرة الموت أي العدم) ويقول ابن الراوندي في كتابه (الفرند): (إن الإنسان قد يرى نفسه ميتاً في الحلم، في حين هو حي، فيزيده ذلك اعتقاداً بأن حالة النوم لا تختلف عن الموت في شيء، وبأن الموت شبيه بالنوم الطويل العميق، وبأن الإنسان الراقد في سبات الموت يعرف نفسه ويرى ما حوله ويدرك ما يجول في خاطره.
ولكن الواقع خلاف ذلك، لأن الجسم البشري متى فارقته الروح وأدركه الموت، يفقد كل شعور وإحساس، ثم تدب فيه عناصر البلى شيئاً فشيئاً، ويتحول إلى عناصر وأجسام أخرى، كما أن الشعور والأحلام والخواطر إن هي إلا من فعل الجسم البشري الحي).
وفي هذا المقام يستشهد ابن الراوندي بما درج عليه المصريون القدماء من تحنيط أجساد الموتى اعتقاداً منهم بأنهم عائدون إلى الحياة من جديد، ولهذا فإنهم كانوا يحاولون الاحتفاظ بالجسم سليماً ليتسنى للروح العودة إليه بعد ذلك متى أرادت. ولكنه يأخذ على المصريين تجريدهم أجسام الموتى المحنطة من الأمعاء والقلب، قائلاً: كيف لجسم كهذا أن تدب فيه الروح متى عادت إليه مرة أخرى؟
هذه طائفة من الآراء الجريئة التي نادى بها ابن الراوندي وأحدثت ضجة كبيرة في بغداد كادت تنتهي بقتله بتهمة الإلحاد والكفر، لولا توبته في محضر الخليفة المتوكل.



1 - يقابل هؤلاء اليوم، المستكتبون في الصحف الذين يكتبون بالنيابة عن رئيس التحرير أو صاحب الصحيفة.
2 - وهي بمثابة الفنادق أو النزل اليوم.
3 - (متعهدوا النشر والتوزيع).
4 - مدينة استراسبورغ Strasbourg مدينة أوروبية تحتضن جامعتها مركز الدراسات الدينية المتعمقة، ومنها الدراسات الإسلامية التي يضم هذا الكتاب بعضاً منها. وقد ولد غوتنبرغ (1400ـ 1468م) في هذه المدينة حيث اخترع المطبعة الحديثة التي تطبع بحروف منفصلة، فأحدث ثورة في حركة نشر الكتب. واستراسبورغ هي اليوم عاصمة أوروبا الغربية. (المترجم).
5 - الجسم المضاد يعرف في الإنكليزية باسم ANTIBODIES وفي الفرنسية باسم Anticorps
6 - الخلية Cellule هي الوحدة الحيوية الصغرى، فإذا انقسمت، تولدت خليتان سرعان ما تكتمل كل منهما نموها، وتعاودان الانقسام وهكذا دواليك إلى أن يزداد عدد الخلايا الناشئة عن سلسلة الآنقسامات هذه ملايين في فترة قصيرة. (المترجم).
7 - التوكسين سموم تولدها الأجسام كما تولدها المواد الغذائية الدسمة التي تولد كمية كبيرة من الطاقة دون استهلاك الجسم لها. (المترجم).
8 - هذا الفصل بحث قام به مترجم هذا الكتاب.
9 - أورد القزويني في كتابه (آثار البلاد) وصفاً لهذه الشجرة وما تحظى به من تبجيل من الناس، ولكن يؤخذ من هذا الوصف أنها ليست شجرة سرو بل شجرة (وهي الأثل) المعروفة بضخامة جذوعها وقدرتها على التعمير قروناً طويلة، ولا سيما في منطقة خراسان، وما زال الناس يشاهدون هذه الشجرة في جنوبي خراسان ويولونها من التبجيل ما استأثرت به في أزمنة التاريخ المختلفة. (المترجم).
10 - يقول الأستاذ نوبخت، وهو من الأدباء المعاصرين، إن شجرة السرو التي أمر المتوكل بقطعها كانت في (كشم)، وهي قرية في ناحية (بست) من توابع نيسابور، وهناك كشم أخرى في سيستان، والثالثة جزيرة في الخليج الفارسي. (جريدة خاك وخون /24 بهمن 1347) (المترجم).
11 - الآية المقصودة هي السابعة في سورة آل عمران وقد جاء فيها: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم

علي العذاري
07-26-2012, 01:21 PM
الأدب عند الإمام الصادق (عليه السلام)




تطرقنا في ما سبق إلى تاريخ ابن الراوندي في عاصمة الخلافة العباسية، متوخين من ذلك تجلية معالم المدرسة التي أنشأها الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) وأعلى فيها مكانة الحرية في التعبير عن الرأي وإجراء البحوث، حتى أن الذين عارضوا آراء هذه المدرسة لم يتعرضوا لأدنى أذى أو تهديد بسبب إتيانهم بآراء معارضة.
وها هو ذا ابن الراوندي، كتب وألف ونشر آراءه الشاذة في مناطق الشيعة فلم يلحقه أي أذى، وكان قصاراه أن العلماء انبروا لنقد آرائه والرد عليها بالأسلوب العلمي، مع أن هذه الآراء هي عينها التي جلبت عليه المخاطر في عقر دار الخلافة العباسية مرتين، مرة من جانب الخليفة العباسي، ومرة من جانب الفرق الدينية المتزمتة، ولولا تدخل صاحبه عباس الصرم الوراق، لحكم عليه بالموت.
وكان من أسباب استمرار الثقافة والمعارف الجعفرية وقدرتها على تخطي المراحل الصعبة أن هذه المعارف قامت على أصول أربعة، أولها هو الدين أو المذهب، فهو ركنها الركين، أما الأركان الأخرى فهي الأدب، والعلم، والعرفان.
ولا نعرف في تاريخ الأديان في العالم مذهباً أو ديناً اهتم إلى جانب أمور العقيدة بأمور الأدب والعلم اهتمام المذهب الجعفري بهما. بل بلغ الاهتمام بالأدب في مدرسة جعفر الصادق (عليه السلام) مبلغاً جعل الباحثين يتساءلون عن أيهما كان الأهم عند الإمام: الأدب أم المذهب، والعلم أم الأدب؟
وكان من رأي الإمام الصادق (عليه السلام) أن العلم والأدب يعمقان إيمان المؤمن، وأن قيمة كل امرئ ما يحسنه. وكان يقول إن إيمان العالم أعمق من إيمان العامي، وإن العامي لن يعرف حدود إيمانه، ومبدأه ومنتهاه، ولن يسلم من التغيير والتبديل إلا إذا تعلم وأصبح إيمانه إيمان علم ووعي وفهم وإدراك.
وضرب الإمام للناس أمثلة استقاها من التاريخ، فقال إن الإسلام انتشر في ربوع الأرض انتشاراً سريعاً ودخله الناس أفواجاً، ولكن أهل العلم والأدب في الأمم الأخرى تريثوا حتى استيقنوا من حقيقة الإسلام، وعرفوا نظمه، واتضحت لهم مزاياه الاجتماعية والمعنوية، ثم أقبـــلوا عليه وسخروا ملكاتهم العلمـــية في استيعاب الدين وعلـــوم القرآن وفهـــمها ونشرها(1) .
وتعريف الأدب عند الإمام الصادق (عليه السلام) تعريف فريد ليس له مثيل. فهو يقول إن الأدب هو لباس العلم والفكر الذي يقر بهما من فهم السامع والقارئ، وبهذا التعريف وضع الأدب في موضعه الحقيقي، دون أن ينتقص من منزلة العلم والفكر. فللعلم قيمته، وللأدب زينته، وهو الوسيلة التي تقرب العلم إلى الأذهان.
وهذا أشمل تعريف للأدب منذ اثني عشر قرناً ونصف قرن، أي منذ وفاة الإمام الصادق (عليه السلام)، فلم يأت أحد بتعريف أجمع منه أو أوجز.
وللإمام تعريف آخر للأدب مؤداه أن الأدب قد لا يكون علماً، ولكن لا علم يخلو من أدب، وهذا بدوره تعريف جامع موجز أيضاً لعلاقة الأدب بالعلم.
وليس في وسعنا أن نجزم بأي الموضوعين كان أعز على الإمام وأقرب إلى قلبه: العلم أو الأدب، ولا يسعنا أن نعرف هل كان الإمام مثلاً يفضل الشعر على الفيزياء، أو نقيض ذلك.
والذي نراه في مجتمعنا الحاضر أن قلة من الناس هي التي يتساوى عندها حب العلم وحب الأدب، أما الأكثرية فينصرف اهتمامها إما إلى العلم وإما إلى الأدب. والذي ينهج نهجاً أدبياً، يرى في غيره قوماً ماديين لا يستهدفون إلا غايات مادية(2) ، (http://ebook/www.14masom.com/14masom/08/mktba8/book01/19.htm#2%29%D8%8C) ولكنه يرى في الأدباء قوماً رق ذوقهم ولطف تفكيرهم وتميزوا على غيرهم بقوة الخيال وشفافية الذوق ودقة الفهم.
أما الذي ينهج نهجاً علمياً، فهو يرى في الأدب ملهاة ومسلاة، ويعتقد أن الانصراف إلى الأدب ليس من دواعي العقل السليم، لأن الأدب لا يشبع من جوع.
وليس يهمنا رأي شاذ تقول به فئة من الناس انحازت إلى العلم، حتى قبل عصر المخترعات والصناعة، فلما تمخض العلم عن الصنعة، وجلبت الصنعة ثروات طائلة لهؤلاء القوم، استهانوا بالأدب، وفضلوا عليه العلم.
أما الإمام الصادق (عليه السلام) فقد كان من القلائل الذين أولوا العلم والأدب اهتماماً كبيراً، واستوى عندهم طالب العلم وطالب الأدب. وكان يقول:

ليس اليتيم الذي قد مات والده إن اليتيم يتيم العلم والأدب
وكان العرب قبل عصر الإمام الصادق (عليه السلام) يعنون بالأدب الشعر، وهناك آثار من الأدب المنثور نلمحها في العصر الجاهلي(3) ، (http://ebook/www.14masom.com/14masom/08/mktba8/book01/19.htm#3%29%D8%8C) ولكن الآثار الأدبية المنثورة كانت قليلة في القرن الأول من تاريخ الإسلام، باستثناء ما أبدعه المسلمون في هذه الفترة، وفي طليعتهم الإمام علي (عليه السلام)، الذي كان من أمراء النثر، وكانت خطبه في المناسبات المختلفة ذروة في البلاغة النثرية. وقد قام واحد من أحفاده بجمع خطبه في كتاب أسماه (نهج البلاغة)(4) .
وبفضل الإمام الصادق (عليه السلام) وتشجيعه للأدب عند العرب، ظهرت كتابات منثورة اعتباراً من هذا العصر.
وقد قيل إن الإمام الصادق (عليه السلام) هو أول من رصد جائزة أدبية في تاريخ العرب، ولكن إذا كان المقصود بالجائزة الأدبية هو إعطاء الأديب أو المؤلف مبلغاً من المال، فإن جائزة الإمام (عليه السلام) تختلف عن ذلك، لأن العرب اعتادت منح جوائز إلى الشعراء وتقريبهم من الحاكم، وهي عادة استمرت بعد الإسلام، فكان الشعراء يمدحون الولاة تقرباً منهم.
ولكن العرب لم تألف تقريب أصحاب الأدب المنثور أو مؤلفي الدراسات الأدبية أو التاريخية إلى الولاة. وهنا جاء صنيع الإمام الصادق (عليه السلام) صنيعاً مقدراً.
والذي لا ريب فيه أن الإمام الصادق (عليه السلام) شجع الأدب بنوعيه المنثور والمنظوم، وعين جائزة له، ولكننا لا نعلم على وجه اليقين هل كان هو البادئ بهذا أو أبوه الإمام الباقر (عليه السلام).
وكانت هيئة التحكيم تتألف في بادئ الأمر من الإمام نفسه واثنين من تلاميذه، ثم أصبحت تتألف من خمسة أعضاء، وتعطى الجائزة باتفاق ثلاثة منهم.
وكان من عوامل انتشار الأدب وذيوعه في أيام الإمام الصادق (عليه السلام) أن الإمام لم يكن يفرض على الناس رأياً بعينه أو اتجاهاً منصوصاً عليه في الكتابة. فكان الأديب يختار الموضوع الذي يتفق مع رغبته وذوقه، كما كان الإمام من ناحيته يرحب بالأثر الأدبي، منثوراً أو منظوماً، ويتقبله برحابة صدر وإنعام نظر.
وفي رأيه أن الأديب هو الذي يبدع أثراً في النظم أو النثر يتفق مع تعريف الإمام (عليه السلام) للأدب، وليس كل ما أوتي قدرة على ارتجال القصائد أو الخطب أو المواعظ، كما كان يرى أن الأدب ضرورة للثقافة الدينية، بل هو ضرورة لتعزيز مكارم الأخلاق في نفوس الناس وإعلاء شأنها والسمو بها(5).
وكان من رأي الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أن نشر المعارف الشيعية التي أقيمت أركانها على أربعة دعائم، هي المذهب والأدب والعلم والعرفان، أهم من بناء مراكز وإقامة مؤسسات ضخمة للشيعة، كما هو الشأن عند الكاثوليك مثلاً. وكان يرى أن المجتمع الذي يتحلى أفراده بالعلم والأدب، والذي يبرأ من الظلم والعدوان على حقوق الغير، هو المجتمع الذي تنتظم فيه العلاقات بين أفراده، وتطرد أمورهم في سهولة ويسر.
ولهذا لم يشيد الإمام الصادق (عليه السلام) لأتباعه مركزاً ضخماً أو صرحاً باذخاً ككنيسة القديس بطرس(6) في الفاتيكان، ولكن الرصيد الذي خلفه من التراث الثقافي كان أدعى إلى الاستمرار والحيوية من الصروح البابوية الباذخة، فقد كان يدرك أن المشيدات من الأبنية قد تنهدم، كما كان مصير المبنى الأول لكنيسة القديس بطرس، ولكن المعارف والعلوم الشيعية التي أرسى الإمام قواعدها قويت رغم جميع المناوئين والمعارضين.
وقد شيدت كنيسة القديس بطرس للمرة الأولى بأمر من الإمبراطور قسطنطين الروماني، وكان أول إمبراطور مسيحي، واستغرق بناؤها عدة سنوات منذ شرع فيه عام 326م، ولم تلبث هذه الكنيسة أن هدمت بأمر من البابا يوليوس الثاني، وشيدت في مكانها الكنيسة الحالية، وهي بدورها تحمل اسم القديس بطرس.
ولو انصرف اهتمام الإمام الصادق (عليه السلام) إلى بناء العمائر أو المدارس العظيمة المشيدة، لكان من الميسور هدمها بفعل الأحداث أو المناوئين، ولاندثرت آثارها في يومنا الحاضر. ولكنه آثر أن يرسي أساس ثقافة دينية لا تزعزعها الأعاصير، فطاولت الزمن ولم يقو المناوئون على القضاء عليها. وحرص الإمام على توطيد أركان الدعائم الأربع التي سبق ذكرها، بحيث أن القرن الثاني الهجري لم يكد ينقضي حتى انتشر العلم والأدب في ربوع العالم الإسلامي، وانطلقا به إلى عصر النهضة.
فلولا مدرسة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) ولولا تشجيعه الشخصي لجميع جوانب العلم والأدب، لما ازدهرت العلوم في العالم الإسلامي في القرنين الثالث والرابع للهجرة، وأن الذين ينسبون إلى الخلفاء العباسيين فضلاً في الازدهار الذي عرفته العلوم في العالم الإسلامي آنذاك، يخطئون في تقديرهم وحكمهم، لأن الخلفاء العباسيين الأوائل كان همهم الشاغل توطيد أركان حكمهم والقضاء على الأمويين وخصومهم، أما الخلفاء الذين أتوا من بعدهم، فلم يعرف عنهم إلا الانغماس في الملذات والفسق والشراب ومجالس اللهو واللعب، مما استفاضت أخباره في كتب السير والتاريخ، ولئن نسب إلى المأمون والمتوكل اهتمامهما بالعلم، فأن هذا لم يشغل من وقتهما إلا جانباً صغيراً، وإن قلة قليلة من مجموع الخلفاء العباسيين السبعة والثلاثين الذين تداولوا الحكم في معظم العالم الإسلامي طوال خمسمائة عام هي التي عزفت عن الملذات وانصرفت إلى العلم والأدب. وقد اضطلعت هذه القلة القليلة بدور كبير في تطوير العلوم والحضارة الإسلامية، بفضل ما توافر لها من الإمكانيات المادية الضخمة التي مكنتها من تقديم الهبات والعطايا السخية إلى العلماء والشعراء والأدباء، واجتذابهم من أقطار الأرض وتشجيعهم على التأليف والاستنساخ، فضلاً عن قيامهم بتأسيس دار الحكمة في بغداد.
ومما يذكر أن العرب في الجاهلية(7) كانت لهم عناية فطرية وتقليدية بالشعر، أي الأدب المنظوم.
يقول الفيلسوف الألماني شوبنهاور(8) إن البدوي العربي كان يستمع إلى إنشاد المقطوعات الشعرية فراراً من الكسل وتزجية للوقت.
وهذا الرأي لا ينسحب على العرب وحدهم، وإنما ينسحب على الناس جميعاً، لأن شوبنهاور كان يقول بأننا إذا استثنينا الوقت الذي يصرفه المرء في تحصيل الكسب، فإن كل الجهد الإنساني إنما ينصرف إلى الاهتمامات الشخصية وإزجاء الوقت.
وقد علق هذا الفيلسوف فوق مكتبه لوحة كتبت عليها عبارة (عدوك من دعاك إلى غداء أو عشاء، فمنعك بذلك عن العمل). ولا يسعنا إلا أن نقول بمنطق شوبنهاور نفسه إنه اشتغل بالفلسفة فراراً من البطالة، ذلك لأنه كان يدرس الفلسفة ويرتزق منها.
كان ديدن الشعراء العرب في الجاهلية وما بعدها التقرب من رؤساء القبائل والأمراء ونظم قصائد المدح فيهم، ولكن شعراء الجاهلية كانوا يتوخون الاعتدال في المديح ولا يذهبون في المغالاة مذهب الشعراء الذين جاءوا بعدهم في العصر الإسلامي والعصور المتأخرة.
ويعتقد البعض بأن أسواق العرب كعكاظ وسواها كانت مقصد الشعراء طمعاً في الأموال والهبات، ولكن الواقع أن هذه الأسواق كانت منصوبة لخدمة الأدب، وكان لها دور ثقافي واجتماعي هام في حياة العرب. وكان الشعراء يتسابقون في نظم قصائد التفاخر أو المديح أو الهجاء تحقيقاً لمآرب لا طلباً للعطايا والهبات.
ولكن هذه الأسواق لم تعرف إلا قصائد الشعراء وكلامهم المنظوم. أما الخطباء الذين ينثرون الكلام نثراً أو يجودون العبارة تجويداً، فلم تكن أسواق عكاظ وسواها تعرفهم، لأن النثر كان أدنى منزلة من الشعر. فلما جاء القرآن الكريم في لسانه المبين، أقام البرهان للعرب على أن الأدب المنثور قد ارتقى إلى قمة فاقت الأدب المنظوم، وحاول العرب تحدي لغة القرآن، فكتبوا (مقامات) تنكبت طريق الجد، ولكنهم أخفقوا في مساعيهم، وأصبحت اللغة القرآنية إعجازاً في البلاغة، ونموذجاً رفيعاً في الفصاحة، يستشهد بآياته وتستخرج منه الحكمة والأمثال في السياق الأدبي وفي السياق الديني في آن واحد.
ويعد القرآن الكريم أصلاً من أصول اللغة، بأسلوبه النثري الرائع، ولا غنى لأديب أو كاتب عنه لأنه أروع آيات البيان، وقد عجزت العرب عن الإتيان بمثله أو محاكاته. فلما جاء الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وحفيده علي بن الحسين(عليه السلام) اجتهدا في صنع أسلوب قرآني بلاغي فريد، فترك الأول مجموعة خطبه مسجلة في كتاب (نهج البلاغة)، وهي فصول في الموعظة والحكمة والسياسة والأدب، وترك الثاني كتاب (الصحيفة السجادية) وهو يضم أروع النماذج في الدعاء والابتهال إلى الله ومناجاة الحبيب، مما يردده كل عارف بالله وزاهد وصوفي (حقيقي).
ثم جاء الإمام الصادق، حفيد علي بن أبي طالب (عليه السلام) فشجع الناس على الكتابة، ودفع تلاميذه وأصحابه إلى التأليف والتصنيف، فاستهل بذلك عهداً جديداً من عهود الأدب المنثور، ولا غرو، فقد مر بنا قوله:

ليس اليتيم الذي قد مات والده إن اليتيم يتيم العلم والأدب



1 - وهذا ما نشاهده فعلاً حتى في عصرنا الحاضر فهذا روجيه غارودي مثلاً..
2 - بمعنى أنهم لا يهتمون بالقيم الجمالية التي تبثها الآداب في النفوس...
3 - في العصر الجاهلي خطباء اشتهروا بالفصاحة والبلاغة، واحتفظ التاريخ الأدبي بمقتطفات من خطبهم وأحاديثهم، ومنهم قس بن ساعدة وقد عاصر الرسول (صلى الله عليه وآله). ولعل المؤلف يقصد أنهم لم يتركوا مؤلفات وآثاراً أدبية منثورة بالقدر الذي خلفه الشعراء. (المترجم).
4 - هو السيد الشريف الرضي الشاعر الأديب محمد بن الحسين بن موسى من أحفاد الإمام الكاظم عليه السلام توفي سنة 406 هـ.
5 - أي أن للأدب ـفي رأي الإمام الصادق عليه السلامـ مهمة أو دوراً في المجتمع فهو الأدب الملتزم بقضايا هذا المجتمع والساعي إلى تطبيق القيم ومكارم الأخلاق فيه لضمان سعادته.
6 - كنيسة القديس بطرس الشهيرة في الفاتيكان بروما وتعرف في الفرنسية بسان بيير، وفي الإيطالية بسنت بطر وباللاتينية بسانكته بطروس هي أعظم كنائس العالم وأجملها، ويقع المقر البابوي بالقرب منها، ويزورها كل عام ما لا يقل عن 15 مليون زائر من جميع أنحاء العالم، ومنذ أربعمائة عام وهناك هيئة فنية قوامها أكثر من 50 شخصاً تعمل بمعاونة نحو مائة عامل في صيانة هذا الأثر الفني العظيم وترميمه وتجديده بصورة مستمرة، وتسمى هذه الهيئة بالإيطالية (سام بيه ترى)، وهي تضم مجموعة من المهندسين المعماريين = الإيطاليين، وهذه الكنيسة التي استغرق تشييدها 120 عاماً، تمثل الطراز المعماري لعصر النهضة في أوربا عامة وإيطاليا خاصة، وحرصاً من الدول المحاربة على هذا الأثر الباذخ، امتنعت أمريكا وبريطانيا عن ضرب روما بالقنابل في الحرب العالمية الثانية.
7 - يقول أحمد أمين في كتابه (ضحي الإسلام) عند عرضه لخصائص الأمم الإسلامية ومميزاتها: (اشتهر العرب مثلاً بالقدرة على الشعر، حتى قال أحمد بن أبي دؤاد: ليس أحد من العرب إلا وهو يقدر على قول الشعر طبعاً ركب فيهم، قل أو كثر). (الأغاني جزء 20 ص51، ضحى الإسلام ج1 ص5/ دار الكتاب العربي بيروت).
8 - آرثر شوبنهاور Schopenhauer (1788ـ 1860م) فيلسوف ألماني ولد في مدينة دانتزيغ، واشتهر بمذهبه الفلسفي المتشائم، إذ أنه قال إن الألم رفيق دائم للإنسان في كل حياته، ما دام الإنسان عاجزاً عن تحقيق جميع رغباته، ولا خلاص للمرء من الآلام إلى آخر لحظة من عمره. وأشهر مؤلفاته كتاب عنوانه (دنيا الرغبة والتأمل) أو (عالم باعتباره إرادة وفكرة). وفي عرفه أن قيمة الإنسان الحقيقية كامنة في الأخلاق، وما الأخلاق إلا إحساس بآلام الغير. وهو لا يرى للأدب أو للعلم قيمة، إذ يقول أن الإنسان إذا تألم في بطالته وفراغه توسل بالأدب والعلم ليملأ هذا الفراغ، وتوسل بهما أيضاً من قبيل التفاخر بذلك على عقدة النقص والدونية فيه.

علي العذاري
07-26-2012, 01:23 PM
نقد التاريخ عند الإمام الصادق (عليه السلام)




النصوص الأدبية هي تراث منسوب إلى ذويه يتقبله الناس جيلاً بعد جيل دون أن يحاولوا التصرف فيه أو تغييره، لأنه أدب باق له خصائصه الذاتية، ومن هذه الشاكلة شعر الشاعر الإنجليزي شكسبير الذي طاول الدهر، وهو محتفظ بجميع خصائصه.
أما التاريخ، فهو وإن كان بدوره علماً منقولاً، إلا أنه لا يكتسب حصانة التراث الأدبي، ولا بد للمؤرخ الناقد من إخضاعه للعقل والمنطق لمعرفة وجه الحق ووجه الزيف فيه، ومن ذلك مثلاً تاريخ موقعة واترلو(1) وما كتب عنها من وجهات النظر المختلفة.
وقبل أكثر من اثني عشر قرناً أمر الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) بتحكيم العقل في تناول القضايا التاريخية ومعرفة حظها من الصحة أو الزيف، وهو في هذا يطبق المناهج التي يطبقها المؤرخ الناقد في عصرنا الحالي.
ومما قاله المؤرخ اليوناني هيرودوت في مقدمة كتاب له (إن كل ما لا يقبله العقل لا يلقى منه قبولاً) ومع ذلك أورد هيرودوت في تاريخه أساطير لا يقبلها العقل.
وفي التاريخ الإسلامي يعتبر الإمام الصادق (عليه السلام) أول من نظر في الروايات والتاريخ بعين النقد والتمحيص، فكان بذلك قدوة وإماماً ومرشداً لإمام المؤرخين ابن جرير الطبري الذي آلى على نفسه ألا يسجل إلا الرواية الثابتة وإلا ما يقبله العقل، وأن يهمل الأساطير والأسمار وما إليها.
وقبل الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) كان علم التاريخ في المشرق خليطاً من الأحداث التاريخية الصحيحة والأساطير، وبهذا الوضع تناقلته الألسنة جيلاً بعد جيل، ومعروف أن الفترة السابقة على الإسلام انعدمت فيها الكتب المدونة في ما خلا ما سجل من نقوش حجرية في حضر موت وبلاد الشام وبابل وأرض فارس، وتناولت بالسرد وقائع وأحداثاً تاريخية، وإن كانت هذه النقوش دونت بلغات مهجورة.
وكان تاريخ الإمام الصادق (عليه السلام) خليطاً من أخبار الأمم وأساطيرها، وكان النصف الأول من القرن الثاني الهجري أشبه بفصل الربيع للتأليف والكتابة، فظهرت طائفة كبيرة من الكتب والمؤلفات التي تتناول جوانب العلم والأدب المختلفة، وإن لم يصلنا من كتب هذا العصر إلا القليل، وقد عرفنا أخبار هذه الكتب من كتاب نفيس عنوانه (الفهرست) وضعه الوراق ابن النديم، فدلنا عليها وعلى أسماء مؤلفيها وموضوعاتها، ومنها كتب السير والتاريخ.
وكان ديدن الإمام الصادق (عليه السلام) في الحكم على كتب التاريخ وفي التشجيع على كتابتها، اجتناب الأكاذيب والأساطير التي يرفضها العقل السليم.
ويقول شارح نهج البلاغة ابن أبي الحديد إن الإمام جعفراً الصادق (عليه السلام) كان أول ناقد للتاريخ، وأول من وضع هذا الاسم لهذا العلم، فلم تكن للعرب كتب منثورة تحمل اسم التاريخ، وكانت الأحداث التاريخية تسجل في قصائد الشعراء المنظومة لأغراض شتى، وليس من أهدافها المتوخاة تسجيل أحداث التاريخ، إذ أن وقائع التاريخ كانت ترد في القصائد عرضاً. وبعد مجيء الإسلام، بدأ تسجيل أحداث التاريخ ووقائعه، وكان يطلق عليها اسم كتب السير أو السيرة أو الرواية.
وكان من رأي الإمام الصادق(عليه السلام) أن اختلاط التاريخ بالخرافة والأسطورة يفقده أثره من حيث استمداد العبر واستخلاص الموعظة والدرس بغية اجتناب أخطاء السلف.
وهكذا أكسب التاريخ فائدة اجتماعية أخلاقية تنأى به عن مقاصد التسلية وإزجاء الوقت.
وها نحن في يومنا المعاصر نقرأ التاريخ للاستفادة بدروسه وعبره واجتناب الأخطاء التي تورط فيها السابقون.
وكان العالم النفسي النمسوي (فرويد)(2) يؤمن بأن للتاريخ فائدةً في استقاء العبرة، ولكنه كان يضيف إلى ذلك أن الغرائز البشرية تحول دون اتعاظ الإنسان بدروس التاريخ واعتباره بأحداث الماضي، لأن حب الذات والاستبداد بالرأي يورثان المرء اعتقاداً بأنه أسمى من أن يتورط في الأخطاء التي تورط فيها غيره، ومن أن يتعرض لأسباب الفشل والإخفاق التي تعرض لها سابقوه، بل إن المرء إذا استطاع التحلل من آثار هذه الغريزة، لم يتعظ بدروس التاريخ.
ولا ريب في أن الفضل يعزى إلى الإمام الصادق (عليه السلام) في وضع أساس المنهج النقدي في التاريخ الإسلامي، بدعوته العلمية إلى نقد التاريخ وتخليصه من الأساطير والأباطيل.
وقد أوضحنا في ما سبق أن الإمام الصادق (عليه السلام) تلقى العلم في مدرسة أبيه الإمام الباقر (عليه السلام)، وأحاط بكثير من ميادين العلوم، فلما انتقل من صفوف الطلاب إلى مقام المدرس، لم يكتف بما تلقاه من علوم، وانبرى يستكشف كثيراً من الحقائق العلمية بنفسه، أي أنه لم يحصر نفسه في دائرة العلوم التي أخذها عن مدرسة أبيه.
ومن هذه المعارف فرضية علمية هي أن الأرض ليست عنصراً بسيطاً، ونظرية أخرى سبق أن أشرنا إليها وهي أن الهواء بدوره ليس عنصراً بسيطاً وأن فيه جزءاً يساعد على الاحتراق ويحدث الصدأ في المعادن الصلبة. وهذه حقائق علمية توصل إليها الإمام الصادق (عليه السلام) بعقله الوقاد وذهنه الفياض، فكان أول من أذاع هذه الحقائق العلمية قبل أن تثبت بالتمحيص العلمي (أي بعد اثني عشر قرناً من عصر الصادق (عليه السلام) ).
وقد رأينا في الفصول السابقة أن الإمام جعفراً الصادق (عليه السلام) كان يذهب إلى أن للإنسان علمين، علم يكتسب بالعقل، وعلم لا يستطاع اكتسابه بالعقل، وكان يقول إن لله خلائق أخرى تعيش في الكواكب والسماوات الشاهقة، وهي تسبح لله بلغة لا نعرفها(3) ، (http://ebook/www.14masom.com/14masom/08/mktba8/book01/20.htm#3%29%D8%8C) ولعلها تكلمنا دون أن نعرف لسانها.
فكان الإمام يعتقد اعتقاداً جازماً بوجود كائنات أخرى في الكواكب السماوية، وقد عبر القرآن الكريم عن هذا الوجود الغيبي بكيفية أخرى، إذ وضع في مقابل الإنسان، وهو موجود حي يرى ويشاهد، كائناً آخر أسماه الجن وهو لا يرى ولا يشاهد. وقد وردت آية في القرآن تدل على أن الله سيجمع الإنس والجن معاً(4) .
ولكن لم يحدث قبل الإمام الصادق (عليه السلام) أن قال أحد بأن الكائنات الموجودة في العوالم الأخرى التي لا ترى، تحاول الاتصال بالبشر ولكن البشر لا يدركون كلامها، ولم يتعرض أحد لهذا الموضوع بعد عصر الإمام وإلى القرن التاسع عشر الميلادي عندما درس العالم الفرنسي (كاميل فلاماريون) هذه القضية وساق نظريات هامة بشأن اتصال الإنسان بالكائنات في الكواكب الأخرى، دون أن يحقق ذلك بالتجريب العلمي.
وفي عام 1920 حاول العالم الإيطالي (ماركوني)(5) إخضاع هذه النظرية للتجريب العلمي، فأعلن في لقاء له بضباط البحرية الإيطالية عقد بإشراف الميجر البحري (كنت ميلو) أنه يتلقى من على باخرته إشارات رموزاً أثيرية، ولا يشك في أنها مرسلة من كائنات ذكية فنانة تريد الاتصال بالكائنات على الكرة الأرضية.
ولكن ماركوني لم يستطع التوسع في تجربته المحدودة لأن المراقب الحديثة لم تكن قد اخترعت بعد، كالمرقب الأثيري ومرصد (بالومر) الأمريكي الضخم الذي سعة قطره خمسة أمتار ويستطاع بفضله رصد الشهب التي تبعد عن الأرض بألفي مليون سنة ضوئية، كما أن المنظار الفلكي الضوئي لم يكن قادراً في ذلك الوقت (عام 1920) على رصد الكواكب خارج المجموعة الشمسية.
وقد تبين بعد ذلك أن مرصد (بالومر) نفسه، برغم ضخامته وحساسيته، عاجز عن رصد تحركات الكائنات الموجودة في الكواكب الأخرى وأصواتها، على الرغم من أن هذا المرصد الضخم قد رصد شهباً تبعد عن الأرض بألفي مليون سنة ضوئية، وصورها كنقطة بيضاء دون أن يوفق إلة تحديد حجمها وأهميتها(6) .



1 - واترلو Waterloo في بلجيكا، هزم عندها نابليون الأول في حربه مع الإنكليز وحلفائهم سنة 1815م.
2 - فرويد: سيجموند Freud طبيب نمساوي أسس مدرسة (التحليل النفساني) ويعطي في بحوثه دوراً هاماً بل أهم الأدوار للعامل الجنسي في النفس الإنسانية ـولد 1856م وتوفي 1939م.
3 - هذا صريح نص القرآن الكريم في قوله تعالى: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) ـ الإسراء.
4 - في المعجم أن الجن هو ستر الشيء عن الحاسة، وكل شيء ستر عنك فقد جن عليك وجن عليه، وأجنه ستره. أما الآيات التي تشير إلى الجن والإنس فكثيرة منها ما جاء في سورة الأنعام، الآية 128: (ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم عن الإنس)، ومنها ما جاء في سورة الأعراف، الآية 38: (قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس). (المترجم).
5 - ماركوني Marconui (1874ـ 1937م) فيزيائي إيطالي وله في اختراع اللاسلكي دور هام.
6 - بدئ العمل في صنع عدسة منظار مرصد بالومر في سنة 1936 ولم يتم إلا في سنة 1941. وقد احتاج الأمر إلى انتقاء صخور من نوع خاص تم صهرها تحت درجة حرارة وصلت إلى 1200 درجة. واقتضت أصول الصناعة تبريد هذه المادة المنصهرة بصورة تدريجية للتأكد من صفائها التام، فلا تظهر فيها أي علامات أو نقط أو خطوط، واستعين بجهاز تكثيف
خاص للمحافظة على انتظام درجة الحرارة بحيث يتم إنقاصها درجة واحدة في كل يوم. وقد استغرقت عملية التبريد هذه ثلاث سنين ومائة وخمسة أيام. وبعدها شرع في صقل العدسة وتشذيبها باستخدام مقياس دقيق إلى درجة مائة ألف مليمتر. وانتهى العمل في المرصد في وقت كانت الولايات المتحدة قد دخلت فيه الحرب العالمية الثانية، فانتفه به انتفاعاً كبيراً في الأغراض الحربية، وكان هو المرصد الوحيد من نوعه في العالم. ومع أن كثيراً من الدول الصناعية صنع أنواعاً شتى من الأجهزة الحساسة للكشف والرصد والبحث، فإن مرصد بالومر الأمريكي بنظارته الضوئية الفريدة ما زال المرصد الوحيد من نوعه في العالم.

علي العذاري
07-26-2012, 01:26 PM
الإنسان وخلقه في رأي الإمام الصادق (عليه السلام)


كان من رأي الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) كغيره من المسلمين أن الإنسان خلق من تراب، ولكن التوضيح الذي أتى به لم يقل به غيره من المسلمين لا قبله ولا بعده في العصور المتعاقبة، ولم يقم أحد بشرح أفكار الإمام الصادق (عليه السلام) بشأن الكيان البشري ومصدر كل حاسة وخواصها. فإن وجدنا شرحاً في العصور التالية للإمام، فهو من صنع تلاميذه أو رواد مدرسته.
يقول الإمام الصادق (عليه السلام) إن جسم الإنسان يتألف من نفس العناصر الموجودة في الأرض، ولكن بنسب متفاوتة، فهناك عناصر توجد في جسم الإنسان بنسبة أكبر من نسبة وجودها في الأرض، وهناك عناصر أخرى توجد بنسبة أقل منها. كما كان يقول إن هناك أربعة أشياء توجد في جسم الإنسان بصورة أكبر من سواها، كما أن هناك ثمانية أشياء تأتي في مرحلة ثانية، وثمانية أشياء هي أقل مما في القسمين الأولين.
ولا ريب في أن هذه النظرية غريبة وبعيدة عن فهم الإنسان في عصرنا الحاضر، وإن المرء ليتساءل تلقاءها: هل كان للإمام الصادق علم باطني (غيبي)(1) كما تقول الشيعة؟ وهل استنبط هذه النظرية بعلم الإمامة دون العلم البشري؟
وفي رأينا أن من العسير التوصل إلى مثل هذه الحقائق العلمية دون مختبرات علمية عصرية، ولكن هذا هو ما تناهي إليه علم الصادق قبل اثني عشر قرناً. ولا غرو، فالعباقرة أقدر من سواهم على استنباط ما تعجز عنه العقول، لأن عيونهم تخترق الظلمات وترى وألا يراه غيرهم من المبصرين.
وثمة نظرية مؤداها أن المعارف والمعلومات كامنة في الشعور الباطني للناس جميعاً، ولكن هناك حجاباً يحول دون إدراك الشعور الظاهري لما هو كامن في الشعور الباطني غير المحدود، فإن استعصى على الإنسان العادي أن ينتفع بهذه الذخيرة المدخرة في باطنه فإن العباقرة قادرون على النفاذ إلى الباطن واستنباط ما هو مدخر فيه من معلومات ومعارف كامنة.
وقد ذهب الفيلسوف هنري برجسون(2) إلى القول بأنه كما أن الذرة وجدت منذ بدء الخليقة واجتمعت فيها جميع المعلومات المختلفة، فإن خلايا الجسم الموجودة في الكائن الحي، أحرى بها أن تنطوي على جميع المعلومات الخاصة بهذا العالم منذ بداية الخليقة وإلى يومنا هذا.
وإذا كان العلماء قد أطلقوا على الإحساس الداخلي اسم (الشعور الباطني أو الغيبي)، فإن الفيلسوف برجسون قد سماه (اندفاعة الحياة)، وكان يقول إن النوابغ يتميزون عن غيرهم بأن لهم حظاً من اندفاعة الحياة تزيد على حظوظ غيرهم وأنهم أقدر من سواهم على الاستفادة من ذاكرة خلايا أجسامهم.
ففي رأي الشيعة إذن أن الإمام الصادق (عليه السلام) كان يرى بعلم الإمامة، أما القائلون بالشعور الباطني غير المحدود فيقولون إنه انتفع بهذا الشعور، في حين أن برجسون يرى أن الصادق (عليه السلام) كان يتمتع باندفاعة قوية للحياة.
ولا ريب في أن ما قاله الإمام الصادق (عليه السلام) عن تشريح جسم الإنسان، يكتب له بين المعاصرين له من المشتغلين بعلم الأحياء منزلة النبوغ، لا سيما وقد برهن التمحيص العلمي الدقيق لنظرية الإمام الصادق (عليه السلام) بعد اثني عشر قرناً ونصف قرن على أنها نظرية صحيحة، حتى وإن كان الإمام لم يعط أسماء معينة لأجزاء الجسم والمواد التي يحتوي عليها.
وقد قال الصادق (عليه السلام) إن العناصر الموجودة في الأرض، وعددها مائة واثنان، موجودة في جسم الإنسان بدرجات متفاوتة، وإن بعضها يذهب من القلة مذهباً يحول دون تعيين مقداره وحجمه بالدقة المطلوبة.
ربما قيل إن الصادق (عليه السلام) لم يأت بإعجاز فكري، لأن الإسلام يقول إن الإنسان قد خلق من تراب(3) ، (http://ebook/www.14masom.com/14masom/08/mktba8/book01/21.htm#3%29%D8%8C) وقد ثبتت عقيدة المسلم على هذا منذ ما جاء القرآن، فأين هو الجديد الذي أتى به الصادق (عليه السلام) حين قال إن المواد الموجودة في التراب موجودة أيضاً في جسم الإنسان؟
نعم، ولكن نبوغ الصادق (عليه السلام) يتجلى في أنه قسم هذه المواد والعناصر إلى ثلاثة أقسام، يتضمن القسم الأول منها العناصر الأربعة التي توجد بوفرة، ويتضمن الثاني ثمانية عناصر توجد في جسم الإنسان بدرجة أقل، ويتضمن الثالث ثمانية عناصر أخرى هي أقلها توافراً.
والعلم الحديث في عصرنا اليوم يثبت ما قاله الإمام الصادق (عليه السلام)، إذ أن العناصر الثمانية التي توجد في جسم الإنسان بمقدار ضئيل هي: (الموليبدنوم والسلنيوم والفلور والكوبلت والمنغنيز واليود والنحاس والرصاص الخالصين).
وأما العناصر الثمانية التي توجد في جسم الإنسان بكمية أكبر قليلاً، فهي (المغنيسيوم والصوديوم والبوتاسيوم والكلسيوم والفوسفور والكلور والكبريت والحديد).
أما العناصر الأربعة التي توجد في جسم الإنسان بوفرة فهي (الأوكسجين والكربون والهيدروجين والآزوت (النتروجين) ).
صحيح أن الإمام الصادق لم يسم هذه العناصر بأسمائها العلمية المعروفة اليوم، ولكنه استطاع تمييزها بعقله المستنير. في حين أن العلماء المحدثين لم يتسن لهم الاهتداء إليها إلا بعد بحث وتحقيق علميين وتجارب واسعة وعمليات تشريح دقيقة استمرت منذ بداية القرن الثامن عشر الميلادي، وكان لفرنسا والنمسا دور ريادي في أوربا في علم التشريح.
وبسبب الحظر التام الذي فرضته الكنيستان الكاثوليكية والأرثوذكسية على تشريح الجثث، وقد سايرتهما في هذا التحريم البلدان الشرقية، اقتصر هذا الكشف العلمي على فرنسا والنمسا دون الدول الأخرى.
وحتى في هاتين الدولــــتين، كانت عمليـــات التشريح تجـــري خفية خوفاً من معارضة الكنيسة، حتى جاء الطبـــيب الفرنسي (مارا)(4) وطالب بضرورة التشريح خدمة للإنسانية ولعلم الطب، واشترك مع العلامة الشهير الكيميائي لافوازييه(5) الذي أعدم في عام 1894) في تحليل الأنسجة والخلايا في جسم الإنسان للوقوف على أسرارها ومكوناتها.
وبعد وفاة مارا، استمرت التجارب والتحاليل على جسم الإنسان يجريها تلامذته والمتأثرون به، وظلت هذه التجارب تجري طوال القرن التاسع عشر وإلى مطالع القرن العشرين.
واليوم، أصبح التشريح أمراً مألوفاً في جميع دول أوربا وسواها من دول العالم، وأصبحت التجارب والتحاليل أمراً عادياً في إطار التدريس في كليات الطب في العالم بأسره وفي مراكز العلوم، رغبة في اكتشاف مزيد من البيانات عن العناصر التي يتألف منها جسم الإنسان وكمياتها وكيفياتها، ولئن تشابهت نتائج هذه الأبحاث فإن الأرقام قد تنطوي على تفاوت جزئي، أما العناصر الهامة في جسم الإنسان فلا خلاف عليها. والمؤكد أن تقسيم العناصر الموجودة في جسم الإنسان والنسب الخاصة بكل منها تتفق فيها آراء الإمام الصادق (عليه السلام) مع التجارب التي أجريت في المراكز العلمية في دول العالم كله.
وعلى سبيل التوضيح، نذكر أن الإنسان الذي يزن 45 كيلو غراماً، يحتوي جسمه على كيلو غرام من الكربون، وهو عنصر من العناصر الأربعة التي توجد في الجسم بوفرة.
كذلك يوجد في جسم الإنسان 4.5 كيلو غرام من الهيدروجين، متى كان سليماً، فإن اعتل، نقصت كمية الهيدروجين. وتتساوى مقادير العناصر الأربعة، وهي الأوكسجين والكربون والهيدروجين والآزوت، في أجسام الناس جميعاً، سواء أكانوا من البيض أم السود أم من الذين اختلطت أنواعهم وجذورهم.
تلي هذه العناصر الأربعة ثمانية عناصر أخرى متوسطة المقدار، تليها العناصر الثمانية الضئيلة القدر، وتتساوى نسب هذه العناصر في جسم الإنسان، سواء أكان يعيش في القطب الشمالي أم في المنطقة الاستوائية ولا فرق بين أي اثنين في هذا إذا ما تساويا في الوزن والعمر.
وهكذا جاءت التجارب العلمية التي أجريت في فترة تربو على مائة وخمسين عاماً مؤكدة النظرية التي أتى بها الإمام الصادق (عليه السلام).



1 - علم لدني نسبة إلى.
2 - هنري برجسون Henry Bergson (1859ـ 1941)م فيلسوف فرنسي دافع عن نظريتين في الفلسفة، أولاهما نظرية elan vital أي اندفاعة الحياة، وثانيتهما أن الزمان يمكن معرفته واستنباطه من خلال توالي الأحداث، ومن مؤدي النظرية الأولى أن الإنسان يكتشف كل مجهول بفهمه الخاص إذا كانت لديه اندفاعة حياة، وأن حظ العباقرة من هذه الاندفاعة أكبر من حظوظ سواهم. ومن مؤدي النظرية الثانية أن الزمان لا يدرك أو يقاس أو يحصر إلا بتسلسل الوقائع والأحداث، ولولا هذا التسلسل لما أدركنا الزمان. وعندما تنتهي الحياة بالموت، يفقد الإنسان قدرته على متابعة توالي الأحداث، وتتساوى عنده الثانية والملايين من السنين (هذا طبعاً إن كان ذا شعور). والقول بعدم إدراك حقيقة الزمان لولا توالي الأحداث وتسلسلها قد انتهى إليه آخرون غير برجسون. فأينشتين ومينفوسكي يقولان بأنه ليست هناك حقيقة للزمان وللمكان أو حقيقة لكل منهما على حدة، ولا حقيقة /بالتالي/ للوجود في الزمان والمكان كما كان يفهمه فلاسفة القرن الماضي، ومن رأي الفلاسفة أن الوجود الخارجي هو الباقي والاستمرار في الزمان والمكان، وأن كل وجود خارجي هو وجود في الزمان والمكان. ودافع برجسون عن الروحانية ضد المذاهب الوضعية المادية، فكان بآرائه بعيد الأثر. ومن مؤلفاته: (محاولة دراسة أوضاع الوجدان) و(المادة والذاكرة) و(التطور الخلاق). (راجع دائرة المعارف العالمية).
3 - من هذه الآيات ما جاء في سورة طه، الآية 55: (منها خاقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى)، وما جاء في سورة نوح، الآيتين 17، 18 (والله أنبتكم في الأرض نباتاً ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً).
4 ـ مارا Marrat طبيب فرنسي عاش في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي في وقت معاصر للثورة الفرنسية، وكان يصدر مجلة عنوانها (صديق الأمة) طالب فيها بالسماح بتشريح جسم الإنسان خدمة للطب والإنسانية، وقد قتلته امرأة اسمها (شارلوت كورديه) بخنجر في حمام بيته.
5 - سبق التعريف به.

علي العذاري
07-26-2012, 01:28 PM
نظرية الضوء عند الإمام الصادق (عليه السلام)



من مبتدعات الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) نظريته الخاصة بالضوء. فمن رأيه أن الضوء ينعكس من الأجسام على صفحة العين البشرية، أما الأجسام البعيدة فلا ينعكس منها إلا جزء صغير من الضوء، ولهذا تتعذر رؤيتها بالوضوح الكافي. أما إذا استعنا بجهاز أو آلة لتقريب الضوء إلى العين، كالجهاز الكهربي الضوئي مثلاً فعندئذ يمكننا مشاهدة الجسم البعيد بنفس حجمه الحقيقي وبوضوح تام، بمعنى أن الجسم الذي يبعد عنا بثلاثة آلاف ذراع، نراه وكأنه يبعد عنا بستين ذراعاً، فنكون بذلك قد قربناه أكثر من خمسين مرة.
ونتيجة للاتصال الذي تحقق بين أوربا والشرق في أثناء الحروب الصليبية، انتقلت هذه النظرية من الشرق إلى أوروبا، ودرست في المعاهد العلمية والجامعات الأوربية. وكان من جملة المهتمين بها روجر بيكون(1) الأستاذ بجامعة أكسفورد.
وجاءت نظرية بيكون في الضوء مطابقة لنظرية الإمام الصادق (عليه السلام). فلو استعنا بما يقرب ضوء الأجسام البعيدة إلى عيوننا، لأمكننا مشاهدتها وقد قربت إلينا خمسين مرة عن يُعدها الحقيقي.
وبفضل هذه النظرية اخترع ليبرشي الفلامندي المجهر في عام 1608م، واستعان غاليليو بهذا المجهر في اختراع المرقب الفلكي في عام 1610م. وفي ليلة السابع من يناير سنة 1610، بدأ غاليليو يرصد النجوم مستعيناً بمرقبه، ولا يستبعد بسبب قرب الفاصل الزمني بين الاختاعين ـوهو سنتان لا غيرـ أن تكون الفكرة تبلورت عند هذين العالمين في وقت واحد، وإن كان غاليليو استفاد من مجهر العالم الفلامندي وحاول قدر المستطاع علاج ما فيه من قصور، مع ما كان متاحاً في ذلك الوقت من إمكانيات تقنية محدودة.
وكان غاليليو من خريجي جامعة (بادوا) الشهيرة في مملكة (باتاويوم) التي سميت في ما بعد (بوني تي) والتي تسمى عاصمتها اليوم فينيسيا أو البندقية. وبعد تخرجه أصبح أستاذاً في نفس الجامعة. وعندما شرع يرصد النجوم في أول ليلة، حيره منها أن يرى القمر شبيهاً بالأرض من حيث أن سطحه تغطيه سلاسل من الجبال والوديان، فتحقق من أن الكون لا ينحصر في الكرة الأرضية، وأن القمر بدوره عالم من عوالم دنيانا الكثيرة.
ولولا فرضية الضوء التي أتى بها الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، لما تمكن ليبرشي الفلامندي وغاليليو من صنع المجهر الفلكي لرصد انعكاس ضوء الشمس على الكواكب الأخرى، وبالتالي تأكيد نظرية كوبرنيكوس وكبلر القائلة إن الكرة الأرضية تدور حول الشمس وكواكب أخرى.
وكان للمجهر الفلكي الذي صنعه غاليليو صدى بعيد في الأوساط العلمية المختلفة في البندقية، حتى إن رئيس الجمهورية (دوج) وعدداً من نواب مجلس الأعيان استبد بهم الشوق لرؤية الأجرام السماوية من خلال هذا المرقب. فاضطر إلى نقله من مدينة بادوا الجامعية إلى العاصمة (البندقية)، وأقامه على برج من أبراج الكنيسة لكي يتسنى لأعضاء مجلس الأعيان التطلع إلى السماء في الليل ورؤية النجوم والكواكب.
ولما سئل غاليليو عن سر رؤية سطح القمر وما عليه بوضوح، ردد نظرية الإمام الصادق (عليه السلام)، وهي أن هذا نتيجة لانعكاس الضوء من سطح القمر ووصوله إلى العين. وقال إن هذا المرقب يجمع أشعة الضوء المنعكسة من سطح القمر ويقربها إلى العين، فتراه قريباً منها.
وبمشاهدة غاليليو لكواكب عطارد والزهرة والمشتري في أحوالها المختلفة من الهلال إلى المحاق، تثبت نظرية كوبر نيكوس وكبلر(2) .
ومن الحقائق العلمية المؤسفة أن الشخصية الفذة للفيلسوف الإغريقي أرسطو(3) القائل إن الأرض ثابتة ولا تتحرك وإن الشمس والنجوم تدور من حولها، والشخصية العلمية الرصينة للعالم بطليموس الذي جاء بعد أرسطو بخمسة قرون وأكد نظريته هذه، قد حالتا دون تقدم علم الفلك قرابة ألف وثمانمائة عام، أي من القرن الثالث قبل الميلاد إلى القرن الخامس عشر الميلادي.
ولا يسع أحداً أن ينكر فضل أرسطو على العلم، ولأهمية مؤلفاته في المنطق كلاورغانون وفي العلوم كالحس والمحسوس التي تعد من التراث الإنساني الخالد، ولكن نظريته الفلكية عطلت تطور العلوم الفلكية طوال ثمانية عشر قرناً، ولولا ذلك، لما كان من المستبعد أن يتقدم بعصر النهضة فينطلق من القرن السابع الميلادي أو قبل ذلك.
وبدأ عصر النهضة بالنظرية التي طلع بها العالم البولوني كوبر نيكوس القائلة بأن الأرض تدور حول الشمس، وجاء بعده العالم الألماني كبلر ليدعم هذه النظرية ويميط اللثام عن قوانين حركة السيارات حول الشمس، ومنها الأرض. ثم جاء غاليلو من بعدهما، فبث روحاً جديدة في هذه الحركة العلمية وأعطاها دفعة قوية بإثباته حركة السيارات حول الشمس بالرؤية والعيان.
ولولا هؤلاء الثلاثة، وما تمخضت عنه جهودهم وبحوثهم العلمية، لما ظهر فيلسوف مثل ديكارت(4) بمنهاجه الخاص في التحقيق فهو الذي أرسى للبحوث العلمية أساساً منهجياً سديداً في عصر النهضة والتجديد، ولعله لولا هؤلاء الفلاسفة الثلاثة العظام، لعاش ديكارت بدوره في نفس الظلمات التي عاش فيها كثيرون قبل ظهور هؤلاء في متطاول القرون.
وعندما صوب غاليليو منظاره الفلكي إلى قبة السماء في عام 1610م، كان ديكارت ما زال في الرابعة عشرة من عمره، ولولا العلم الذي أتى به كوبر نيكوس وكبلر وغاليليو، لما استطاع ديكارت التخلص من مخلفات التفكير السائد في المجتمع، وإرساء قواعد البحث والتحقيق المنهجي في عصر النهضة. ومعروف أن العلوم سلسلة متصلة الحلقات، وإن كل علم إنما يعين في كشف علم آخر، وهلم جرّاً.
ولا ريب في أن جهل الإنسان بحقيقة كون الأرض والسيارات الأخرى تدور حول الشمس، قد قعد به عن متابعة البحث والتحقيق، وقص جناحيه حتى لا يحلق في آفاق العالم الرحيب، وكان المسؤول الأول عن هذا القعود هو الرأي العلمي الخاطئ الذي قال به المعلم الأول (أرسطو) والذي ساعد على تعزيزه ما كان يتمتع به من نفوذ علمي، كما سبق القول، فلم يجرؤ أحد على معارضة رأي أستاذ يعد في عصره أستاذ الأساتذة.
وجاء العالم الجغرافي المصري بطليموس بعد أرسطو بخمسة قرون، فأكد نظريته الخاصة بدوران الشمس والكواكب حول الأرض، وبأن الأرض نفسها ثابتة لا تتحرك.
ومن العوامل الهامة أيضاً في ترسيخ نظرية أرسطو واستمرارها موقف الكنائس المسيحية التي اعتقدت تأكيداً لهذه النظرية أن الأرض هي قاعدة العالم ومركزها الثابت، وأنه لولا ذلك لما ظهر فيها ابن الله (المسيح)، ومن هنا اعتبرت هذه النظرية عقيدة ضرورية لكل مسيحي.
وحتى ندرك أهمية الصنيع الذي قام به العلماء العظماء كوبر نيكوس وكبلر وغاليليو، نستشهد في هذا المقام بما قاله العالم الفيزيائي البريطاني (إدنجتون) المتوفي عام 1944م من أن نظرية أرسطو بشأن ثبات الأرض ودوران الشمس والسيارات من حولها، وهي النظرية التي أيدها بطليموس من بعده، كانت كالكابوس الجاثم على الحركة العلمية ليخنقها، ولو لم يرفع هذا الكابوس عن الحركة العلمية، لما حدث التقدم العلمي الذي شهدته البشرية في عصرها الأخير.
فإذا انتقلنا إلى الشرق، وجدنا العالم الهندي تشاندرا تشاترشي(5) Chaterchi يقول: لولا اهتداء الإنسان إلى أن الأرض تدور حول نفسها وحول الشمس، ولولا كشفه لهذه الحركة، لبقي سادراً في جهله، ولما استطاع التوصل إلى ما اهتدى إليه في العصر الحديث.
وقد أقام هؤلاء العلماء العظماء الثلاثة البراهين أمام العالم على أن آراء أرسطو وغيره من الفلاسفة ليست كلها آراء سليمة تتأبى على الطعن أو المعارضة، وأن الكنائس المسيحية التي استندت إلى نظرية أرسطو لتعزيز رأيها بشأن ثبات الأرض كانت مخطئة بدورها.
وظلت الكنائس المسيحية طوال هذه الفترة تستند إلى نظرية أرسطو الفلكية في دعم رأيها بشأن ثبات الأرض، دون أن تحاول تمحيصها أو نقدها، حتى جاء الكاردينال نيقولا دوكوزا في عام 1460م فتصدى لهذا الرأي بالمعارضة الجريئة. فقد كان العرف المتبع في ذلك الوقت هو منع صغار رجال الدين من دخول مكتبة الفاتيكان الغنية بالكتب والمراجع، في حين أن القساوسة من ذوي الرتب الدينية الرفيعة كان حقهم التردد على المكتبة والانتفاع بما فيها من ذخائر. ويعزى الفضل إلى مكتبة الفاتيكان في نقل القسم الأعظم من معارف الأمم الإغريقية والرومانية وثقافاتها إلى الأمم الأوروبية والأمريكية.
صحيح أنه كانت في أوروبا مراكز ومكتبات علمية أخرى، ولكن هذه المراكز لم يكن لها أثر إيجابي في حفظ تراث الإغريق والرومان ونقله إلى الأوروبيين، لأنها لم تحظ بما حظت به مكتبة الفاتيكان من أسباب الرعاية والوقاية من آثار الحروب والدمار التي حلت بأوروبا، ولا عجب والجيوش والأمم المتطاحنة هي جيوش وأمم مسيحية ممن تحاذر إلحاق أي أذى بالفاتيكان الذي يضم المقر البابوي، أو بمكتبة الفاتيكان، تقديساً منها لبابا روما، وهكذا نجت مكتبة الفاتيكان من آثار الحروب. يضاف إلى ذلك أن هذه المكتبة كانت على الدوام مسندة إلى عدد من القساوسة والعلماء المسيحيين، يشرفون عليها ويحرصون على ذخائرها ويصونونها من أيدي العبث والتلف.
بل إن الجامعات الأوروبية القديمة، كجامعات بادوا في إيطاليا وأكسفورد في إنكلترا والسوربون في فرنسا لم يكن لها ما لمكتبة الفاتيكان من دور في حفظ التراث العلمي والأدبي لليونان والرومان ونقله، لأنها جميعاً أسست في الألف الثانية بعد الميلاد، واستفادت بعد تأسيسها من مكتبات الفاتيكان وغيرها من المراكز الدينية التي حرصت على صيانة الكتب.
أما ملوك أوروبا وأمراؤها وأشرافها فكانوا في غالبيتهم من الأميين الذين لا يعرفون القراءة أو الكتابة، فكيف بعامة الناس.
ولم تعن بحفظ الكتب وصيانتها في أوروبا إلا المراكز الدينية الهامة، ولولا سعيها إلى صيانة المؤلفات المدونة باللغات اليونانية واللاتينية والسريانية، لما انتهى تراث اليونان والرومان إلى الأمم الأوروبية اليوم.
كانت مكتبة الفاتيكان، كما سلف القول، أغنى المكتبات بمقتنياتها من كتب اليونان واللاتين القديمة، ولكن الانتفاع بذخائرها كان مقتصراً على ذوي الرتب المطرانية أو الكاردينالية من رجال الدين تتألف منهم المجموعة المشرفة على الكنائس، فكان من حق هؤلاء فقط دخول مكتبة الفاتيكان وتناول ما فيها من كتب قديمة أما اليوم، فقد تغير الوضع، وصار مسموحاً لجميع رجال الدين بالتردد على المكتبة والانتفاع بكتبها بغض النظر عن رتبهم.
وهكذا نرى أن المساواة في البحث العلمي كانت منعدمة حتى في الكنائس الكاثوليكية، وأن النظام الطبقي الديني كان يحول دون الانتفاع بالمكتبة بالنسبة لصغار رجال الدين، إذ كان قادة الكنيسة وأساقفتها يرفضون أن يجلسو جنباً إلى جنب مع صغار القساوسة في قاعات المكتبة للإطلاع على نفس الكتب والمراجع.
أما الإعارة الخارجية للكتب من مكتبة الفاتيكان، فكانت محظورة، مما ساعد على حفظ هذه الكتب من الضياع، وما زال هذا التقليد مستمراً إلى يومنا هذا. فالكتب لا تعار وإنما يجوز تصويرها.
وكما سبق القول، فقد أتيحت للكردينال نيقولا دوكوزا فرصة دخول مكتبة الفاتيكان وتناول ما فيها من كتب، يضاف إلى ذلك أنه كان يجيد اللغة اليونانية، فاستطاع بذلك الوقوف على كتب فلاسفة الإغريق، ومنهم أرسطارخوس الذي كانت له نظرية بشأن حركة الأرض ودورانها.
ولما عاد من الفاتيكان إلى مسقط رأسه في ألمانيا، كتب رسالة علمية حول الحركة الوضعية والانتقالية للأرض، ولكن هذه الرسالة ظلت مخطوطة لانعدام وسائل الطباعة وقتذاك، ولكن استنسخت منها نسخ لفائدة المهتمين بهذا الموضوع. كان ذلك في عام 1460 أي قبل ميلاد كوبر نيكوس بثلاثة عشر عاماً، ولكن نظرية دوران الأرض حول الشمس اشتهرت باسن العالم الرياضي والمنجم البولوني كوبر نيكوس وليس باسم نيقولا دوكوزا، لأن الثاني كان من رجال الدين المجهولين في الأوساط العلمية، ولأنه نقل نظريته عن فلاسفة اليونان. أما كوبر نيكوس فكان من رجال العلم، كما أنه أثبت نظريته بشأن دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس بالمناهج العلمية، مما أثار اهتمام الأوساط العلمية بكشوفه.
وقد ظلت رسالة نيقولا دوكوزا غير معروفة أولاً لأنها كتبت خارج دائرة الفاتيكان، وثانياً لأنه ردد آراء فلاسفة اليونان دون تجريب عملي أو تحليل علمي، فلم يأخذها الناس مأخذ الجد، لا سيما وهي تتعارض مع رأي الفاتيكان بشأن ثبات الأرض، وهو الرأي الذي أصبح قضية بديهية مسلمة لدى الكنائس والمسيحيين.
وها هو ذا أبو الرياضيات الحكيم اليوناني فيثاغورث يقول في مقدمة علم الهندسة إن (القضايا البديهية لا يحتاج إثباتها إلى دليل)، وقد اشتهر هذا المبدأ في ما بعد. ودلل على ذلك بقوله إن العشرة أكثر من خمسة، وهي قضية بديهية لا تحتاج إلى البرهان أو دليل، وإن الخمسين رطلاً أثقل من الأربعين، وهذه بدورها من البديهيات التي لا تحتاج إلى برهان، وحركة الشمس والأجرام السماوية لا تحتاج إلى دليل لأن الإنسان منذ خلق وهو يرى بعينيه أن الشمس والنجوم تتحرك وتدور. فموضع الشمس عصراً يختلف عن موضعها صباحاً. كذلك كان ثبات الأرض وانعدام الحركة فيها من القضايا البديهية الأخرى، لأن الإنسان لم ير حركة الأرض بأم العينين، وأن العمائر والمباني التي يشيدها بالغاً ما بلغ ارتفاعها أو حجمها، باقية في مكانها إلى أن تزول بسبب عوامل التعرية من مطر وشمس ورياح، وأن الجبال والتلال راسخة في مكانها على مدى العمر والدهر.
فلو قيل إذن إن الأرض تدور، وإن لها حركتين إحداهما حول نفسها والأخرى حول الشمس، لاعتبر هذا القول من قبيل الخرافات والأساطير، ولاتهم قائله بأنه يهزل أو بأن به مس من جنون.
وقد قلنا إن نظرية الضوء للإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قد فتحت الطريق أمام الباحثين حتى انتهت بهم إلى صنع المنظار الفلكي ورصد الأجرام السماوية، وقادتهم إلى انطلاقة عصر النهضة والتجديد.
ولولا أن الصنعة لم تكن في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) قد بلغت مرحلة تمكن الإمام من صنع منظار أو مرقب فلكي لرصد الأجرام السماوية وتسجيل حركة السيارات، لكان قد نجح بفكره النافذ في تحقيق ما انتهى إليه العظماء الثلاثة، ولكن هذا لا يقلل من أهمية نظرية الضوء التي طلع بها الإمام قبل اثني عشر قرناً من هذا التاريخ.
وإذا كان نيوتن قد اكتشف قانون الجاذبية عندما سقطت تفاحة من شجرة على رأسه، فهل يعاب عليه أنه لم يقذف تفاحة لتدور حول الأرض كما هو شأن الأقمار الصناعية في عصرنا هذا؟ بالطبع لا.
وقد بات معروفاً للناس جميعاً أن الأقمار الصناعية التي تطوف حول الأرض، أو التي أطلقت صوب القمر والمريخ تخضع جميعاً لقانون الجاذبية الذي كشفه نيوتن، فإن كان نيوتن نفسه لم يوفق إلى الاستفادة من كشفه العلمي بالكيفية التي تأتت في عصرنا هذا، فذلك لا يقلل من أهمية قانون الجاذبية، ولا من فضل نيوتن في تحقيق هذا الكشف العلمي. ولن يجترئ أحد فيقول إن عجز نيوتن عن إطلاق قمر صناعي إلى الفضاء دليل على أن كشفه العلمي كان بلا قيمة، فمثل هذا القول يرتد إلى صدر صاحبه ويؤكد فساد تفكيره وقلة فهمه.
وهناك نقطة بالغة الأهمية في نظرية الإمام الصادق (عليه السلام) بشأن الضوء، هي تأكيده، بأن الضوء ينعكس من الأجسام إلى العين(6) ، وهو قول يناقض التفكير الذي كان سائداً في ذلك العصر وكان مؤداه أن الضوء ينعكس من العين على الأجسام المرئية. والإمام الصادق (عليه السلام) وهو أول عالم في تاريخ الإسلام كله يناقض هذا الرأي السائد. فقد قال إن الضوء لا ينعكس من العين على الأجسام بل الذي يحدث فعلاً هو نقيض ذلك، أي أن الضوء ينعكس من الأجسام ويصل إلى العين. دليل ذلك أننا لا نرى في الظلمة شيئاً، ولو أن العين كانت تعكس الضوء على الأجسام لشاهدنا الأجسام نهاراً وليلاً.
وللإمام الصادق (عليه السلام) نظرية أخرى عن الضوء وحركته وسرعته لا تقل أهمية عن نظريته الخاصة بالضوء وانعكاساته.
فمما قاله أن الضوء ينعكس من الأجسام على العين بسرعة (كلمح البصر) أي أن الإمام الصادق (عليه السلام) عرف أن للضوء حركة (كلمح البصر)، ولو أسعفته الوسائل التقنية الحديثة لاستطاع أن يقيس هذه السرعة بدقة شديدة.
فهو إذن قد اكتشف نظرية الضوء، وقال إن للضوء حركة وإن هذه الحركة سريعة جداً، أفلا يدل هذا كله على أنه كان سابقاً على عصور علمية كثيرة؟
وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله في بعض دروسه إن الضوء القوي الساطع يستطيع تحريك الأجسام الثقيلة، وإن النور الذي ظهر لموسى على جبل الطور لو كانت مشيئة الله، لحرك الجبل.
ومن مؤدى هذه الرواية أن الإمام الصادق (عليه السلام) تنبأ بأساس نظرية (أشعة الليزر)، وفي رأينا أن آراء الإمام في الضوء وحركته وانعكاس أشعته من الأجسام إلى العين أهم من نظرية (أشعة الليزر)، لأن هذه النظرية قد عرفت مقدماتها قبل الصادق (عليه السلام) وفي الأزمنة القديمة وعند مختلف الأقوام والشعوب.
ففي مصر القديمة مثلاً، كان الناس يعتقدون بأن الضوء ينفذ من الأجسام ويحركها ولا تحول دونه حتى الجبال، وأن الضوء الضعيف لا ينفذ في كل شيء ولا يجاوز الأجسام الصلبة أو الجبال، في حين أن الضوء القوي يفعل هذا إن شاء !!
ويبدو أن أمثال هذه النظرية كان شائعاً عند أقوام كثيرة قبل ظهور الأديان السماوية، وكانت هذه الأقوام تعتقد أن القدرة التي يتمتع بها الضوء من فعل السحرة.
وليست لدينا معلومات دقيقة عن مبدأ هذه الفكرة وتاريخها، ولكننا لو تركنا جانباً موضوع الطاقة الكامنة في الضوء، فإن الذي قاله الإمام الصادق (عليه السلام) عن الضوء وحركته يتفق تماماً مع ما أثبته البحث العلمي المعاصر. وغاية ما في الأمر أن العلم الحديث قاس سرعة الضوء وهي ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية الواحدة، ولكن هذا المقياس لا يجدي في قياس المسافات الفلكية الشاسعة في الدراسات الفضائية.
قلنا في ما تقدم إن العلوم والمعارف في مدرسة جعفر الصادق (عليه السلام) قد أرسيت قواعدها على أربع دعائم أوردنا ذكرها، ولكن أهم خصائص هذه المدرسة والتي ساعدت على انتشارها وذيوع علومها تأكيدها على الابتعاد عن كل تزمت وتعصب وضيق صدر وأفق، ذلك أن الإمام الصادق (عليه السلام) لم يعط أتباعه ذريعة واحدة لتكفير من يخالفونهم في الرأي، أو اعتبارهم منشقين أو مارقين، ولو حدث هذا لقضي دون ريب على كيان الشيعة الفكري والثقافي.
وكان الصادق (عليه السلام) عند حديثه عن جده رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله) أو آبائه، يتحدث عنهم باعتبارهم بشراً سوياً، فلا وضع أحداً منهم في مقام الله، ولا عدهم فوق البشر أو وسطاء يشفعون للناس عند الله(7) ، ولو فاه شيء من هذا، لأحدث انشقاقاً واسعاً بين الشيعة، كما هو الحال عند المسيحيين.
ومع أن الصادق (عليه السلام) لم يفه مرة واحدة بما يجعل لجده الرسول (صلى الله عليه وآله) ولآبائه الأئمة (عليه السلام) طبيعة تختلف عن طبيعة البشر أو تسمو بأجسامهم على الطبيعة البشرية، ومع أنه لم يغال في إيراد صفاتهم المعنوية، كل ذلك لم يحل دون ظهور فرق دينية وصوفية بين الشيعة منذ القرن الثالث الهجري، وكل واحدة منها تتعصب لرأيها وتناوئ غيرها من الفرق وكأنها تنتمي إلى مذهب مستقل.
ولئن كان العرفان دعامة من الدعائم الأربع التي تقوم عليها المعارف الجعفرية، فإن عرفان الصادق (عليه السلام) كان يلتزم حدود الاعتدال، يتوخى معرفة الدين على الوجه الصحيح والمذهب النقي كذلك وتبصير الناس بحدودهم ومهامهم. ولكن الصادق (عليه السلام) لم يكن يريد للعرفان أن يصبح مذهباً شائعاً مستقلاً عن الدين.
ومع ذلك، أخذت المذاهب والفرق الشيعية تتكاثر وتتشعب منذ القرن الثالث للهجرة، وغالى بعضهم غلواً شديداً حتى قال بوحدة الوجود، أي وحدة الخالق والمخلوق، وهو ما يعتبر شركاً وكفراً في عقيدة الشيعة.
والذي يعنينا من هذه الظاهرة، أن حرية البحث والكتابة كانت منهاجاً مرعياً من أتباع الإمام الصادق (عليه السلام)، ولم يتعرض أحد لإيذاء أو عقوبة لأنه أبدى رأياً خالف به أياً من الآراء والنظريات التي كانت سائدة في هذه المدرسة، سواء أكانت دينية أم علمية أو فلسفية.
لقد كان تلامذة الصادق (عليه السلام) يطرحون عليه الأسئلة، وينتقدون هذا الرأي أو ذاك، ويعارضون ما يساق في المدرسة من حجج، وكان يتقبل ذلك منهم برحابة صدر وبشاشة وجه، وفي كتب الحديث والسيرة سجل واف لما جرى بين الإمام الصادق (عليه السلام) وناقديه ومعارضيه من محاجات ومناقشات ومحاضرات.
وقد توسعت الفرق الكلامية والصوفية في الحديث عن الخالق ووحدة الوجود، وكان من رأي بعض هذه الفرق أن المخلوق لا يختلف عن خالقه في القدرات المقدرة ـطبعاً بالقدرة لا بالفعلـ بينما رأى بعضهم الآخر بأن للرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمة مراتب تعلو على مراتب المخلوق وإن كانت دون مرتبة الخالق طبعاً.
بل إن فرقاً أخرى من الصوفية وضعت المرشد والقطب في مرتبة عالية، تتحد أحياناً مع وجود الخالق أو تكون مماثلة لهذا الوجود وللقدرة الإلهية. وكانت تعظم هؤلاء الأقطاب وترفع من مقدارهم فوق مراتب الأئمة والأنبياء. وتراعي ذلك في سلوكها وعقائدها دون أن تصرح به، إما استحياء من القول بأن مقام قطبهم أعلى من مقام النبي (صلى الله عليه وآله)، وإما خوفاً من أن يرموا بتهمة التكفير.
وعقيدة هذه الفرق الصوفية شبيهة بعقائد المصريين القدامى في أوزيريس وإيزيس، ومعروف أن قدامى المصريين كانوا يؤمنون بتعدد الآلهة مع تفضيل الإله آمون باعتباره سيد الآلهة، ولئن كان إيزيس ـ وهي إلهة الموت ـ في مرتبة دون مرتبة آمون فإن المصريين القدامى كانوا يرون أن سلطانها أكبر من سلطان آمون، لأن إيزيس كانت قادرة على إنزال الموت حتى بآمون وهو سيد الآلهة.



1 - روجر بيكون (1214ـ 1294م) عالم فرنسيسكاني بريطاني وضع دائرة معارف علمية هامة لقب بالدكتور المدهش إعجاباً بعلمه. (المترجم)
2 - لاحظ غاليليو وهو يرصد عطارد والزهرة إنهما شبيهان بالقمر من حيث أنهما يظهران في بادئ الأمر كالهلال، ثم يستتمان استدارتهما فيصبحان كالبدر التمام. كما تبين أن هذين الكوكبين يدوران بدورهما حول الشمس ويستضيئان بنورها.
3 - أرسطو أو أرسط طاليس (نحو 367ـ 322ق.م) اشتهر بأنه حكيم اليونان. تلقى العلم عن أفلاطون، وقضى في ذلك عشرين سنة، وأصبح مؤدب الإسكندر المكدوني الأكبر. إليه يرجع الفضل في تنظيم الفلسفة اليونانية وتفريع العلوم منها وتدوين فن المنطق، وتقوم فلسفته في جملتها على (اتفاق العلل المادية في العالم الطبيعي)، من مؤلفاته: (سمع الكيان) ويتناول المبادئ في الوجود، وهو تمهيد لدراسة الفلسفة و(السماء والعالم) و(الكون والفساد) و(الآثار العلوية) و(كتاب الحيوان) و(كتاب النبات) و(كتاب النفس) و(الحس والمحسوس) و(ما بعد الطبيعة) و(السياسة) و(الأخلاق) و(الأورغانون) في صناعة المنطق. وأرسطو هو منشئ علم المنطق حتى سموه المعلم الأول وصاحب المنطق. (راجع (تاريخ الفكر العربي) لعمر فروخـ ص107ـ 108).
4 - رينيه ديكارت Rene Decartes (1596ـ 1650م) فيلسوف ورياضي فرنسي اشتهر بكتابه (مقال في المنهج) الذي كان بعيد الأثر في الفكر الغربي، وقد ضمن هذا الكتاب نظريته المعروفة (أنا أفكر، فأنا إذن موجود)، وقد توصل إليها بالحدث والاستقراء. له طائفة من الاكتشافات الهندسية والفيزيائية (دائرة المعارف).
5 - تشاندرا تشاترشي كاتب ومفكر هندي له طائفة من المؤلفات باللغة البنغالية، وله دور هام في حركة تحرير الهند واستقلالها. وعاش قبل غاندي، وقبل تأسيس حزب المؤتمر الهندي، ومات سنة 1894م عن 56 عاماً. من آثاره الأدبية آنان دات) كما أن النشيد الوطني الهندي مقتبس من مقطوعة أدبية له عنوانها (باندباترا).
6 ـ جاء في (خبر الربيع): قرأ هندي عند المنصور كتب الطب، وعنده الصادق (عليه السلام) فجعل ينصت لقراءته فلما فرغ قال: يا أبا عبد الله، أتريد مما معي شيئاً؟ قال: لا، لأن ما معي خير مما هو معك، ثم ينتهي الحوار بإلقاء أسئلة علمية وطبية من الصادق (عليه السلام) على الطبيب الهندي الذي يعجز عن الرد عليها، منها قول الصادق (عليه السلام) حول العيون وانعكاس النور إليه: وجعل الحاجبان من فوق العينين ليردا عليهما من النور قدر الكفاية. ألا ترى يا هندي أن من غلبه النور جعل يده على عينيه ليرد عليهما قدر كفايتهما منه؟ (المناقب ج4 ص260).
7 - الشفاعة كمبدأ موجودة في القرآن الكريم ولكنها لا تعني ـ كما لا تستلزم ضرورة ـ كون الشفعاء من جنس آخر فوق البشر...

علي العذاري
07-26-2012, 01:30 PM
نسبية الزمن عند الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)


من القضايا الهامة التي نوقشت في مدرسة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قضية الزمن التي تناولها الإمام ضمن ما تناول من مسائل فلسفية مختلفة، وأبدى فيها ما ارتآه من آراء، وقد عني فلاسفة اليونان من أقدم العصور بهذه القضية الفلسفية الهامة، وما زالت تستأثر بالبحث والتحقيق إلى يومنا هذا.
وكان من رأي بعض فلاسفة اليونان أن الزمن ليست له حقيقة أو وجود خارجي، في حين رأى البعض الآخر أن الزمن حقيقة ثابتة تقام الدلائل والبراهين على تأكيدها.
والفلاسفة الذين أنكروا حقيقة الزمن قالوا إنه غير موجود، سواء بصورة ذاتية أو بصورة تبعية. وفي رأيهم أن (الزمن فاصل بين حركتين)، وأن الإنسان أو أي كائن حي ذي شعور لا يحس بهذه الفاصلة حتى وإن تابع سير الحركة، واستناداً إلى هذا، قطعوا بأن الزمن منعدم الوجود، سواء في صورته الذاتية أو في صورته التبعية.
وتساءل فلاسفة اليونان عما إذا كان الحيوان يدرك الزمن ويعرف مقاطعه. فقال بعضهم إن هناك قسماً من الحيوان يحس بالزمن ويدرك مقاطعه وفواصله، وما هذه المقاطع والفواصل إلا جوع الحيوان أو عطشه أو حلول الظلام بغروب الشمس، أو غير ذلك من الظواهر الطبيعية الأخرى.
أما الذين ينكرون أن للزمن وجوداً ذاتياً، فيقيمون براهين كثيرة على ذلك، منها قولهم إن الإنسان إن فقد وعيه، لم يعد يحس بالزمن أو يشعر بمروره مهما طال، ومتى عاد إلى وعيه، لم يعرف كم انقضى عليه من ساعات أو أيام. ولو كان للزمن وجود ذاتي، لأدرك الإنسان مقدار الفاصل الزمني الذي مر عليه. وهذا نفسه يقال عن النائم مهما طال رقاده، إذ يجهل مقدار الوقت الذي مر عليه إلا من الظواهر الشمسية أو آثار الليل.
أما الفريق الآخر الذي يقول أن للزمن وجوداً ذاتياً، فقد صنف الزمن إلى نوعين، أولهما الزمن المتحرك أو السائر، وهو يتألف من ذرات متحركة تنتقل من جانب إلى جانب.
وإذا كنا لا نشعر بمرور هذه الذرات في حد ذاتها، إلا أننا نشعر بمرورها مترائية في الإنسان نفسه، كالتغييرات المتلاحقة التي تطرأ عليه من الطفولة إلى الصبا فالشيخوخة، كما نشعر بانقضاء الزمن من خلال التغيرات الطارئة على النباتات والأشجار من حولنا.
أما النوع الثاني، فهو الزمن الثابت الذي لا تتحرك ذراته وأجزاؤه لأنها كذرات المادة من رمل وتراب، تترسب وتمكث. ومثل هذا الزمن لا ينتقل من مكان إلى مكان، ولا يفصل بين حركة وحركة، ولهذا سمي بالزمن الثابت غير المتحرك.
وفي رأي فلاسفة الإغريق القدامى أن الأبدية زمن الآلهة، وهو زمن ثابت، في حين أن الزمن المتحرك السائر هو زمن الكائنات الحية، ومنها الإنسان.
ولأن زمن الآلهة ثابت غير متحرك، فلا تغيير يطرأ في وجودها أو وضعها. أما الإنسان والحيوان والنبات، فلأنها تعيش في الزمن المتحرك السائر، فهي عرضة لتغيرات تطرأ عليها، ولا سبيل إلى وقفها أو الحيلولة دونها ما دام الزمن متحركاً سائراً يتعذر وقفه.
ولو استطعنا وقف حركة الزمن ووقف تغير في شكل الكائنات الحية، لرفعناها إلى مرتبة الآلهة، لأنها تتمتع إذ ذاك بالزمن الثابت، وهو أبدي.
أفيمكن إجراء مثل هذا التغيير، أي إدخال أنواع الحيوان والنبات في حيز الزمن الثابت، فتغدو أبدية الوجود كالآلهة؟
أجاب فلاسفة اليونان على هذا التساؤل بنعم، فمن مؤدى هذا العرفان اليوناني الارتقاء بالإنسان إلى مرتبة الآلهة، وهو ما حاوله كثير من عرفاء الإغريق وفلاسفتهم، كل بأسلوبه الخاص.
فالفيلسوف اليوناني زينون(1) ، الذي أسس المذهب الرواقي نسبة إلى هيكل أثينا الذي كان يعلم فيه الفلسفة، يرى أن الخير هو السعادة، وأن الإنسان يبلغ السعادة عن طريق الفضيلة، وأما الفضيلة نفسها فهي ثمرة الإرادة المعتمدة على العقل، ومن الفضيلة تحمل المشاق في سبيل الوصول إلى الخير وتحقيقه.
ومما قاله زينون إنه لا يسع الإنسان أن يظفر بالحرية الكاملة في الدول الديمقراطية كأثينا بالقانون وحده، وأنما الحرية تكتسب بالجهاد الأكبر، وهو جهاد النفس، فإذا قتلت النفس الشريرة ارتاح الناس، ولم يعتد أحد من ذوي النفوس المهذبة على حقوق الغير، والكل يتمتع بالحرية.
وكان الفيلسوف أبيقور (341ـ 270 ق.م) يرى أن الزمن الأبدي والسعادة المطلقة يتم التوصل إليهما عندما يتمتع الإنسان بكل ما وهب في حدود الاعتدال. وكان من رأيه أن دراسة الفلسفة إنما تراد للحصول على اللذة المصاحبة لمعرفة هذا العلم.
وفي مذهب أبيقور أن النفس إذا عملت خيراً ورد عليها سرور وفرح، وإذا عملت شراً ورد عليها حزن وترح، وإنما يكثر سرور كل نفس بالاجتماع بالأنفس الأخرى.
وهناك فيلسوف يوناني آخر عاصر أبيقور وكان له رأي مخالف لرأي معاصره، وهو ديوجين الفيلسوف ومن مذهبه أن التكامل البشري ووصول الإنسان إلى الزمن الثابت الأبدي، وبالتالي إلى الآلهة، يتطلبان ترك الدنيا وملذاتها والاكتفاء بالقدر والضروري القليل من وسائل العيش. وقد روي أنه شاهد طفلاً يشرب الماء بكفيه مستغنياً عن الكأس الوحيدة المتاحة للشرب، فقال إن زخارف الدنيا تحول دون الالتحاق بالآلهة.
ونلاحظ أن هناك وجهاً مشتركاً في العرفان بين فلسفة اليونان والعرفان الشرقي، يتمثل في أن الطريق إلى الله يمر بكبح جماح النفس والنأي عن الملذات. ولا فرق من هذه الناحية بين فكر اليونان القديم وفكر الشرق القديم، اللهم إلا في حدود هذا الامتناع ومداه. وكان من رأي بعض فلاسفة اليونان، ومنهم ديوجين، أن احتفاظ الطالب العارف بأكثر من قميص واحد يستر العورة أمر لا يجوز، وهو يقف حائلاً بينه وبين الوصول إلى الآلهة. ومثل هذه الفكرة نجدها في الشرق، ينادي بها العرفاء والصوفية. فمن أين جاء هذا التشابه أو اللقاء بين الفكرين؟
معروف أن الشرق لم يلتق باليونان قبل قيام دارا ملك الفرس الأخميني (الهخامنشي) في عام 460ق.م. بالهجوم على اليونان. فهل حدث اللقاء بين الفكرين اليوناني والشرقي منذ هذا التاريخ؟ وهل انتقلت فكرة الجهاد مع النفس للوصول إلى الآلهة من الشرق إلى اليونان، أو عكس ذلك؟
الواقع أننا لا نجد أثراً لهذه الفكرة لا في التعاليم الأصلية لكونفشيوس في الصين، ولا في تعاليم بوذا في الهند، ولا في تعاليم زردشت في فارس. فلم يدع أحد منهم إلى قتل النفس للوصول إلى مرتبة الآلهة. ولكن هذه الفكرة انتشرت في الشرق وفي اليونان دون أن تكون بينهما علاقات ثقافية أو روابط أخرى. فهل لنا أن نستخلص من هذا أن فكرة الجهاد مع النفس وترك الملذات للوصول إلى الله أو السعادة الأبدية قد وجدت وتبلورت عند الشعوب الفقيرة الكادحة التي لا تجد ما يكفيها لسد احتياجاتها؟ ولو أن العرفاء والمتفلسفين في مناطق العالم المختلفة كانوا من طبقة الأغنياء أو السراة، فهل كانوا يشترون بطريق آخر للوصول إلى الله أو الآلهة؟
هذا التساؤل لا يعني طبعاً أن التاريخ قد خلا من أغنياء أو أصحاب جاه تركوا ملذات الدنيا ونبذوا أهواء النفس لكي يصلوا إلى هذه الغاية، ولا هو يعني أن فكرة مجاهدة النفس كانت خاصة بالفقراء والمعدمين وحدهم.
ونعود إلى فكرة الزمن، فنقول إن الدور قد جاء على حكماء أوروبا وفلاسفتها في القرون المتأخرة ليدلوا بآرائهم في هذه القضية، فمنهم من أنكروا وجود الزمن إنكاراً باتاً حتى في القرن التاسع عشر الميلادي قائلين إن الموجود هو المكان. ومنهم من أنكر المكان قائلاً إنه يوجد تابعاً للمادة، ولا وجود له في حد ذاته، وحيثما وجدت المادة وجد المكان، وإلا فلا.
وكان في سوادهم يرون في هذا القول إنكاراً للمشاهدات المحسوسة، فهم يشاهدون في حياتهم اليومية الغرفة التي يعيشون فيها أو ينامون، وهي ذات عرض وطول وارتفاع. فكيف يسوغ إنكار هذه الحقيقة المادية الملموسة المتجلية بأوضح صورها في المأوى اليومي؟
كما كانت في القرن الماضي مجموعة من العلماء تنكر وجود المكان، ومن مؤدى نظريتهم أن المكان بلا وجود أو حقيقة، وأن ما تحسبه العين مكاناً ذا أبعاد أربعة إن هو إلا المادة، والمادة هي التي تخلق المكان، أي بعبارة أخرى، أن المادة هي المكان، وحيثما وجدت وجد المكان، وإلا انعدم.
ولو سئل واحد من هؤلاء العلماء: وماذا تقول في الطائرة التي تقلع من ماكن وتنتقل بسرعة فائقة إلى حيث تحط في مكان آخر؟ وما القول في سفينة الفضاء، وأين هي تطير؟ لجاء الجواب: إنها تطير في المادة (!).
ويشك البعض في صحة هذه النظرية، لأن المعروف أن الهواء ينتشر في الفضاء بأجزائه وذراته على امتداد مسافة معينة قد لا تتجاوز ثلاثة آلاف كيلو متر، يليها الفضاء الطلق الفسيح الذي لا توجد فيه إلا أمواج الأثير كأشعة الضوء أو الأمواج الكهربائية أو الجاذبية المغنطيسية، ولا أثر للمادة في هذا الفضاء الفسيح حتى تسبح فيه سفن الفضاء.
ولكن المنكرين لهذه النظرية يقولون إن الفضاء الذي تسبح فيه سفن الفضاء هو في حقيقته الحد الفاصل بين نواة الذرة وإلكتروناتها، وأن الحد الفاصل بين نواة الذرة وأجزائها من الإلكترونات هو في حقيقته كالحد الفاصل بين قرص الشمس والسيارات. وهذه الفاصلة (سواء أكانت في الوحدة الذرية أم وجدت بين الشمس وبين الأرض أو الزهرة وغيرها من الأجرام) هي جزء من المادة، والدليل على ذلك أن الجاذبية تمر فيها، وقوة الجاذبية لا تنفصل عن المادة، ولا تنفصل المادة عنها.
ولسنا نرى في هذه النظرية فرقاً بين الطاقة والمادة، وكلتاهما تعتبران أمراً واحداً، ولكنهم كانوا يقولون إن للمادة خواص تختلف عن خواص الطاقة، والواقع المؤكد هو أن العلماء منذ القرن الثامن عشر انتهوا في أبحاثهم إلى أن المادة والطاقة وجهان لشيء واحد، في حين أن تعريف المادة والطاقة في علم الفيزياء الحديث يتخذ أبعاداً أخرى. وإلى بداية القرن العشرين، كان من الجائز تعريف المادة بأنها طاقة متراكمة أو مكثفة، وأن الطاقة مادة موجية، ولكن هذا التعريف لكل من المادة والطاقة لا يفي بمطالب العلم الحديث وما انتهى إليه من نتائج.
ولو قلنا إن قوة الجاذبية هي المادة، لأصبحت المادة التي عرفناها بأنها طاقة متراكمة، مادة مواجة غير متناهية، ولاضطررنا إلى الاعتراف بأن الوجود ليس فيه سوى المادة، ولسلمنا بالرأي القائل أن الطائرات وسفن الفضاء تطير في المادة.
ومما لا ريب فيه أن سرعة أشعة قوة الجاذبية تجعل الجرم لا متناهياً، وتصبح المادة بناءً على هذه النظرية لا متناهية بدورها.
ومنذ مطلع القرن الحالي، وبعد رحلات الفضاء التي قام بها الإنسان، تجمعت لدى علماء الفيزياء معلومات هامة أخرى عن المادة، منها أن جميع العناصر الموجودة في الكرة الأرضية تنبعث منها الأشعة فوق البنفسجية بصورة مستمرة، وفي حين أن العلماء قبل هذه الرحلات كانوا يعتقدون أن الأشعة لا تنبعث إلا من الأجسام الدافئة وحدها. فإن سفن الفضاء والأقمار الصناعية التي تدور حول الأرض بصورة مستمرة أثبتت أن الأشعة فوق البنفسجية لا تنبعث من الجسم الدافئ وحده، بل تنبعث حتى من الثلوج في القطبين الشمالي والجنوبي(2) .
وقد أجريت تجارب دقيقة في مختبرات علمية على أجسام بردت إلى درجة متناهية في البرودة، فتبين أن الأشعة لا تنقطع بسبب البرد الشديد، وأدت هذه التجارب إلى ظهور قانون فيزيائي هو أن الأجسام والعناصر الموجودة في الكرة الأرضية لا تكف عن الإشعاع إلا إذا هبطت درجة الحرارة إلى الصفر. ودرجة الصفر هي الدرجة التي عندها تتوقف حركة الجزيء في المادة.
وبفضل هذه الأشعة يستطيع الإنسان رؤية كل شيء في الظلام مستعيناً بالمنظار المجهز بالأشعة فوق البنفسجية، وهو منظار لا يحتجب عنه شيء. وقد دلت التجارب على أن الأشعة التي تنبعث من النباتات النضرة والأجسام الحية للإنسان والحيوان تفوق في مقدارها الأشعة المنبعثة من النباتات أو الحيوانات الميتة. (ومما يذكر أن هذا المنظار يستخدم في جبهات القتال ليلاً لمعرفة تحركات العدو وآلياته).
وعند علماء الفيزياء أو المقصود بدرجة الصفر في البرودة هو هبوط درجة البرودة إلى 273.1 درجة سنتيغراد أو 459.6 فهرنهيت. غير أن هؤلاء العلماء لم يستطيعوا الوصول إلى هذه الدرجة من البرودة في المعامل الضخمة التي أقيمت للأغراض العلمية، وإنما استطاعوا الوصول بدرجة البرودة إلى 220 درجة تحت الصفر مقيسة بميزان الحرارة المئوي (سنتيغراد). وبعد وصولهم إلى هذا الحد الهائل من البرودة، يواجهون عقبات كثيرة في سبيل الهبوط بدرجة البرودة إلى ما بعد ذلك. وصفوة القول إنهم لم يستطيعوا الوصول إلى درجة البرودة المطلقة، أي الصفر، لكي يتبينوا آثار التوقف الكامل لحركة الجزيء في الأجسام، وهل يؤثر هذا التوقف في الذرة أو لا.
وفي حين تتصل التجارب العلمية على المادة وتستمر وتميط اللثام عن كل جديد وغريب في هذا الكون، يبدو أن النظرية القائلة بأن الوجود هو المادة اللامتناهية، وأن ما يبدو في أعيننا كالخلاء هو مجال إشعاع المادة، هي نظرية غير بعيدة عن الواقع، وخليق بالعلماء أن يتأملوها ويتابعوها.
وللعالم الفيزيائي المعاصر إسحاق ازيموف(3) الذي ولد في روسيا وهاجر إلى الولايات المتحدة، نظرية علمية عن المكان تجدر الإشارة إليها.
يقول أزيموف إن (المكان هو المادة وإشعاعها)، وإن المادة الأصلية هي نواة الذرة أو النواة المجتمعة، وإن الأمواج المشعة الصادرة من هذه النواة يزيد ضغطها ووزنها باقترابها من النواة، وينقص بابتعادها عنها، دون أن يقلل ذلك من سرعتها.
ويمكن تشبيه النواة بمصباح ينشر الضوء في ما حواليه فإذا ابتعدنا عنه، قل الضوء دون أن تقل سرعته (وسرعة الضوء هي 300 ألف كيلو متر في الثانية الواحدة). بل إننا إذا ابتعدنا عن المصباح حتى لم نعد نرى ضوءه، ظل الضوء موجوداً ومحتفظاً بسرعته المعتادة بتحرك وينتشر حول المصباح. وهو لا يصل إلينا لأن لأعيننا وآذاننا وحاسة اللمس عند الإنسان قدرات معينة لاستقبال الموجات لا تتعداها، فإن ابتعدنا عن المصباح المضيء في الدار حتى غاب نوره عن أعيننا، فنوره باق، وهو ينطلق بسرعة 300 ألف كيلو متر في الثانية، كما قلنا قبلاً، وإن كانت عيوننا لا تدركه حتى ولو انحنى في أثناء سيره.
وكان الاعتقاد السائد في الماضي أن موجات الضوء تسير في اتجاه مستقيم، غير أن التجارب الحديثة برهنت على أن هذه الموجات قد تنحني إذا ما اعترضتها أجرام ذات قوة جاذبية شديدة، كما برهنت على أن نور المصباح متى ابتعد عن الكرة الأرضية انحنى أمامها الضوء الساطع، تجذب الضوء إليها؟ إن الرد في علم الفيزياء هو: لا، وهو رد يحير العلماء الذين يتساءلون قائلين: كيف تعجز الشمس بقوة جاذبيتها الفائقة عن اجتذاب ضوء المصباح إليها في حين أن الضوء ينحني عندها؟
نعم، إن لكل نجم قوة جاذبية تتناسب مع جرم هذا النجم، وأجرام الشمس هي على درجة من الكثرة تقل تلقاءها أجرام المنظومة الشمسية بأسرها، إذ أن مجموع أجرام المنظومة الشمسية يعادل أربعة عشر بالمائة من واحد من المائة من جرم الشمس. أي أننا إذا قسمنا أجرام الشمس إلى مائة وحدة، ثم جمعنا أجرام النجوم والسيارات الأخرى في المنظومة الشمسية، لوجدنا أنها تساوي 14% من كل وحدة من وحدات جرم الشمس المائة.
وينبغي ألا يكون هناك لبس في فهم الجرم، إذ هو يختلف عن الحجم، فجرم الجسم يقاس بالوزن أو بالحس، وكلما ثقل وزن جسم كبر جرمه، وكلما كبر جرم جسم ما، ازدادت قوة جاذبيته، ولأن أجرام الشمس كثيرة ومتكافئة، فجاذبيتها أقوى وأشد.
ومع ذلك، فالشمس لا تجذب موجات الضوء المنبعث من مصابيحنا، ولكنها تجعلها تنحرف عن مسارها. وسبب ذلك أن للضوء سرعة قدرها 300 ألف كيلو متر في الثانية ـ كما سبق أن ذكرناـ وبهذه السرعة الفائقة ينطلق الضوء قاطعاً مسافات شاسعة، ماراً من الشمس إلى كرة شمسية أخرى، حتى يصل إلى مجموعة النيازك التي يطلق عليها اسم (كوتوله).
وقد أطلق الفلكيون هذا الاسم على مجموعة من الشهب والنجوم التي تراكمت أجرامها وتزايدت قدرة جاذبيتها بحيث أن الضوء لا يستطيع تجاوزها، فيصل إليها وينجذب نحوها على الفور. والأجرام التي تضمها مجموعة (كوتوله) متراكمة بكثرة يتعذر تصورها.
وسبب تراكم الأجرام في هذه المجموعات النيزكية هو أن لذراتها نواة، ولكن ليس لها إلكترون. ومعروف أن الذرة هي أصغر جزء في المادة، وأنها تشبه فضاءً خالياً كالمنظومة الشمسية تماماً، وهناك نواة، وهي الجزء الجوهري في الذرة، والباقي فضاء خال تدور فيه الإلكترونات حول النواة، تماماً كما تدور السيارات حول الشمس في منظومتنا.
ولو أزيل الفاصل بين الإلكترون والنواة بحيث تبقى النواة وحدها، لأصبح جرم الكرة الأرضية ككرة اللعب، أم وزنها فيساوي وزن الكرة الأرضية.
فالذرات في المجموعات المسماة (كوتوله) فقدت فضاءها الخالي، وفقدت الإلكترونات أيضاً، ولم تبق فيها إلا النوى المتراكمة المندمج بعضها في البعض الآخر بحيث يتألف منها جرم متراكم واحد، ولو حدث هذا في الكرة الأرضية مثلاً، لكان وزنها معادلاً لوزن كرة اللعب، ولأن قوة الجاذبية تتناسب مع الجرم، فلهذه المجموعات جاذبية كبيرة لا تسمح لشعاع الضوء بتجاوزها، وهذا هو سر إظلام هذه المجموعة، ذلك أن الضوء يفقد موجاته حولها بسبب انجذابها نحوها.
ويقول إسحق أزيموف أن الطريق ـأي المكانـ لا وجود له، وإن الضوء هو الذي يوجد المكان، وإن أشعة الضوء وموجاته هي المكان.
فمن رأي هذا العالم الفيزيائي الروسي الأصل أن المكان ليس له وجود أو حقيقة، إلى أن ينطلق فيه الضوء، وعندئذ يتسبب الضوء نفسه وبأمواجه في إيجاد المكان، ولو سألنا عن مقدار المسافات التي يقطعها الضوء، أو عن مقدار المسافات التي يوجدها، لأجاب علماء الفيزياء قائلين: لا نهاية لذلك. ولأضافوا أن موجات الضوء تظل تتذبذب وتقطع المسافات إلى أن تتحول إلى مادة.
وثمة سؤال آخر يعلن للباحث هو: كيف يستطاع تحويل الضوء (ضوء المصباح مثلاً) من طاقة إلى مادة؟ إلى هذا اليوم، لم يوفق علم الفيزياء للاهتداء إلى جواب عن هذا السؤال، ولو حدث في أية لحظة أن اهتدى العلم إلى جواب عن هذا السؤال، لقطع بذلك مائة ألف سنة من التقدم في غمضة عين.
ففي هذا السؤال يتمثل سر الأسرار في الفيزياء، بل سر الخليقة وسر الوجود، فكيف السبيل إلى تحويل الطاقة إلى مادة؟
لقد نجح العلم في تحويل المادة إلى طاقة، وأصبح هذا أمراً مألوفاً نرى منه ألواناً شتى ليلاً ونهاراً في المصانع والطائرات والسفن والسيارات والمنازل، وحتى في الجسم البشري الذي تتحول فيه المادة إلى طاقة أما تحويل الطاقة إلى مادة، فهو أمر مازال متعذراً حتى الآن، ولا نعرف تعليلاً لحدوثه في الكون.
والشمس ظاهرة من أبرز ظواهر الخليقة الماثلة أمام أعيننا. وما يحدث في الكمس نفسها هو أن الطاقة لا تنقلب إلى مادة، وإنما المادة تنقلب إلى مادة أخرى، ذلك بأن عنصر الهيدروجين في الشمس ينقلب إلى عنصر الهليوم، فيتسبب ذلك في توليد حرارة شديدة.
وإلى هذا اليوم لا يعرف العلماء كيف وجدت الشمس، وقصارى ما قيل في هذا الباب لا يعدو النظريات الافتراضية، التي تفتقر إلى البرهان والإثبات.
وصفوة القول إن إسحق أزيموف وهو كما قلنا عالم فيزيائي معاصر يعمل أستاذاً في جامعات أمريكا ـينكر وجود المكان ولا يرى حقيقة له، ويقول إن ما نراه ونحس به هو المادة أو أمواجها وأشعتها، وإن إحساس البشر بالمكان سببه الأشعة المنبعثة من المادة.
فإن كنت جالساً في غرفة أو في مكتب وشعرت بأنك جالس في مكان، فسبب ذلك أن هناك أمواجاً وأشعة تحيط بك وتكتنفك، وإن انعدمت انعدم شعورك بالمكان.
ولكن، هل من المستطاع وقف هذه الأمواج، فنفقد بالتالي شعورنا بالمكان كما يقول أزيموف؟
علم الفيزياء يقول في الرد على هذا التساؤل: لا، لأن أمواج الضوء تحيط بنا وتكتنفنا حتى في الليالي المظلمة وإن لم نر الضوء، ولأن أمواج الصوت تتحرك من حولنا حتى في أهدأ الأجواء، ولأن بعضها يصل إلينا ويعبر من أجسامنا.
ولو انقطعت الموجات جميعاً، فموجات الجاذبية لا تنقطع في أي وقت حتى في المنطقة الخارجة عن نطاق جاذبية الأرض، وهي جاذبية يتعرض لها رواد سفن الفضاء في الجو، ولكن التوازن الذي تحدثه مع سرعة السفن المنطلقة هو الذي يحول دون سقوطها.
وليس صحيحاً الاعتقاد بأن للسفن الفضائية في الداخل أو الخارج مناعة من قوة الجاذبية.
ذلك لأن من حقائق على الفيزياء أن قوة الجاذبية مرتبطة بالمادة ارتباطاً من شأنه انتفاء المادة تماماً إذا جردت من هذه القوة، ولو انقطعت موجات الجاذبية لما بقي على قيد الحياة كائن حي، ولا بقي في الدنيا جسم جامد ولو للحظة واحدة.
أوردنا في ما تقدم خلاصة للنظريات التي قال بها علماء الفيزياء في القرن التاسع عشر والقرن العشرين بشأن الزمان والمكان.
فإن عرفنا بعد ذلك أن رجلاً جاء قبل اثني عشر قرناً ونصف قرن وتبنى مثل هذه النظرية بشأن المكان والزمان، أفلا يستحق منا تقديراً وإجلالاً؟ أو ليس هذا دليلاً على أنه ذا عقلية سبق بها عصره وعصوراً أخرى كثيرة، وأنه كان فذاً في تفكيره الكاشف؟
إن هذا الرجل هو جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) الذي عاش في النصف الأول من القرن الثاني للهجرة، وساق نظريات حول الزمان والمكان تتفق مع نظريات العلماء المعاصرين، ناهيك عن أن تعريف الزمان والمكان لدى الصادق (عليه السلام) كان خلواً من المصطلحات والمعادلات العلمية الحديثة، وكان مصوغاً في قالب سهل المأتى، واضح المعنى.
ففي رأي الصادق (عليه السلام) أن الزمان غير موجود بذاته، ولكنه يكتسب واقعيته وأثره من شعورنا وإحساسنا، كما أن الزمان هو حد فاصل بين واقعتين أو وحدتين.
وهو يرى أن الليل والنهار ليسا من أسباب تشخيص الزمان ومعرفته، وإنما هما حقيقتان مستقلتان عن الزمان، يضاف إلى ذلك أن الليل والنهار ليس لهما طول ثابت، فالليل يقصر في الصيف ويطول في الشتاء، والنهار على عكسه، وهما يتعادلان أحياناً.
وفي رأي الصادق (عليه السلام) أن للمكان وجوداً تبعياً لا ذاتياً، وهو يتراءى لنا بالطول والعرض والارتفاع، ولكن وجوده التبعي يختلف باختلاف مراحل العمر، ةمن ذلك مثلاً أن الطفل الذي يعيش في بين صغير، يرى بخياله وأحلامه أن فضاء البيت ساحة كبرى. ومتى بلغ هذا الطفل العشرين من عمره، رأى هذه الدار مكاناً صغيراً جداً، وأدهشه أنه كان يراها واسعة رحيبة في طفولته.
فللمكان، بناء على ذلك، وجود تبعي لا حقيقي، وفي هذا اتفقت آراء علماء الفيزياء في القرن العشرين مع رأي الإمام الصادق في القرن السابع الميلادي.



1 - زينون القبرسي من أعلام العصر الهليني في تاريخ الفلسفة الإغريقية، وهو زعيم مذهب الرواقيين الذين كانوا يرون بماديتهم أن جميع المعارف حسية. توفي سنة 263 ق.م (راجع (تاريخ الفكر العربي) لعمر فروخ ص122).
2 - تبين للعلماء من رحلات الفضاء والتجارب العلمية أن الفضاء الخارجي مشحون بقوى وطاقات هائلة من الذرات المؤينة (المعروفة علمياً باسم البلازما) واهتدوا إلى حزام هائل من الأشعة الرهيبة يحيط بالكرة الأرضية على طبقتين، وقد عرف علمياً باسم (حزام فان آلن)، وتتألف هذه الأشعة من (الكترونات) و(بوزيترونات) مشحونة، وهي تتحرك بسرعة هائلة بالإضافة إلى أشعة (غاما) و(الأشعة الكونية) التي تخترق الأجسام مهما يكن سمكها أو طبيعتها. (راجع (العلوم الطبيعية في القرآن) ليوسف مروة ص170ـ 171).
3 - الواقع أن اسم هذا العالم اسم عربي فهو إسحاق عظيم أوف وهو المسلمين الروس (المترجم).

علي العذاري
07-26-2012, 01:32 PM
نظرية الصادق (عليه السلام) حول أسباب بعض الأمراض


ومن النظريات التي قال بها الإمام الصادق (عليه السلام) وكشفت عن نبوغه العلمي وإحاطته الواسعة بدقائق العلوم، نظريته المتعلقة بانتقال بعض الأمراض عن طريق الضوء من المريض إلى السليم.
ومؤدى هذه النظرية أن هناك أمراضاً ينبعث منها ضوء، فإذا أصاب الضوء أحداً، انتابته العلة.
ولا بد من ملاحظة أن هذا القول لا ينسحب على العدوى بطريق الهواء أو الميكروب، لأن هذه الحقيقة لم تكن قد كشفت بعد أيام الصادق (عليه السلام)، وإنما ينصب هذا القول على الضوء ـوليس كل ضوءـ بل الضوء الذي يشعه المريض، فإذا أصاب سليماً أمرضه.
وقد ذهب علماء الأحياء إلى أن هذه النظرية ضرب من الخرافة، اعتقاداً منهم بأن العامل الرئيسي في انتقال المرض هو الميكروب أو الفيروس الذي ينتقل بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن طريق الحشرات أو الماء أو الهواء الملوث.
وكان الاعتقاد السائد بين المطببين قبل اكتشاف الميكروب أن الرائحة هي السبب الفعال في انتقال المرض، ولهذا صرفوا اهتمامهم إلى الحيلولة دون انتقال الرائحة من المريض إلى السليم. أما ما ذهب إليه الصادق (عليه السلام) من أن الضوء المشع المنبعث من المريض هو الذي يتسبب في نقل العدوى، فهو نظرية لم يقل بها أحد في أي مرحلة من مراحل تاريخ الطب الطويل.
وظلت هذه النظرية معدودة من الخرافات في رأي العلماء والباحثين إلى أن جاءت التجارب العلمية المعاصرة معززة لها ومثبتة لصدق آراء الصادق (عليه السلام) هذه.
ففي مدينة (نوو ـ وو ـ سيبيرسك)(1) الواقعة في الاتحاد السوفياتي مركز من أهم مراكز البحوث في العلوم الكيميائية والطبية. وقد استطاع هذا المركز أن يثبت للمرة الأولى بأن هناك من الأمراض ما يشع ضوءاً، وأن هذا الضوء قادر في حد ذاته، ودون ميكروب أو فيروس، على إصابة الخلايا السليمة وإيقاع المرض بها.
أما الأسلوب الذي اتبعه علماء مركز (نوو ـ مم ـ سيبيرسك) في إجراء تجاربهم فكان على النحو التالي:
تخير العلماء مجموعتين من الخلايا الموجودة في كائن حي، وراعوا فيها أن تكونا من نفس العضو، كخلايا القلب أو الكلى مثلاً، ثم أجروا عليهما عملية تجزئة أو تحليل، وتابعوا نتيجة ذلك. وقد تبينوا أن الخلية تشع أنواعاً من (الفوتون)، (ومعروف أن ذرة الضوء تسمى بالفوتون، وهو أصغر جزء منه) وبفضل التقدم العلمي استطاعت المختبرات العلمية تجزئة الفوتون وإجراء تجارب علمية عليه.
وبعد إجراء البحوث الدقيقة على هاتين المجموعتين من الخلايا المتشابهة والمختلفة في الكائن الحي، أدخلوا المرض على مجموعة منها ليتابعوا تأثير إشعاعه، فوجدوا أن الفوتون يشع من الخلية المريضة أيضاً، وأن المرض يمنع الخلية من الإشعاع.
ثم انتقل العلماء إلى المرحلة الثانية من التجارب، فوضعوا الخلايا السليمة في حافظتين إحداهما من الكوارتز(2) والأخرى من الزجاج.
ومعروف أن من خواص الكوارتز مقاومته للأشعة، فلا تخترقه إلا الأشعة البنفسجية، في حين أن من خواص الزجاج العادي أن فوتون أنواع الأشعة يخترقه ما عدا الأشعة فوق البنفسجية.
وقد تبين العلماء بعد انقضاء ساعات على الخليات الموجودة في الحافظتين أمام الخلية المريضة أن ما كان منها في حافظة الكوارتز أصيب بالمرض، أما الخلايا التي كانت في الحافظة الزجاجية فقد بقيت سالمة.
وما دام الكوارتز يقاوم جميع أنواع الأشعة ما عدا الأشعة فوق البنفسجية، وما دام الزجاج يقاوم الأشعة البنفسجية وحدها، فقد تحقق من هذه التجربة أن الخلية المريضة التي تصدر منها أشعة فوق بنفسجية قادرة علة نقل المرض إلى الخلايا السليمة من خلال هذه الأشعة. أما الخلايا السليمة الموضوعة في الحافظة الزجاجية، فلم تصل إليها الأشعة فوق البنفسجية الصادرة عن الخلية المريضة، وبقيت محتفظة بسلامتها، في حين أن الخلايا السليمة الموجودة في حافظة الكوارتز أصابتها العلة لأن الكوارتز لا يقاوم الأشعة فوق البنفسجية الصادرة من الخلايا المريضة.
وقد أعيدت هذه التجارب على أمراض مختلفة وعلى خلايا متشابهة ومختلفة طوال ربع قرن، وبلغ عدد التجارب التي أجريت خمسة آلاف، وذلك للتوصل إلى رأي علمي ثابت بالبرهان العلمي المتكرر.
وقد تشابهت نتائج هذه التجارب، ودلت بصورة قاطعة على أن الخلية المريضة تنبعث منها أشعة مختلفة، منها الأشعة فوق البنفسجية، وأن الخلية السليمة إذا ما أصابتها أشعة فوق بنفسجية صادرة عن خلية مريضة، انتقلت إليها نفس علة الخلية المريضة.
ولم يحدث في جميع التجارب التي استمرت خمساً وعشرين سنة أن تجاوزت الخلايا السليمة والخلايا المريضة بحيث يقال إن عدوى الميكروب أو الفيروس انتقلت من هذه إلى تلك بالاحتكاك، فثبت للباحثين أن سبب انتقال العدوى هو الأشعة فوق البنفسجية المنبعثة من الخلية المريضة.
وإذا منعنا هذه الأشعة من الوصول من الخلايا المريضة إلى الخلايا السليمة، منعنا المرض من الانتقال من هذه إلى تلك.
ومن خواص المضادات الحيوية أنها تقلل من حدة هذه الأشعة، فتشل قدرتها على نقل العدوى من الخلايا المريضة إلى الخلايا السليمة.
ويؤخذ من البحوث التي أجريت في هذا المركز العلمي السوفيني أن خلايا جسم الإنسان تصدر عن كل منها أشعة فوق بنفسجية، كما أنها تستقبل هذه الأشعة، أي أنها ترسلها وتستقبلها وتنقل العدوى بسببها إذا ما انتقلت من خلية مريضة إلى خلية سليمة. أما إذا كانت الخلية سليمة، فلا يترتب على انتقال الأشعة ضرر أو مرض.
كذلك ثبت أن الخلايا السليمة، إذا ما مرضت بفعل التوكسين (السم)، أصبحت بدورها ناقلة للعدوى بفعل الأشعة فوق البنفسجية المنبعثة منها.
والتوكسين سم تولده عناصر وخلايا موجودة في جسم الإنسان، ولكن مفعوله في الجسم يختلف عن مفعول الميكروبات والفيروسات. والإكثار من الطعام هو من العوامل الهامة في توليد التوكسين بكميات زائدة في جسم الإنسان عند التقدم في العمر.
وقد ثبت من التجارب العلمية التي أجريت، وعددها خمسة آلاف تجربة، أن الخلايا المريضة تنتقل منها العدوى إلى الخلايا السليمة بفعل الأشعة فوق البنفسجية المنبعثة من الأولى، كما ثبت أن الخلايا المريضة بالتوكسين تنقل المرض بدورها بفعل هذه الأشعة عينها، دون انتقال لأي ميكروب أو فيروس من الخلايا المريضة إلى الخلايا السليمة.
ولا ريب في أن النتائج التي أسفرت عنها هذه التجارب قد فتحت أمام علماء الأحياء والطب ميداناً جديداً يطرقونه لمعالجة الأمراض، يتمثل في اللجوء إلى إحدى طريقتين: إما الاهتداء إلى وسيلة تمنع انتقال الأشعة البنفسجية من الخلية المريضة إلى الخلية السليمة (كما هو الحال في انتقال الخلية المصابة بالسرطان إلى غيرها من الخلايا السليمة من طريق الأشعة فوق البنفسجية)، وإما بإكساب الجسم مناعة، بحيث تستطيع خلاياه السليمة مقاومة هذه الأشعة الناقلة للعدوى.
وقد أنعش هذا الكشف العلمي العظيم آمالاً عريضة في إمكان التوسل بهذا الأسلوب في معالجة الأمراض المستعصية كالسرطان وغيره. ومع أن العلماء يتفاءلون دائماً بقرب تحقيق المعجزات، إلا أننا نفضل دائماً انتظار ما تسفر عنه التجارب العلمية المتصلة، فهي وحدها التي تقطع بالنجاح أو بالفشل.
وثمة حقيقة لا ريب فيها، عززتها طائفة كبيرة من العلماء والباحثين في المراكز العلمية الأخرى، مؤداها أن الخلايا المصابة بأمراض مختلفة يشع كل مرض منها نوعاً خاصاً من الفوتون يختلف عن غيره من فوتونات الأمراض الأخرى. والعلماء عاكفون على إعداد جدول علمي يضم جميع أنواع الفوتونات والرقم الرمزي الخاص بكل نوع منها، ولكن إعداده يحتاج إلى وقت طويل بالنظر إلى كثرة عدد الميكروبات والفيروسات وأنواع التوكسين (السم)، ومع ذلك، فقد استطاعوا قبل الفراغ من هذا الحصر والإحصاء أن يشخصوا كثيراً من الأمراض والفوتونات التي تشعها وطرق علاجها.
وعلى سبيل المثال نذكر أن العلماء استطاعوا بعد كشف أسباب العدوى بميكروب الأنفلونزا ونوع الفوتون الذي يشعه وكذلك أشعته فوق البنفسجية، أن يحددول العلاج الكفيل بمنع سريان هذا المرض إلى الخلايا السليمة الأخرى.
وقد أجريت تجارب علمية مماثلة في الولايات المتحدة الأمريكية، فجاءت نتائجها متفقة مع ما انتهى إليه مركز الأبحاث السوفيتية، كما وضع الدكتور جون أوت كتاباً في هذا الموضوع ونشرت المجلات الطبية والعلمية نتائج هذه البحوث.
سقنا هذا العرض لندلل على أن العلم الحديث جاء مؤكداً للنظرية التي دعا إليها الإمام الصادق (عليه السلام) في منتصف القرن الثاني للهجرة ومؤداها أن الضوء المنبعث من مرض ما يتسبب في إصابة الغير بالمرض، وهي النظرية التي اعتبرت يومها من الخرافات البعيدة عن الواقع، فقد أقام العلم الحديث البرهان على أن الأشعة فوق البنفسجية المنبعثة من الخلايا المريضة تتسبب في نقل الأمراض إلى الخلايا السليمة. أما الأشعة فوق البنفسجية المنبعثة من الشمس فهي لا تصيب الإنسان أو الكائنات الحية بالمرض إلا إذا وصلت إلى جسم الإنسان والحيوان دون أن تمر من الهواء، أي دون أن يفصل بينها وبين الكائن الحي عائق مثل طبقة الهواء، ولولا هذه الطبقة الهوائية العازلة، لهلكت الكائنات الحية. وصفوة القول، إن التجارب العلمية قد جاءت مؤكدة لنظرية الإمام الصادق (عليه السلام) بعد ألف ومائتين وخمسين سنة.
على أن موضوع انتقال عدوى بعض الأمراض من الجسم المريض إلى الجسم السليم قد اهتدى إليه الإنسان من قديم، فقد جاء في ورقة من أوراق البردي المصرية القديمة، التي يرجع تاريخها إلى 15 قرناً قبل الميلاد والني يحتفظ بها المتحف الفرنسي، أن رجال فراعنة مصر منعوا المسافرين في سفينة من النزول إلى الساحل لأنهم كانوا مرضى، وخيف من نقلهم العدوى إلى الأصحاء.
وتثبت هذه الوثيقة التاريخية حقيقتين، أولاهما أن النقل البحري كان مزدهراً في مصر القديمة بين المدن المتناثرة على ضفتي النيل والبحرين الأحمر والأبيض، وثانيتهما أن الطب كان متقدماً في مصر القديمة في هذه الفترة السحيقة التي ترجع إلى 3500 سنة مضت.
فقد ثبت عند الناس من قديم أن بعض الأمراض ينتقل من المعتل إلى السليم، أي أن هناك طائفة من الميكروبات التي تنقل العدوى.
أما وقد نجح التجريب العلمي في إثبات نظرية الإمام الصادق (عليه السلام) من أن الأشعة فوق البنفسجية التي تنبعث من الخلية المريضة تتسبب في اعتلال الخلايا السليمة، فهل يمكن قياس فعالية هذه الأشعة؟ وهل يجوز القول بأن الأمراض التي تظهر من ناحية دون أخرى، أو الأمراض التي تقع مرة واحدة أو مصادفة، إنما هي أمراض انتقلت من خلايا مريضة بفعل الأشعة فوق البنفسجية؟ إن الرد على هذه التساؤلات، بما فيها قياس مفعول الأشعة الناقلة للعدوى، ما زال أمراً غير مقطوع به.
صحيح أن العلم الحديث عرف أن الفيروس لا يكاد يتخذ مكانه في الخلية حتى يسرع في التكاثر والانتشار بسرعة فائقة، وأن المضادات الحيوية أو غيرها من العقاقير تساعد على قتل الجراثيم والفيروسات في جسم الإنسان، ولكن العلم الحديث ما زال يجهل أشياء كثيرة، منها مثلاً سبب إصابة الخلايا بالشيخوخة. ولو عرفت علة هذه الشيخوخة وعولجت في الخلايا، لانتفت الشيخوخة من حياة الإنسان.
ومن الثابت والمقطوع به لدى العلماء الأمريكيين والروس أن الفوتون الموجود في الخلية المريضة ـ وهو جزء صغير من الضوء ـ إذا انبعثت منه أشعة فوق بنفسجية ووقعت على خلية أخرى سليمة، لتسببت في إصابتها بالمرض.
وللإيضاح نقول إنه إذا تصورنا أن الجرثومة (الميكروب) هي في حجم البالون، كان الفيروس في حجم حبة السمسم بالنسبة إليه. ولكن هذه الحبة الصغيرة بالنسبة للميكروب تحمل معها عدوى المرض إلى الخلايا السليمة.
وربما كان تعليل ذلك أن الفوتون يحمل معه جرثومة صغيرة جداً من المرض، وأن هذه الجرثومة تتسبب في اعتلال الخلية السليمة، وربما نجح العلم في القريب في تبيان كيفية انتقال المرض من الخلية المريضة إلى الخلايا السليمة من خلال الأشعة فوق البنفسجية، والعلم الحديث كفيل بكشف الغوامض جميعاً.
ولا تقتصر النظريات العلمية الكاشفة للإمام الصادق (عليه السلام)، ولا سيما في الفيزياء، على ما أوردناه في هذا البحث حتى الآن، بل إن له نظريات هامة أخرى أكدتها التجارب العلمية الحديثة.
ومن هذه النظريات مثلاً قوله إن لكل كائن موجود وجوداً ذاتياً كائناً مضاداً له، ما عدا الله، ولكن الضدين لا يتصادمان ولا يجتمعان، ولو اجتمعا أو تصادما لكانت في ذلك نهاية العالم.
وهذه النظرية هي بعينها النظرية الحديثة القائلة إن للمادة نقيضاً أو مضاداً (anti- body) وقد قطعت هذه النظرية شوطاً بعيداً في سبيل إثباتها بالتجريب العلمي.
والعلماء في البلدان المتقدمة عاكفون اليوم على البحث في مضادات العناصر المختلفة ونقائضها رغبة في التحقق منها(3)
والفرق بين المادة ومضاد المادة أو نقيضها يتحصل في أن المادة في العناصر المادية تتركب ذراتها من نواة مركزية موجبة تدور في فلكها إلكترونات سالبة، في حين أن ذرات المادة تتألف من نواة سالبة تدور في فلكها إلكترونات موجبة، أي أنها تماثلها ولكن بصورة عكسية تماماً.
ولم تجر حتى الآن تجربة يراد منها تحقيق مواجهة بين ذرات المادة وذرات مضادها، ولا تعرف بالتالي نتيجة هذه المواجهة، وهل يسفر التصادم بينهما عن انفجار أو عن أي عواقب أخرى ما زال أمرها في طي الغيب.
والحديث عن وقوع انفجار نتيجة لهذا التصادم لا يعدو أن يكون رأياً شبيهاً إلى حد كبير بالرأي النظري الذي كان يقول به العلماء حول شطر نواة ذرة عنصر الأورانيوم قبل صيف عام 1944 عندما فجرت أمريكا نواة الذرة للمرة الأولى، وحسمت بالقنبلة الذرية الحرب العالمية الثانية، إذ كان العلماء في ذلك الوقت يتحدثون عن إمكان حدوث سلسلة من الانفجارات المتصلة والمتعاقبة في عناصر الأرض إذا ما أمكن تفجير نواة الذرة، أي إحداث تفجير نووي، ولكن التفجير الذي أحدثته أمريكا انتهى دون أن ينتقل إلى بقية العناصر في الكرة الأرضية.
صحيح أنه قد أجريت تفجيرات أخرى كثيرة حتى الآن، سواء في الولايات المتحدة أو في غيرها، ولكن هذه التفجيرات كانت محدودة، ولم تنتقل إلى سائر العناصر في الكرة الأرضية، ولكن التفجير النووي شيء، والتفجير الذي يحتمل أن يحدث نتيجة لتصادم المادة ومضادها شيء آخر.
فالتفجير النووي أو الهيدروجيني يــحول جزءاً صغيراً من المـــادة إلى طاقة، ويبقي الجزء الأكـــبر عاطلاً فلا يـــتحول إلى طاقة(4) .
ويؤخذ من معادلة أينشتين الذرية أن الطاقة تساوي الكتلة مضروبة في مربع إلى فناء العالم، فقد استولى القلق والخوف الكبيران على علماء الفيزياء الذين صنعوا القنبلة الذرية الأمريكية وفجروها لأول مرة في عام 1944 خشية أن تحل بالعالم كارثة ماحقة.
واليوم يقول علماء الفيزياء الذين يدرسون احتمالات اصطدام المادة بمضادها إن هذا التصادم سينتهي بتحويل الاثنين إلى طاقة خالصة. ويذهب هؤلاء العلماء إلى أن اصطدام كيلو غرام من المادة بكيلو غرام من مضادها كفيل بتوليد طاقة تفني الكرة الأرضية إفناء تاماً وتحولها إلى غاز شديد الحرارة ينتشر في المنظومة الشمسية بأسرها.
ولكن البروفيسور آلفون، وهو أستاذ للفيزياء بجامعة (لوند) السويدية، عارض هذه النظرية قائلاً إن الأمر سينتهي بالإنسان إلى استغلال الطاقة المتحصلة من اصطدام المادة بمضادها وتسخيرها في أغراضه الصناعية باعتبارها طاقة لا تنفد. في حين أن الطاقة التي يمكن توليدها من البرق ومن شطر نواة اليورانيوم ومن الهيدروجين ومن مساقط المياه وحركات البحار هي طاقة لا تحل مشكلة الإنسان، ويعزز هذا العالم رأيه بقوله إن الطاقة المتولدة من اصطدام مائة كيلو غرام من المادة ومضادها، تكفي حاجات البشر من الطاقة في الكرة الأرضية بأسرها في سنة كاملة.
ولكن كان كل ما يقال عن عواقب اصطدام المادة ومضادها رجماً بالغيب، لأن هذا لم يتحقق بالتجريب العملي، فإن البروفيسور آلفون يرى أن مثل هذا التصادم ـإن تحققـ لن يولد إلا طاقة خالصة من جميع عناصر التلوث التي تفسد البيئة.
وقد أطلق البروفسور آلف على الطاقة الحاصلة من اصطدام العنصرين اسم (ماترجي) materji في مقابل (إنرجي) energy وهي الطاقة المولدة من المادة.
ويؤخذ من الفروض النظرية لهذا العالم أنه لو حدث اصطدام بين 500 غرام من المادة و500 غرام من مضاد المادة لتولدت من ذلك حرارة قدرها مائة مليار درجة (أي مائة ألف مليون درجة)، وليس في العالم مصدر يمكنه إعطاء البشرية هذا القدر من الحرارة، علماً بأن حرارة مركز قرص الشمس لا تزيد عن عشرة ملايين درجة.
ويقول البروفيسور آلفن في الرد على التساؤل: أفيستطيع الإنسان إخضاع هذا القدر الهائل من الحرارة وتسخيره في قضاء مطالبه؟ إن هذا ممكن إذا ما استطعنا إحداث تفجير جزئي في عملية تصادم العنصرين، تماماً كما أن التفجير الذي يحدث في نواة الذرة هو تفجير جزئي أو ناقص. وقد تقدم أن جزءاً فقط من المادة هو الذي يتناوله التفجير الذري ويحوله إلى طاقة، أما القدر الأكبر من المادة فيبقى دون تفجير ويذهب هباء.
ويذهب البروفيسور آلفن إلى أن المانع من إحداث تفجير بين المادة ومضاد المادة هو مانع اقتصادي، لأن التجربة الأولى ستكلف ما يتفاوت بين عشرة مليارات وخمسة عشر ملياراً من الدولارات، وهو مبلغ طائل تنوء به ميزانيات الحكومات والمؤسسات.
ولو تمت هذه التجربة، لأمكن بسهولة توليد الطاقة من هذا المصدر، وإذا كان العلماء اختاروا اليورانيوم من دون العناصر الأخرى في التجارب التي قاموا بها لتفتيت نواة الذرة، فأرجح الآراء أن عنصر الهليوم هو الذي سيختار دون سائر العناصر لإجراء تجارب اصطدام المادة بمضادها، وسبب ذلك أن علماء الفيزياء في الاتحاد السوفيتي قد اكتشفوا مضاد الهليوم، ولعلهم يعدون لإحداث مواجهة بين الهليوم وهذا المضاد.
1-عرفت هذه المدينة قديماً باسم (نوو ـ وو ـ نيكله يوفسك)، ثم غير اسمها في عام 1925 إلى (نوو ـ وو ـ سيبيرسك)، وهي تعد من المراكز العلمية والصناعية الهامة في مقاطعة سيبيريا الروسية. ويؤخذ من آخر إحصاء ورد في دائرة المعارف الجغرافية البريطانية أن عدد سكانها كان في عام 1963 حوالي مليون نسمة (990000 على وجه التحديد).
2 - الكوارتز، ويسمى أيضاً السليكا، حجر معدني متبلور يكثر في جبال الأورال السوفيتية، ويسمى النوع الأبيض منه بألماس الأورال.
3 - من مؤدى هذه النظرية أن لكل مادة نقيضاً أو مضاداً، وأن المواجهة بين المادة ونقيضها تنتهي بفناء المادة. ويبدو من البحوث التي أجراها العلماء في مختبرات كالهام في إنكلترا وبروكهافن في الولايات المتحدة وكارلسروه في ألمانيا الغربية أن هذه النظرية صحيحة. وهناك اعتقاد بأن المادة ونقيضها قد خلقهما الله معاً عندما أوجد هذا الكون، وأن للاثنين أصلاً واحداً وأنهما يتطوران تطوراً واحداً راجع (العلوم الطبيعية في القرآن) لحسين مروة ص222.
4 - وفقاً لقانون تحويل المادة إلى طاقة، تحتسب الكتلة بالغرام، ويقاس مربع سرعة الضوء بالسنتيمتر، أي السرعة التي بها يقطع الضوء مسافة سنتيمتر واحد. وبعد تحديد هذا القياس يضرب في مربعه، ثم يضرب حاصل الضرب في وزن الكتلة مقيسة بالغرام، والناتج هو مقدار الطاقة. وتقاس الطاقة بمقياس آخر يطلق عليه اسم (إيرك)، والإيرك هو القوة التي تتحصل من كتلة غرام واحد في سنتيمتر واحد من سرعة الضوء في ثانية واحدة. ولو أردنا معرفة الطاقة التي تنبعث من كيلو غرام، أي ألف غرام من مادة معينة، لضربنا النتيجة السابقة في ألف ـ هذا طبعاً إذا تحول الكيلو غرام كله إلى طاقة. (المترجم). وحتى نعرف مقدار ذرة الهيدروجين وحجمها، تكفي الإشارة إلى أن وحدات الكتلة الذرية تقاس بوحدة الهيدروجين، وتعتبر ذرة الهيدروجين وحدة للقياس ووزنها 1.66 جزء من مليون مليار مليار جزء من الغرام، وكثافة نواة الذرة تبلغ مائة مليون طن لكل سنتيمتر مكعب. (راجع كتاب الدكتور يوسف مروة ص165).

علي العذاري
07-26-2012, 01:34 PM
نظرية الصادق (عليه السلام) بشأن أشعة النجوم

ذكرنا ـ في ما سبق ـ أنه لو قل أن يكون هناك موضوع علمي وليس للصادق (عليه السلام) رأي ذو وزن فيه.
وقد درسنا حتى الآن بعض النظريات التي طلع بها والتي تشهد له بأنه كان ذا عقلية علمية مرتبة، ولا تتوافر أمثال هذه العقليات إلا لأفذاذ العباقرة.
وللصادق كذلك نظرية تتعلق بضوء النجوم من مؤداها أن بين النجوم التي نراها في الليل ما هو أضخم من الشمس، وأن شمسنا تعتبر بالقياس إليها صغيرة الحجم ضئيلة الضياء.
واليوم، وبعد مضي اثني عشر قرنا ونصف القرن، أثبت العلم صحة نظرية الإمام الصادق (عليه السلام)، إذ تبين للعلماء أن هناك مجموعات من النجوم السواطع تتضأل تلقاء حجمها وضيائها الشمس نفسها.
ويطلق على هذه النجوم (المجرات) اسم (الكوزرز) الواحدة منها كوزار(1) (Quasars، وبعضها يبعد عن الأرض بمقدار تسعة آلاف مليون (أي تسعة مليارات) سنة ضوئية. وما يصل إلى المراقب الفلكية اليوم من الأمواج الضوئية الصادرة عن هذه المجموعات يقطع المسافة الشاسعة بين هذه المجموعات وبيننا في تسعة آلاف مليون سنة ضوئية.
وهناك مراقب راديو تلسكوبية ضخمة ترصد هذه النجوم والأنوار الساطعة المنبعثة منها حتى في النهار، منها مرقب (آرسي بوئه) في جزيرة (بورتوريكو) والذي يبلغ قطره ثلاثمائة مترا.
ويساوي الضوء المنبعث من بعض هذه الكوازر ضوء الشمس عشرة آلاف مليار مرة، (أي10.000.000.000.000) وهو رقم ليس فيه خطأ أو شطط.
ووحدة قياس الضوء التي يستند إليها علماء الفلك في قياس ضوء النجوم هي ضوء الشمس، وللمرء أن يتصور الضخامة المتناهية لبعض المجموعات من الكوازر إذا كان ضؤوها يعادل ضوء الشمس عشرة آلاف مليار مرة، فينحط ضوء الشمس أمامها كضوء شمعة صغيرة.
ورغبة في رصد هذه المجرات الضوئية الضخمة التي اكتشفت المجرة الأولى منها في سنة 1963م (وهناك أكثر من مائتي مجرة قد اكتشفت حتى الآن) فكر العلماء في صنع مرقب فلكي سعة دائرته ثلاثون ألف متر (ثلاثون كيلو مترا).
وبالنظر إلى استحالة صنع مرقب (راديو تلسكوب) له هذه السعة، بدأ العلماء يفكرون في صنع مرقب كهربي له هوائيات قوية ترتفع على شكل حرف Y بحيث تكون المسافة بين كل رأس من رؤوس هذا الحرف واحدا وعشرين كيلو مترا. أما الهوائي فينتقل بين المحاور الثلاثة ويتم التحكم فيه إلكترونيا، ويبلغ طول الهوائيات الثلاثة 21 كيلو مترا، ولها قدرة على الرصد كما لو سعة المرصد ثلاثين ألف مترا، ويتم توجيه هذا الجهاز إلى الكوازر لمشاهدتها بمزيد من الدقة.
وقد اعتاد الفلكيون منذ القرن الثامن عشر الميلادي على اكتشاف كتل ضوئية في السماء، وكانت المسافة السحيقة التي تفصل هذه الأجرام المضيئة عنا من الأمور المألوفة التي لا تثير دهشة العلماء آنذاك.
ولكن، لما رأى علماء الفلك مجموعة الكوازر البعيدة في عام 1963م مستعينين بمرقب (راديو تلسكوب) آرسي بوئه في بورتوريكو، استولت عليهم الدهشة لأنها تبعد عنا بمقدار 9مليارات سنة ضوئية، في حين أن العالم اينشتين كان يعتقد بأن قطر العالم ثلاثة مليارات سنة ضوئية.
ولكي تستطيع الأذهان إدراك مدى ضخامة هذه المسافة الشاسعة، نذكر أن الضوء يحتاج إلى سنة كاملة لكي يقطع بسرعته الفائقة مسافة 9500 مليار كيلو متر. فإن أردنا أن نعرف مقدار المسافة الحقيقية بين مجرات الكوازر والأرض، ضربنا 9500 مليار سنة في 9500 مليار كيلو متر.
وبغض النظر عن ضخامة هذه المسافة التي يتعذر على العقل تصورها، فإن مما يزيد في حيرة علماء الفلك أن مجرات الكوازر تطلق ضوءا ساطعا يساوي ضوء الشمس 10 آلاف مليار مرة، وحتى الآن لم يكتشف العلماء كنه هذه الكوازر والعناصر التي تتركب منها والتي تمكنها من توليد كل هذه الحرارة والطاقة العجيبة.
ويقول البروفسير آلفون الذي مر ذكره إن المصدر الوحيد في الكون الذي يمكنه توليد مثل هذه الطاقة هو المادة إذ تنفجر بعد اصطدامها بمضادها، ولو نجح علماء الذرة في الاتحاد السوفييتي مثلا في تفجير عنصر الهليوم بعد اصطدامه بمضاد الهليوم، لاهتدى العالم إلى مصدر للطاقة لا نفاذ له، ولهان على العلماء معرفة سر الحرارة والطاقة المنبعثة من مجرات الكوازر.
ومع انقضاء 29 عاماً(2) على التفجير النووي الأول الذي تم في الولايات المتحدة الأميريكية، لم يستطع علماء الذرة تفجير نوى ذرات العناصر والأجرام الأخرى، ما عدا اليورانيوم والبلوتونيوم (والبلوتونيوم يستخرج من اليورانيوم)، فهم لم يستطيعوا تفجير نواة ذرة الهيدروجين، أما الطاقة التي أمكن توليدها من الهيدروجين، فقد ولدت لا من شطر نواة ذرته كما هو الحال في اليورانيوم والبلوتونيوم، بل من ادغام عناصرها بعضها ببعض.
وإذا كان العلماء الذريون قد توصلوا إلى كشف مضاد الهليوم، فإنهم لم يوفقوا حتى الآن إلى كشف مضاد لعناصر أخرى كالأوكسجين أو الأزوت (النتروجين) مثلا.
ومعروف أن الحديد هو من العناصر المتوافرة في كل مكان، ولكن علماء الذرة لم ينجحوا حتى الآن في أحداث تفجير نووي في ذرات الحديد، مع أن نظرية تفجير نواة الذرة التي قد طبقت بنجاح على اليورانيوم والبلوتونيوم مفروض أنها تنطبق كذلك على الحديد والنحاس والرصاص والزنك (الخالصين) وغيرهما من العناصر، لأن تركيب ذرات هذه العناصر شبيه من حيث قابليته للشطر بتركيب ذرات اليورانيوم، ومع ذلك لم تستطيع الدول الحائزة للطاقة الذرية إحداث التفجير حتى الآن.
ثم إن المرقب الفلكي (الراديو تلسكوب) لم يرصد أشعة النجوم وحدها، وإنما رصد كذلك الجزيئات المتناثرة في الفضاء الرحيب حتى بلغت الأنواع التي كشفت منها حتى الآن أكثر من ثلاثين جزيئا. وتتكون الأحماض الأمينية أو البروتينية من قسم من هذه الجزيئات، بمعنى أن عناصر خلايا الكائن الحي موجودة في الجزيئات المتناثرة في الفضاء.
ويؤخذ من وجود هذه الجزيئات في الفضاء أن وجود الإنسان على الكرة الأرضية لم يكن أمرا عارضا، وإنما هو مرتبط بالوجود الشامل العام.
ويسوغ لنا اليوم أن نقول باطمئنان وثقة إن الأرض كانت في بادئ الأمر عارية من كل أثر للحياة لأنها كانت جرما منصهرا ذا حرارة شديدة تستحيل معها الحياة، فلما مالت الأرض إلى البرودة، انتقلت إليها الجراثيم الحيوية المبعثرة في الفضاء اللامتناهي، وأوجدت الخلية الحية، وخاصة الجزيئات الخمسة التي أطلقت عليها أسماء (أوراسيل، كوآنين، أوهنين، سيتورين) وهذه بدورها أوجدت الأحماض الأمينية والبروتينية في الأرض، ومن جملتها الخلايا الحية للحيوان والإنسان. ويعزى الفضل في هذا الكشف العلمي الضخم إلى المراقب الفلكية (الراديو تلسكوب).
وإلى وقت قريب، كانت المراقب الفلكية ترصد النجوم، وتقف من حلال طيفها على العناصر المكونة لها، وتستنتج درجة حرارة كل نجم، ولكنها لم تكن قادرة على رصد الجزيئات الموجودة في الفضاء، ولكن الراديو تلسكوب الفلكي قد نجح في كشف هذه الجزيئات التي فيها جرثومة الحياة، فكان هذا إنجازا كبيرا منه.
وإذا كانت الحياة قد وجدت على الكرة الأرضية لا بمحض الصدفة، ولا باعتبارها أمرا عارضا، ففي الوسع القول بأن هناك حياة وكائنات تعيش في الكواكب الأخرى الشبيهة بالكرة الأرضية، ولعلها سبقت الكرة الأرضية في نشأة الحياة عليها بآلاف الملايين من السنين، لأن هذه الكواكب سبقت الكرة الأرضية إلى الوجود بآلاف الملايين من السنين.
ولا يستبعد أن تكون الكائنات الحية التي تعيش في هذه الكواكب قد نجحت من آلاف السنين في حل المشكلات المعقدة التي ما زالت تنوء بالبشر، وإن كان القدم لا يعد في حد ذاته مقياسا للكفاءة والعلم. وهناك اعتقاد بأن البشر عاشوا على الكرة الأرضية قرابة مليوني سنة، ولكنهم لم ينطلقوا في النشاط العلمي إلا من عشرة آلاف أو خمسة عشر ألف سنة.
ويقول العلماء في يومنا الحاضر إن البشر ليسوا الكائنات الوحيدة في هذا الكون، لأن هناك كائنات حية تعيش في ملايين من السيارات الأخرى، وربما كانت أكبر ذكاء وأنبه عقلا وأنشط عملا من الكائنات البشرية. وسيظل الأمل يداعب الإنسان في إمكان تحقيق اتصال بهذه الكائنات ذات يوم والاستفادة مما يكون لديها من علوم وتجارب. وخير وسيلة متاحة الآن لتحقيق هذا الاتصال هي الأجهزة الراديو تلسكوبية الشديدة الحساسية.
ونعود إلى الإمام الصادق (عليه السلام) وإلى نظريته القائلة إن لبعض النجوم ضوءا هو من الشدة بحيث يتضاءل أمامه ضوء الشمس. وها هو العلم الحديث قد برهن على صدق نظرية الإمام الصادق (عليه السلام)، ودلل على أن لبعض النجوم من الأشعة ما تضؤل أمامه الشمس وأشعتها، أفلا يستخلص من ذلك أن الإمام الصادق (عليه السلام) الذي عاش في النصف الأول من القرن الثاني الهجري كان عبقريا في المباحث العلمية؟
وثمة سؤال قد يعن للباحث هو: أين مجرات (الكوازر) التي يبعد بعضها عن الكرة الأرضية بمسافة 9 آلاف مليون سنة ضوئية؟ هل تقع في مركز الكون أو في أوله أو في نهايته؟
ثم لنتأمل في قرص الشمس الذي يقوم كل أربع وعشرين ساعة بتحويل أربعمائة مليار طن من الهيدروجين إلى الهليوم لنشر الضياء والدفء في الكرة الأرضية والسيارات الأخرى التي تدور حولها، والذي لن يتوقف عن نشر الضياء والدفء إلى 10مليارات من السنين الأخرى. أليس عجيبا أن تكون هذه الشمس ضئيلة أمام مجرات (الكوازر) الساطعة الضوء؟
فإن كان لشمسنا هذا المقدار الهائل من الطاقة والقدرة، وإن كان ينتظرها عمر ممتد هذا مقداره، فكم يكون عمر مجرات الكوازر التي تبعد عن الكرة الأرضية مسافة 9آلاف مليون سنة ضوئية؟ أغلب الظن أن عمرها يزيد عن ألف مليار سنة.
وما دامت في العالم شموس أخرى كمنظومتنا الشمسية، فمن مؤدى ذلك القول عقلا بأننا لا نعيش في عالم واحد، وإنما هناك عوالم كثيرة يتألف من مجموعها الكون الأكبر.
وقد ثبت لعلماء الفلك أن بعض النجوم ينطفئ ضوؤه وتنتهي حياته، حتى ولو لم يستطع الفلكيون حصر هذه النجوم. وثبت لهم أيضا أن للأجرام السماوية و المنظومات الشمسية أعمارا، وأن عمر بعضها يزيد على 15 مليار سنة، وأن الشمس مثلا ما زال باقيا في عمرها 10 مليارات سنة، وأن مجرات الكوازر عمرها ألف مليار سنة أو أكثر، وهذا كله يقطع بأن هناك عوالم كثيرة أخرى في هذا الكون.
وقد سبق للإمام الصادق (عليه السلام) أن قال إن الكون لا ينحصر في عالمنا وحده، وإنما هناك عوالم أخرى، وها قد جاء العلم الحديث مبرهنا على هذه النظرية، وأقام الأدلة على أن هناك آلفا من العوالم والمنظومات الشمسية الشبيهة بعالمنا ومنظومتنا الشمسية، وأنها تفنى وتزول ما عدا مجرات الكوازر، فهي باقية على الدوام.
وقد قسم الإمام الصادق (عليه السلام) العلم إلى قسمين هما: العالم الأكبر والعالم الأصغر، ومعروف أن هناك عالم أوسط لم يذكرها الصادق (عليه السلام) اعتقادا منه بأن ذلك من نوافل القول. فالأمر كله نسبي، وفي الوسع اعتبار هذه العوالم الوسطى عوالم كبرى أو صغرى، وكل عالم يعتبر أكبر بالقياس إلى العوالم الأصغر منه، أو يعتبر أصغر بالقياس إلى العوالم التي تكبره. فتقسيم الصادق هو إذن تقسيم شامل لعوالم الكون كلها.
وعندما سئل الصادق (عليه السلام) عن عدد العوالم في كل قسم، قال إنها كثيرة، ولا يعلم ذلك إلا الله، وهي حقيقة أثبتها العلم الحديث. فالذي لا ريب فيه أن هناك أعدادا كبيرة من المنظومات الشمسية والنجوم والنيازك والمجرات في الكون، وهي تعز على الحصر ولا يعبر عنها بأرقام حتى ولو كانت أرقاما فلكية.
ويقول العالم اليوناني أرشميدس الذي عاش قبل الميلاد بثلاثة قرون أن عدد الذرات المبعثرة في العام هو عشرة مضروبة في نفسها 63 مرة وإن الذرة هي أصغر أجزاء المادة ولا تقبل التجزئة، ولهذا سميت بالجزء الذي لا يتجزأ.
وفي مطلع القرن العشرين جاء إدنجتون (العالم الفيزيائي البريطاني المتوفى سنة 1944م) فقال إن مجموع الذرات في العالم 10 مضروبة في نفسها 80 مرة.
وعندما طلع ادنجتون بهذه المعادلة الرياضية لحساب عدد الذرات، كان العلماء الفلك يعتقدون أن عدد الأجرام الضوئية والنيازك والشهب في السماء يصل إلى مليون.
وعندئذ لم يكن مرصد (بالومر) الأمريكي قد شيد بعد، وهو المرصد الذي قرب ضوء المجرات بمقدار ألفي سنة ضوئية، فأصبحت رؤيتها بالعين البشرية ممكنة، ولا كانت المراقب الراديو تلسكوبية الشديدة الحساسية قد اخترعت.
ولو أن العمر امتد بادنجتون إلى يومنا هذا، ورأى بأم عينه المجرات الضوئية والكوازر، لأعاد النظر قطعا في معادلته بأرقامها الشديدة التواضع.
والكون الذي عرفه علماء الفلك والفيزياء في عام 1900م يعتبر صغيرا، بل ضئيلا بالنسبة للكون الذي يعرفه علماء اليوم. وليس من المبالغة في شئ القول بأن الكون في عام 1900 كان بمثابة فنجان ماء بالنسبة لمحيطات المياه التي عرفناها عن الكون في يومنا هذا.
وبعد كشف المجرات الضخمة المسماة بالكوازر، ظهرت نظرية أخرى مؤداها أن هذه الكوازر تمثل التخوم الخارجية للكون، وأن عالمنا هذا الذي يحتاج إلى 9آلاف مليون سنة ضوئية ليصل إلى الكوازر هو البداية لفضاء أوسع تعجز الأجهزة الراديو تلسكوبية المتاحة لنا عن الوصول إليه، فلا قبل لها باستقبال أشعة النجوم أو العناصر الموجودة في ما وراء الكوازر. وإلى هذا اليوم، لم يتسن لنا رصد المجرات التي تلي الكوازر في موقعها منا.
وبناء على هذه النظرية، فهناك ما مجموعة مائة ألف مليون من الأجسام الضوئية والمجرات والشهب، ولكل منها عشرات الآلاف من ملايين الشموس، وهذه جميعا ترسل أشعتها إلى المراقب الكهربائية ذوات العدسات الكاسرة والمرايا العاكسة.
وليست هذه الأجرام من عالمنا الحقيقي، لأن حدود عالمها يبدأ من مجرات الكوازر وما وراءها، وطبيعي إذن أن يكون ضوء مجرات الكوازر مساويا لضوء الشمس عشرة آلاف مليار مرة.
وحتى يستطاع توليد كمية الضوء والأشعة التي تنبعث من الشمس كل أربع وعشرين ساعة، فلا بد من توافر مائة مليار طن من الهيدروجين المركز أو المجزأ. فما هي يا ترى كمية الهيدروجين المجزأ والمركز التي تحتاج إليها مجرات الكوازر كل أربع وعشرين ساعة لكي تولد هذا المقدار الأسطوري من الضوء؟ وكم يكون مقدار الأشعة التي تصدر عن اصطدام النقيضين: المادة ومضاد المادة؟
ونستطيع بحسبة بسيطة أن نصل إلى الأرقام الفلكية التالية: فإذا ضربنا أربعمائة مليار طن في عشرة آلاف مليار، كان حاصل الضرب رقم 4 وأمامه 27 صفرا، وهو رقم لا يمكن لفظه أو عده بسهولة.
فإذا كانت مجرات الكوازر تولد من الطاقة المشعة عشرة آلاف مليار ضعف لما تولده الشمس في كل أربع وعشرين ساعة، جاز إذن اعتبارها مركز العالم، وحق أن يقال إن العالم يبدأ من هذا المركز. ولكن لأن علماء الفلك والفيزياء لا يستطيعون رصد المجرات التي تقع خلف الكوازر بأجهزة الراديو ـ تلسكوب المتاحة حاليا، فلا سبيل إلى إحصاء عدد المجرات أو المجموعات الشمسية الموجودة في العالم، ناهيك بالمجرات والأجسام المبعثرة في جميع العوالم المحيطة بنا. ومن هنا تتضح صعوبة المحاولات التي قام بها العالمان أرشميدس وادنجتون لإحصاء الأجرام، كما تتضح خطورة الاعتماد على هذه الإحصائيات.
وهذا يؤكد ما قاله الإمام الصادق (عليه السلام) من أم العوالم الصغيرة والكبيرة لا يعرف عددها إلا الله، والفرق بين العالم الكبير والصغير عند الصادق هو (فرق في الحجم لا في الكتلة)، وهذه أيضا نظرية أثبتها علم الفيزياء الحديث.
وقد مر بنا أننا لو ملأنا الفضاء الخالي الموجود بين الإلكترونات ونواة الذرة، لكان حجم الكرة الأرضية مساويا لحجم بالونة اللعب، أما وزن هذه البالونة فيساوي وزن الكرة الأرضية، وقد ضربنا المثل بالبالونة لقربها إلى الأذهان، وربما كان الحجم أصغر حتى من البالونة. ولا بد من التذكير بأن الكرة الأرضية موجودة في الفضاء في حالة عدم وزن بفعل الجاذبية، بل ليس من المبالغة في شئ القول بأن وزن الكرة الأرضية في الفضاء مماثل لوزن ريشة النعام. وهذا القول ينطبق لا على الكرة الأرضية وحدها، بل على جميع السيارات التي تدور حول الشمس، وجميع الأجرام الأخرى التي يدور بعضها حول البعض الآخر في الفضاء الفسيح، فقانون الجاذبية يجعل هذه الأجرام جميعا في حالة عدم الوزن.
وتذهب نظرية الصادق (عليه السلام) إلى أن لكل ما في العالم الأصغر شبيها في العالم الأكبر، ولكن على ضخامة في الحجم وسعة، وأن لكل ما في العالم الأكبر شبيها في العالم الأصغر، ولكن على قلة في الحجم، ومن هنا يستطاع تحويل العالم الأصغر إلى العالم كبير، والعالم الأكبر إلى عالم صغير.
ونحن حين نستمع إلى مثل هذا الكلام منقولا من ملفات القرون الماضية، نحس وكأننا نصغي إلى حديث عالم فيزيائي في عصرنا الحاضر، أو كأننا نقرأ كتابا في علم الفيزياء الحديث، مع أن هذه النظريات سيقت قبل اثني عشر قرنا ونصف قرن.
ولقد سئل الصادق (عليه السلام): متى خلق العالم؟
فكان رده: إن العالم خلقه الله، ولا سبيل إلى تحديد زمانه أو وقته.
ولأن الشيعة تعتقد بإعجاز الأئمة، فهي تؤمن بأن إمامها الصادق (عليه السلام) لو أراد أن يميط اللثام عن هذه الحقيقة، لكشف السر بفضل علم الإمامة(3) (، وهو العلم المطلق بالمفهوم الأوسع، كما سبق أن أوضحنا.
وتعلل الشيعة امتناع الصادق (عليه السلام) عن كشف أسرار الخليقة وغيرها من الأسرار المجهولة، بأنه لم ير في ذلك مصلحة للناس، أما البعض الآخر فيقول إن الصادق (عليه السلام) لم يبخل بعلمه على الناس، ولكن هذه الموضوعات تخرج عن نطاق علم الإمام، لأنها من علم الله، وهو يستأثر بها دون العباد جميعا، بما فيهم الإمام الصادق نفسه.
وللإمام الصادق (عليه السلام) نظرية علمية هامة أخرى، هي نظرية (انقباض العالم وامتداده) فهو يقول إن العوالم الموجودة لا تبقى على حال دائم من الأحوال، فهي تتسع تارة وتنقبض أخرى. وفي بادئ الأمر، اعتبر علماء الفلك هذه النظرية كغيرها من نظريات الصادق (عليه السلام)، ضربا من الخيال غير الواقعي، فلما وافى القرن الثامن عشر الميلادي، أقيمت المراصد ونصبت المراقب الفلكية الضخمة، وشاهد العلماء أجرام المنظومة الشمسية بل وسواها من الأجرام خارج المنظومة الشمسية. وجاء من بعده القرن التاسع عشر الذي تمكن العلماء في منتصفه من رصد أشعة النجوم ومعرفة العناصر التي تتألف منها الأجرام، ثم جاء القرن العشرون وتحقق في مطلعه أن الأجسام الضوئية القريبة من منظومتنا الشمسية يمكن رصدها بمزيد من الدقة، وإنها تبتعد عنا ثم تنتشر في الفضاء، وهو الكشف الذي توصل إليه الأب (إيه لمتر) الأستاذ اليسوعي في جامعة بروكسل البلجيكية والعلم الفلكي الكبير، والذي ضمنه تقريرا علميا أرسله إلى مراكز الرصد الأخرى طالبا من الفلكيين مساعدته في تعزيز هذا الكشف أو تصحيحه، فأكدته بعض المراصد الأوروبية والأمريكية وقالت إن بعض المجرات والأجسام الضوئية القريبة من الشمس تبتعد عنها وتنتشر في الفضاء.
ولكن قبل أن يتوصل (إيه لمتر) وزميله البريطاني (ادنجتون) إلى نظرية محققة، قامت الحرب العالمية الثانية، وتقطعت أسباب الاتصال بين المراكز العلمية وشعوب العالم، فتعثر البحث في موضوع المجرات والأجسام الضوئية إلى عام 1960م عندما تأكد أن المجرات والأجسام الضوئية المحيطة بالمنظومة الشمسية تتحرك وتنأى عنها.
وما زال البحث جاريا لمعرفة الحال بالنسبة للمجرات والأجسام الأخرى، كمجموعات الكوازر وهل تتحرك بدورها وتبتعد عن مدارها أم لا، وتعزى صعوبة التوصل إلى نتائج قاطعة في هذا الشأن إلى أن هناك مسافات ضوئية شاسعة تفصلنا عن هذه المجرات فأي تغير يحدث في الكوازر من حيث انعدام أشعتها أو غيابها، إنما يصل خبره إلى الكرة الأرضية بعد 9آلاف مليون سنة ضوئية، وهي المسافة التي تفصل عالمنا عن هذه الكوازر، كما سبق القول.
ولكن الأمر الذي تحقق منه العلم الحديث هو أن الكتل الضوئية المحبطة بمنظومتنا الشمسية يتمدد ويتسع، وإن كنا لا نعرف بعد منذ متى بدأ هذا التمدد والاتساع بسبب ابتعاد الأجسام الضوئية عن منظومتنا الشمسية.
وقد أكد العالم الفلكي (إيه لمتر) المذكور آنفا من رصد للأجسام والمجرات الضوئية أكد حدوث هذا الاتساع والتمدد، كما أكدته الأبحاث التي أجريت عن مقدار ابتعاد هذه الأجسام عن منظومتنا الشمسية إلى يومنا هذا. وكل هذه المعلومات تتعلق بالطبع بالمجرات والأجسام الضوئية المحيطة بمنظومتنا الشمسية والتي تصل أشعتها إلى أجهزة مراصدنا، ولكن ليس لدينا أي معلومات دقيقة عن المجرات والأجسام الضوئية الأخرى التي تحيط بغيرها من المنظومات والتي يستعصي على أجهزتنا الحالية رصدها.
وقد سبق الحديث عن الأجسام المظلمة التي تمتص أشعة الضوء عند سقوطها عليها فتنقبض وتتقلص، وهذه تؤكد بدورها نظرية الإمام الصادق (عليه السلام) بشأن أطراف العوالم الأخرى(4) .
ولكن الاتساع والانقباض يحدثان شيئا فشيئا، ويستغرقان زمنا مديدا جدا، ومعروف أن الأجسام المظلمة (كوتوله) هي أجسام تكونت بعد أن أخذت ذراتها تفقد إلكتروناتها شيئا فشيئا، ثم تراكمت النوى بكثافة وانقبضت مكونة هذه الأجسام.
ففي حين تتباعد الأجرام في جانب من العالم، تتقارب في جانب آخر مكونة هذه الكتل الكثيفة.
وتنتهي المادة إلى موت حقيقي عندما تصطدم بالأجسام المظلمة الكثيفة، وتفقد إلكتروناتها وتغدو جزءا منها فتنتهي حركتها، أي أن المادة تنتهي من حيث الظاهر عندما يحدث التقاء بينها وبين الأجسام المظلمة، وتبقى نواتها بعد اندماجها بغيرها مفتقرة إلى إلكتروناتها.
وتتراكم هذه الأجسام المظلمة وتتكاثف بدرجة تزيد بمئات آلاف المليارات عن المواد المتراكمة المعروفة لنا في الأرض.
وصفوة القول إن علمي الفيزياء والفلك المعاصرين يؤكدان نظرية الإمام الصادق (عليه السلام) المتعلقة بانقباض العوالم واتساعها (تمددها).
التفكير الهندي:
حتى القرن الثامن عشر الميلادي، لم يكن الأوروبيون يعرفون شيئا عن التفكير الديني والفلسفي في نصف القارة الهندية إلا ما تعلق منه بالمسلمين لاحتكاكهم بهم في الحروب الصليبية، وقبل ذلك في فتوحات المسلمين لشرقي أوروبا وغربيها.
وشهد القرن الثامن عشر، وبعده القرن التاسع عشر، بداية حركة الترجمة في أوروبا، فنقلت إلى لغاتها الكتب الدينية والفلسفية الهندية القديمة. وبذلك عرف الأوروبيون معالم الفكر الديني والفلسفي للهند القديمة. ومن جملة أصول المعتقدات الدينية والفلسفية الهندية أن العالم يعيش مرحلة نشاط ويقظة ثم ينتقل منها إلى مرحلة ركود وسبات. وفي فترة اليقظة تتسع الدنيا إلى آفاق لا تخطر على بال إنسان ولا تعرف لها حدود أو بداية أو نهاية، وفي هذه الفترة يعم العالم الخاء فتكثر فيه جميع المواد من نباتات وأشجار وحيوانات من جميع الألوان والأنواع، وتستمر فترة الاتساع مئات من آلاف السنين، وفي أثنائها تزداد العناصر والمواد والكائنات الحية من نبات وحيوان تكاثرا وتوالدا وتضاعفا.
وبعد انقضاء فترة لا يعرف مداها ولا يتكهن أحد بزمانها، تبدأ حركة الانبساط والتوسع في الكون في الخمود، وتكف المواد والنباتات والحيوانات عن التكاثر، ويبدأ ما هو موجود منها فعلا في التناقص والفناء، وينقبض العالم حول مركزه. وتستمر هذه الفترة (أي فترة الانقباض) مئات من آلاف السنين أيضا، هي بدورها، فلا يعرف مداها، ولا يرجم أحد بموعد انتهائها.
وعندئذ، ينتهي العالم إلى فترة من الركود التام، فيمحي كل أثر من آثار الحياة أو المواد أو العناصر، ويعيش العالم في سبات لا يعرف أحد مداه، فقد يمتد إلى مئات الآلاف من السنين.
وبعد انقضاء هذه الفترة، يعاود العالم نهوضه من سباته، ويبدأ من جديد في التمدد والاتساع، وتدب فيه الحركة والحياة، وتكثر المواد، وتتوالد الحيوانات والنباتات، ويعود العالم إلى ما كان عليه من سعة في أول الأمر.
ولكن كل ما يظهر في اليقظة الثانية للعالم يختلف عما كان فيه من قبل، تستوي في ذلك المواد والنباتات والحيوانات. فمن الطبيعي أن يختلف إنسان هذه الفترة عن إنسان العالم السابق، ومن الطبيعي أيضا أن يكون أرقى منه وأفضل، لأن كل يقظة تحمل معها قفزة جديدة إلى الأمام فتتحسن جميع العناصر في العالم. فاليقظة تعني التجديد والتحسين، ولولا ذلك لبقي العالم في انحطاطه وفساده وانتهى بفنائه، بحسب هذه العقيدة الهندية القديمة.
وهكذا يزداد الإنسان تكاملا وسموا وارتقاء مع كل يقظة جديدة وميلاد جديد للعالم، لأن الإنسان ـحسب هذه العقيدة الهنديةـ لا يموت في فترة الانقباض والركود، شأن المواد والعناصر الأخرى في الكون، بل تذهب روحه في رحلة عامرة بالسعادة الأبدية. ومتى استرد العالم نشاطه ويقظته بعد فترة الركود والسبات، عاد الإنسان إلى الظهور وقد ازداد تكاملا وارتقاء وسموا.
ذلك بأن من أركان العقيدة الهندية القديمة أن روح الإنسان حية ولا تخضع لقانون الركود الذي يسري على العالم، فالمواد والعناصر الأخرى تموت وتنتهي بالعالم فترة السبات، أما روح الإنسان فتبقى في جنة الأرواح.
ويلوح أن حب النفس أو الذات هو مصدر هذه العقيدة، ولكن لو دققنا النظر ألفينا أن القائلين بهذا الرأي قد وضعوا الروح في منزلة تختلف عن منزلة المواد والعناصر الأخرى. لأن الروح ليست مادة من المواد في رأيهم، فهي بالتالي لا تخضع لقانون العدم والفناء، وتبقى خالدة بعد موت الإنسان عندما ينتقل إلى العيش في ما وراء هذا العالم المنظور.
تلك كانت عقيدة الأمم القائلة بالحياة الأخرى أو القيامة، ابتداء من قبائل الزنج في قلب إفريقيا وانتهاء بالشعوب التي تعتنق الأديان السماوية، فالروح باقية لأنها شئ غير المادة والمادة تفنى، أما الروح فخالدة كونها عنصرا غير مادي.
مما تقدم، يتضح لك أن عقيدة انبساط الكون كانت سائدة في الهند القديمة، وهناك صور دينية هندية تمثلها.
وسواء أكان الإمام الصادق (عليه السلام) هو المبدع لهذه النظرية أم أنها كانت موجودة قبله في الهند القديمة، فإن الكشوف الحديثة في علمي الفيزياء والفلك تثبتها.
وربما تعرض جزء من العالم ـ وليس العالم بأسره ـ للانقباض والتمدد، وهذا ما يؤكد ما قاله الإمام الصادق (عليه السلام) من أن في الكون عوالم كثيرة، منها ما يجنح إلى الانقباض، ومنها ما يميل إلى التمدد والانبساط، أما العالم الذي ينقبض فليس فيه للمادة أثر.
وقد عرفنا أن المادة تتكون من ذرات، ولكل ذرة فلك تدور فيه الإلكترونات حول النواة، فإن فقدت الذرة عامل الحركة داخل فلكها، لم تعد تعتبر من السواد.
إن الأجسام المظلمة (كوتوله) التي تتراكم فيها نواة الذرة قد تفسر لنا عقيدة قدماء الهنود القائلة بأن العالم تعتريه حالة ركود وسبات، فهل تدب الحياة في هذه الأجسام كما يقوله الهنود؟ إن الرد على هذا التساؤل يجئ من جانب علم الفيزياء الذي يؤكد أن هناك استحالة في عودة الحياة إلى الكتل التي تراكمت فيها النوى بكثافة حتى لم يعد هناك فضاء بين ذراتها، وحتى إن ذراتها قد فقدت حركتها نهائيا.




1 - اختصرت لفظة الكوزار Quasars من عبارة إنجليزية طويلة هي Quasi Stellar redio
sources ومعناها مصادر راديوية شبيهة بالنجوم. (راجع كتاب (أوراق علمية) للدكتور فؤاد صروف ص359).
2 - عند صدور هذا الكتاب بالفرنسية
3 - ذكرنا في ما مر رأي الشيعة في الأئمة وعلمهم، وقد أورد الشيخ المفيد (قد) فصلا في كتابه (أوائل المقالات) حول هذا الموضوع سماه: القول في معرفة الأئمة بجميع الصنايع وسائر اللغات حاء فيه: أقول إنه ليس يمتنع ذلك منهم، ولا واجب من جهة العقل والقياس، وقد جاءت أخبار عمن يجب تصديقه بأن أئمة آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) قد كانوا يعلمون ذلك، فإن ثبت وجب القطع به من جهتها أي من جهة هذه الأخبار على الثبات، ولي في القطع به منها أي من هذه الجهة نظر، والله الموفق للصواب، وعلى قولي هذا جماعة من الإمامية، وقد خالف بنو نوبخت رحمهم الله، وأوجبوا ذلك عقلا وقياسا، ووافقهم فيه المفوضة (المفوضة فرقة من غلاة الشيعة تفردت عن الشيعة بقولها في محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة من آل بيته (عليهم السلام) أن الله تفرد بخلقهم خاصة ثم فوض إليهم خلق العالم بما فيه، وجعل إليهم أمر الخلق والرزق وجميع الأفعال الواقعة في الكون.) وسائر الغلاة. (ص38 ـ (أوائل المقالات) ).
4 - ذكرنا في ما سبق أن الضوء يتألف من فوتونات (ضوئيات) مادية ناتجة عن تفاعل إلكترون سالب ببوزيترون موجب، فيتأثر بالتالي بالمجال المغناطيسي وينحرف فيه، كما أنه ينكسر وينحرف إذا ما انتقل من وسط إلى آخر، وإذا ما خرج من مجال غير مغناطيسي إلى مجال مغناطيسي. وقد استطاع علماء الفيزياء في أوائل هذا القرن إثبات أن للضوء ضغطا ووزنا، وأن له طبيعة ثنائية (جسمية موجية) في آن واحد. وهذه الحقائق العلمية أثبتتها الأرصاد الفلكية والتجارب الدقيقة التي أجريت في المختبرات الذرية والبصرية، فضوء النجم الذي يمر بالقرب من الشمس ينحرف بمقدار 1.74 ثالثة من قوس الدائرة. وقد سبق القول بأن هناك أنجما لها مجال مغناطيسي كبير بحيث تستطيع جعل شعاع الضوء ينحرف بمقدار 90درجة. فإذا مر الضوء بهذا المجال المغناطيسي اختفى، أي انجذب بفعل الجاذبية ولم يستطع الإفلات أو الانعكاس، ومن ثم يتابع سيره. ومعنى هذا أن هناك أنجما وكواكب لا قبل لنا برصدها، حتى ولو كانت قريبة منا، بسبب أن الضوء الذي نستطيع رؤيتها بواسطته، لا ينعكس منها متى سقط عليها، ولا ينفلت منها إذا مر إلى جانبها. ويقول العلماء إن هناك أجساما لها كثافة ضخمة تصل إلى 100 مليون طن في كل سنتيمتر مكعب ـ أي كثافة المادة النووية فيها ـ ومع ذلك تستحيل رؤيتها أو رصدها لأن هناك قوة جاذبية شديدة تمتص أشعة الضوء الساقطة عليها، فلا تنعكس إلى العين أو إلى أجهزة الرصد والقياس. فمن المعقول إذن أن تكون هناك شموس وكواكب ونجوم قريبة منا وفي متناول مراصدنا ومراقبنا الفلكية، ولكننا لا نراها ولا نشعر بها، لأن حجمها وكتلتها وكثافتها هي من النوع الحرج الذي يمتص الضوء ولا يعكسه. ولو فرضنا مثلا أن هناك نجما حجمه كحجم الشمس، أي 1.437×10أس18كيلو مترا مكعبا، أي 1.437مليار كيلو مكعب، وله كثافة تزيد 400.000 مرة عن كثافة الشمس، فإننا برغم هذا لا نستطيع رؤيته. (راجع (العلوم الطبيعية في القرآن) ليوسف مروة، ص195).

علي العذاري
07-26-2012, 01:35 PM
نظرية الصادق (عليه السلام) بشأن البيئة

لم يعرف عصر الإمام الصادق (عليه السلام) من الصناعات إلا ما كان يدويا تقليديا، ولم تكن الصناعة الحديثة قد عرفت في ذلك الحين، وكانت عملية صهر الحديد والفولاذ تتم داخل أوان كروية صغيرة على نار الحطب، وهذا لا يخلق مشكلة خاصة بتلوث البيئة.
وحتى لو استخدمت في صهر الحديد والفولاذ كميات من الفحم الحجري بدلا من الحطب فإن حجم هذه العملية لم يكن بالقدر الذي يؤثر في تلويث البيئة.
وعندما شرعت ألمانيا الغربية وفرنسا وبريطانيا في إنتاج الحديد والفولاذ في مطلع القرن الثامن عشر الميلادي، ثم تلتها دول أوروبية أخرى، لم تكن هناك شكوى من تلوث البيئة بفعل هذه المصانع التي كانت تستخدم الفحم الحجري في صهر المعادن، والتي كان دخانها يتصاعد من المداخن طوال العام دون توقف. فإذا كانت هذه الدول لم تشك من التلوث، ولديها صناعة ضخمة للحديد والفولاذ وقودها الفحم الحجري، فكيف وعصر الصادق (عليه السلام) الذي لم يعرف هذه المصانع الضخمة أصلا ولا عرف حتى الفحم الحجري؟ ومع ذلك، فقد كان الإمام بعيد النظر نافذ الفكر، فقال ـ وكأنه يرى العالم في القرن العشرين وقد ضج بالشكوى من تلوث البيئةـ إن على الإنسان ألا يلوث ما حوله لكي لا يجعل الحياة شاقة له ولغيره. ولم يعن العالم بموضوع البيئة إلا من نحو30 سنة عندما ألقيت القنبلة الذرية الأولى على اليابان ولوث إشعاعها المنطقة المحيطة بمكان الانفجار، وصارت أرواح الناس مهددة بأشد المخاطر، ولم يكن هذا الانفجار هو الانفجار الوحيد الذي حدث في العالم، بل إن الدول الصناعية الأخرى اللاهثة وراء حيازة السلاح النووي، قامت بدورها بإجراء انفجارات ذرية في الجو والبحر والبر، وما زالت تجري التجارب على هذا السلاح وغيره من أسلحة التدمير الشاملة. ومع انتشار مصانع الطاقة الذرية، وما يتخلف عنها من نفايات سامة، تلوثت البيئة تلوثا بعيد المخاطر بفعل المواد المصنعة.
ولعبت المصانع الضخمة في أوروبا وأمريكا دورا كبيرا في تلويث مياه الأنهار والبيئة، لأنها كانت تلقي بنفاياتها في الأنهار الجارية، مثل نهر الرون في أوروبا الغربية، فقتلت الأسماك وغيرها من الحيوانات التي كانت تعيش في مياهه، وتعرضت بحيرات المياه العذبة في أمريكا الشمالية لمصير مماثل، والمحيطات نفسها باتت متعرضة لمخاطر هذا التلوث، سواء بفعل المواد المشعة التي تدفن نفاياتها فيها، أو بفعل النفط الذي تقذفه السفن أو يتدفق من ناقلات النفط الغارقة، وصارت العوالق البحرية (البلانكتون) التي تعيش في المحيطات معرضة للفناء، لا سيما وهي تعيش قريبا من اليابسة.
ومن فوائد هذه العوالق البحرية أنها تولد حوالي90 في المئة من الأوكسجين المنتشر في الأرض، وإن فتك بها التلوث، هبطت نسبة الأوكسجين إلى10%، وهو ما لا يفي بحاجات التنفس للإنسان والحيوان والنبات، مما يهدد الحياة نفسها، وينذر بانقراض نسل الحيوان والنبات.
وهذه النتيجة ليست مجرد نظرية علمية تحتاج إلى الإثبات، وإنما هي واقع فعلي. فبسب تلوث المحيطات يتناقص عدد العوالق البحرية في كل سنة، وسينخفض عددها إلى النصف بعد خمسين عاما، مع ما يترتب على ذلك من انخفاض الأوكسجين في الأرض بنسبة مماثلة.
ومعنى هذا، أن الطفل الذي يولد اليوم، والذي تكتب له الحياة إلى أن يبلغ الخمسين من عمره، سيتنفس وقتذاك وكأنه يتسلق جبال الهملايا دون الاستعانة بجهاز أوكسجين أو كأنه يعاني من اختناق أو ذبحة صدرية، وهذا ينطبق أيضا على الحيوانات.
وإذا رغب امرؤ بعد خمسين سنة في إشعال عود ثقاب أو موقد الطهي، لوجد صعوبة في ذلك لعدم توافر القدر الكافي من الأوكسجين في الهواء، هذه حقيقة مرة وليست بخرافة.
ويقول العالم الفيزيائي اسحق ازيموف (اسحق عظيم أوف) إن أمراض الذبحة الصدرية تضاعفت في أمريكا ثلاثمائة مرة منذ عام1950، وهو يعزو ذلك إلى انخفاض كمية الأوكسجين في جو الأرض نتيجة لتناقص العوالق البحرية في المحيطات.
ويتكهن هذا العالم الفيزيائي بانقراض الأرض بعد مائة عام إذا استمر هذا الوضع، تنقرض أيضا الحيوانات التي تعيش في البحار والمحيطات، لأنها تحتاج بدورها إلى الأوكسجين ولو عاشت في عمق الأعماق.
ومما يذكر أن السفن المبحرة من غرب أفريقيا متجهة إلى أمريكا الجنوبية تمر بمنطقة واسعة تقدر بحوالي ألفي كيلو متر مربع (2000)، تتجمع فيها النفايات ومواد النفط، وتظل طافية، فلا يبتلعها الماء، ولا تجذبها اليابسة. وقد تكونت هذه (المزبلة) البحريةـ وما هي بالوحيدة في العالم ـ بفعل تيارات الماء والرياح. وهناك (مزبلة) أخرى بالقرب من جزيرة غوام في المحيط الهندي، حيث تحتفظ أمريكا بقاعدة بحرية جوية كبيرة. وتشمل هذه (المزبلة) مساحة عريضة تقدر بآلاف الكيلو مترات المربعة، وبسببها تم الفتك بحياة جميع العوالق البحرية (البلانكتون) في هذه المنطقة.
ومعنى هذا أن تلوث المحيطات والبحار يعرض الإنسان خطر أشد من الخطر الناشئ عن تلوث اليابسة وعن الغبار النووي. ومعروف أن هناك ما يسمى ب (ميزان الرعب)، وبمقتضاه ينشأ نوع من التعادل أو التوازن بين الدول الحائزة للسلاح النووي، فتمتنع دولة ما عن استخدمه خوفا من أن تستخدمه ضدها دولة أخرى، ولكن إلى متى يستمر هذا التوازن، وهل يظل قائما إلى قرن آخر من الزمان؟ وهناك قذائف أخرى للتدمير الشامل لم تستخدم في الحرب العالمية وقذائف (دم دم) التي تنفجر في جسم الإنسان وفي الهدف معا، وهناك غيرها من الأسلحة الكيميائية.
والمؤكد أن تلوث المحيطات بهذه السرعة يهدد حياة البشر، بل يقضي عليها وعلى حياة الكائنات البحرية الأخرى. فإن استمر هذا الوضع خمسين سنة، واجه الإنسان مشقة كبرى في استنشاق الهواء نظرا لعدم توافر القدر الكافي من الأوكسجين، وأصبح حاله كحال من وقع في قبضة شرير يبتغي إزهاق روحه بكلتي يديه خنقا.
وطبيعي أن الإنسان الذي يشق عليه التنفس لن يستطيع إنجاز أي عمل أو القيام بشيء نافع، كما هو شأن إنساننا اليوم، فيقل إنتاجه وتضيق دائرة معارفه، ويتصرف ببطء نتيجة للقصور الذي يعتري خلايا المخ، ولنا أن نتصور معلما أو طالبا في قاعة الدرس يعانيان ضيقا في التنفس، فكيف للأول أو يشرح دروسه وللثاني أن يستوعبها؟ وتتكرر هذه المشكلة عينها مع المزارع في حقله والعامل في مصنعه، وهلم جرا.
وقد أجرى علماء جامعة (هارفارد) الأمريكية تجارب على الأرانب لمعرفة التطورات التي تطرأ عليها متى قلت كمية الأوكسجين في الجو الذي تعيش فيه، فتبينوا أن عجز الأوكسجين عن الوصول إلى خلايا المخ بالقدر الكافي يقلل من كفاءته ونشاطه الطبيعيين، ويجعله يقصر في أداء وظيفته المعتادة وهي إصدار الأوامر إلى سائر أعضاء الجسم، لتستجيب له على الفور.
ولكي ندرك إلى أي مدى يتأثر الإنسان في حياته اليومية بعدم استنشاق القدر الكافي من الأوكسجين ـ وهو الأمر الذي سيحدث بعد خمسين عاما إذا ما انقرض قسم كبير من العوالق البحرية التي تعيش في المحيطات، كما قدمنا ـ فلنتصور حالة عامل فني في مصنع للسيارات يريد استخدام مفك، وهي عملية تتم اليوم بتلقائية سريعة لتنبه خلايا الذهن. ولكن الذي يقل حظه من الأوكسجين يصاب بخمول في الذهن، فيتأخر العقل في إصدار أوامره إلى اليد لتناول المفك، وتتأخر اليد في أداء الوظيفة المطلوبة منها، وهكذا تستغرق هذه العملية وقتا أطول مما تستغرقه في الوقت الحالي. فإن أراد سائق سيارة الحد من سرعتها لتلافي حادثة في الطريق، أدى بطء العقل في إصدار أوامره إلى القدم للضغط على الفرملة إلى الإجهاز على حياة الشخص الذي رغب السائق في تفادي إصابته.
ونفس الشيء ينطبق على الطيار الذي يهم بالإقلاع من مطار قاصدا مدينة بعيدة. فإذا تأخر المخ في إصدار أوامره إلى الأعصاب لتحرك الآلات الخاصة بالإقلاع، ولو للحظات، لأدى ذلك إلى خلل في عملية قيادة الطائرة، ينجم عنه أوخم العواقب، كانفجار الطائرة أو ارتطامها ومقتل كل من عليها، بما فيهم قائدها.
وكذلك فإن قلة وصول الأوكسجين إلى جسم الإنسان من شأنها التأثير لا في كفاءة خلايا المخ وحدها، بل في سائر الأعصاب أو الأعضاء أيضا، وكلها تتلقى أوامرها من المخ، فتعجز الأذن والعين وسائر الحواس عن القيام بوظائفها بالكفاءة السابقة، كما تفقد الذاكرة قدرتها على تسجيل الأحداث واختزانها، وقل نفس الشيء عن الوظائف الحيوية جميعا.
ومن عوامل تلوث البيئة المواد المشعة التي تتخلف عن محطات توليد الطاقة النووية، وقوامها نفايات ناتجة عن عملية شطر نوى ذرات اليورانيوم والبلوتونيوم، وعن توليد الطاقة النووية بصورة مستمرة، ناهيك عن أن هذه المحطات النووية هي في حد ذاتها خطر داهم يهدد البيئة بالتلوث.
ومع أن المتبع عادة عند بناء محطات الطاقة النووية مراعاة اتخاذ جميع التدابير الكفيلة بمنع تسرب المواد النووية الخطرة أو انفجار المستودعات التي يحتفظ فيها بهذه المواد، فإن الخطر ماثل دائما في احتمال انفجار مستودع الركام النووي (وهو المستودع الذي يحتفظ فيه باليورانيوم والبلوتونيوم بالإضافة إلى الجرافيت) والذي يمد محطات توليد الطاقة والحرارة بالوقود النووي اللازم لهذه العملية.
ولو حدث مثلا أن انفجر مستودع الركام النووي لمحطة توليد الكهرباء بالطاقة النووية الواقعة في جنوب بريطانيا، لتلوثت البيئة بالإشعاع المميت على مسافة مائة ميل (160 كيلو مترا)، ولانعدمت الحياة تماما في هذه المنطقة ومات كل ما فيها من البشر والحيوان والنبات، وجفت الأنهر والبحيرات، ولأدت الحرارة الشديدة الناتجة عن هذا الانفجار إلى هدم العمارات والمباني الواقعة في دائرة قطرها 50 ميلا حول المحطة.
هذا مجرد احتمال، ولم يحدث شيء منه حتى الآن في محطات توليد الكهرباء بالطاقة النووية، ولكن هذا الانفجار يصيح حتميا إذا ما وقع خلل في (الفرامل) المتحكمة في انطلاق الطاقة النووية (وتتمثل هذه الفرامل في الوقت الحالي في مادة الجرافيت) أو ما أشرفت هذه المادة على النفاد.
والمأمول ألا تتعرض أي دولة من الدول الحائزة للطاقة النووية لمثل هذا الحادث المهلك.
وثمة مشكلة هامة تواجهها الدول الحائزة للطاقة النووية تتمثل في كيفية التخلص من النفايات الذرية المشعة الشديدة الخطرة. وعلماء الذرة والفيزياء مشغولون بالتفكير في اختيار مناطق مأمونة يدفنون فيها هذه المواد دفعا لشرورها وحماية للبيئة من التلوث.
وقد اتجه تفكيرهم في بادئ الأمر إلى دفن النفايات في أعماق المحيطات بعد وضعها في أوان محكمة آمنة، ولكنهم تبينوا أن الضغط الشديد لمياه المحيطات على النفايات المدفونة في القاع قد ينتهي به الأمر إلى تحطيم هذه الأواني، فتنتشر المواد المشعة في الماء، وتهدد كل مظهر من مظاهر الحياة في المحيطات، من أسماك وحيوانات أخرى وعوالق بحرية (بلانكتون).
واضطر العلماء، تلقاء هذا الاحتمال المنذر بأشد المخاطر، إلى البحث عن مدافن أخرى مأمونة للنفايات الذرية، واتجه التفكير بعد رحلة الإنسان إلى القمر إلى دفن هذه النفايات على سطحه، ولكن هذا الأمر لم يتحقق لاعتبارات ثلاثة هي:
أولاً: أن المحيطات النووية المولدة للطاقة الكهربائية مملوكة في دول أوروبا وأمريكا لمؤسسات أهلية غير حكومية، وهي مؤسسات تفتقر إلى الإمكانيات المالية الهائلة اللازمة لنقل هذه النفايات إلى القمر والتخلص منها بدفنها هناك، (وتستثنى من ذلك المراكز النووية في الاتحاد السوفيتي، والدول الشيوعية الأخرى لأنها مملوكة للدولة).
ثانياً: إنه ليس ثمة سبيل للاطمئنان إلى أن الصواريخ الحاملة للنفايات ستصل سالمة إلى سطح القمر، دون أن تتعرض لحادث يفجرها في الهواء أو يسقطها على الأرض قبل انفلاتها من نطاق الجاذبية الأرضية، وهو يؤدي إلى تلوث الجو والأرض بصورة مباشرة.
ثالثاً: إن من شأن هذا الأمر نقل التلوث إلى القمر نفسه، ولئن لم تعرف عواقب هذا التلوث على سكان أرضنا، فالمؤكد أن تلويث القمر من شأنه إقفال الباب أمام الإنسان في ما لو حاول استثمار القمر في المستقبل، لأن ارتفاع درجة الحرارة ارتفاعا شديدا في القمر في خلال النهار مع ضعف الجاذبية فيه يؤديان إلى انتشار المواد المشعة السامة وتلوث سطح القمر بأسره فلا يغدو صالحا لأي حياة، دع عنك أن عدم هواء في القمر يجعله غير صالح لحياة البشر عليه.
وهكذا انصرف الإنسان عن التفكير في دفن هذه النفايات الذرية الخطرة في مكان مأمون ناء عن البشر دفعا لشرورها المؤكدة المتمثلة في إشعاعاتها الخطرة.
ألم يكن الأمام الصادق (عليه السلام) بصيرا بالعواقب عندما نصح الإنسان بعدم تلويث بيئته دفعا للأضرار والمشكلات التي يتعرض لها؟
ولننظر إلى مثل اليابان، لنرى فيه صدق نظرية الصادق.
ومعروف أن اليابان خسرت الحرب العالمية الثانية مع دول المحور، وخرجت منها مهيضة الجناح كسيرة الاقتصاد حتى أن معدل دخل الفرد لم يكن يزيد في السنة (أي في 12 شهرا) عن ثلاثين دولارا، ولكن اليابان استطاعت بإنهاض أوضاعها الاقتصادية أن ترفع دخل الفرد حتى وصل معدله في عام 1972 إلى خمسة آلاف وخمسمائة دولار أمريكي في السنة.
ولم تلبث اليابان أن أخذت تغزو العالم بإنتاجها الصناعي الذي توسعت فيه توسعا كبيرا، حتى استطاعت أن تنافس الصناعة الأمريكية، في عقر دارها. ولنذكر مثالا واحدا، هو أن الولايات المتحدة التي تتصدر الدول الصناعية في إنتاج الدراجات البخارية قد صارت تشتري 90% من جميع الدراجات المستخدمة فيها من اليابان، فبين كل عشرين ألف دراجة بخارية مباعة في أمريكا 18 ألف دراجة صنعت في اليابان.
ولنذكر مثالا ثانيا وهو أن ألمانيا الغربية التي تتقدم دول العالم الصناعي في صنع أجهزة الراديو والتلفزيون قد أصبحت بدورها هدفا لغزو الصناعة اليابانية حتى أصبح 99% من أجهزة الترانزستور المباعة في ألمانيا يابانية الصنع.
وها نحن نرى اليابان متقدمة في صناعات السيارات والكمبيوتر والأقمشة المصنوعة من الألياف الصناعية (السليلوز) وفي صنع السفن وأجهزة الراديو والتلفزيون وأجهزة التصوير والدراجات النارية وهام جرا، ولعلها تحتل المنزلة الثانية بعد أمريكا في هذه الصناعات.
وبرغم كل هذا، وبرغم تقدم اليابان الصناعي فيها ارتفاعا كبيرا، فقد أهملت أسباب الوقاية من تلوث البيئة، وأصبحت اليوم تعاني من مشكلات التلوث ما يهدد سلامة أهلها، وما لا مثيل له في البلدان الصناعية الأخرى التي وقت نفسها من أسباب التلوث.
وأدى تلوث البيئة في اليابان إلى أمراض خطيرة لم يعرفها الطب منذ أيام أبي الطب (الحكيم ابقراط اليوناني) وإلى هذا اليوم، ومعروف أن ابقراط اعد إحصاءا للأمراض والأوبئة التي تصيب البشر سمى فيه أربعين ألف مرض، وأوضح آثارها وطرق علاجها، ولكن الأمراض التي ظهرت في اليابان نتيجة لتلوث البيئة لم يرد لهل ذكر ضمن الأمراض التي عرفتها البشرية من قبل.
ومن جملة هذه الأمراض النادرة مرض يسميه اليابانيون (إيتائي إيتائي)(1) لأن المصاب به يتألم ويئن هذه التأوهات.
ويعزى سبب هذا المرض إلى انتقال كمية كبيرة من مادة (الكادميوم إلى جسم البشري، وهي مادة تنتشر حول المصانع وتلوث الأرض والماء والهواء).
ومن أمارات هذا المرض الإحساس بألم شديد في جميع عظام الجسم، ومن عواقبه إصابة العظم بالضعف العام الذي يجعله هشا قابلا للكسر بسهولة، ولا وجود لهذا المرض النادر من أمراض العظام إلا في اليابان، صحيح أن الطب في تاريخه القديم وإلى يومنا هذا قد عرف أنواعا من أمراض تحجر العظام في الإنسان، فتغدو هشة قابلة للكسر، إلا أن النوع الياباني الذي يسمونه (إيتائي إيتائي) هو نوع فريد من هذه المجموعة من الأمراض.
وقد ظهر مرض آخر اشد خطورة من (إيتائي إيتائي) في جزيرة كيوشو، وهي إحدى الجزر الكبيرة في اليابان (البالغ عددها 400 جزيرة) فأودى بحياة عدد كبير من سكان هذه الجزيرة، وما زال خطره ماثلا يهدد غيرهم من السكان.
ومن آثار هذا المرض إضعاف البصر إلى درجة العمى، وإضعاف الأعصاب والعضلات إلى درجة تحللها وإفقادها لكل قدرة. ويعزى السبب في ظهور هذا المرض إلى انتشار المواد الزئبقية في الماء والهواء بالقرب من المصانع التي تستخدم عنصر الزئبق، وانتقالها إلى الإنسان عن طريق الماء والهواء.
ويعرف الطب القديم أن الزئبق يؤدي إلى العمى، وكان الأطباء في القرنين السابع عشر والثامن عشر يستخدمونه في علاج مرض الزهري، فلما تبينوا أن لاستخدامه موضعيا آثارا جانبية أخرى، كفوا عن التوسل به في العلاج، باستثناء بعض حالات الأمراض الجلدية أو الاحتراق، ومع مراعاة قدر كبير من الاحتياط.
وإلى جانب هذين المرضين الجديدين اللذين عرفتهما اليابان، تزايدت أمراض ضيق التنفس والاختناق نتيجة لتلوث البيئة أيضا.
وإذا كان العالم الفيزيائي اسحق ازيموف قد عزا أسباب مرض ضيق التنفس في أمريكا إلى قلة الأوكسجين المتوافر في الهواء ـ كما سبق أن ذكرنا ـ فإن المرض نفسه قد انتشر في اليابان نتيجة لتلوث الجو بفعل الغازات والأدخنة المتصاعدة من المصانع.
واليابانيون شعب معروف بحبه لجمال الطبيعة وتفننه في تنسيق الزهور والحدائق، وباعتقاده بأن المناظر الطبيعة في اليابان هي أجمل المناظر في العالم، ولكنه يعترف اليوم بأن تلوث البيئة قد أضر بالطبيعة ضررا شديدا وأفقدها مظاهر جمالها وحسنها.
وقد أشرنا في ما سبق إلى أن الشعب الياباني قد استطاع في الثلاثين سنة الأخيرة (أي منذ انتهاء الحرب العالمية وإلى عام1973) أن ينهض بحياته الصناعية والاقتصادية على الرغم من افتقاره إلى الثروات الطبيعة ومنابع الطاقة المتوافرة في الدول الأخرى، وإنه استطاع بهذا الجهد أن يصبح ثالث شعوب العالم غنى بعد الولايات المتحدة وروسيا دون أن يعتمد في ذلك على نفط أو حديد أو فحم حجري. ولكن الصناعة اليابانية التي نجحت في غزو العالم، تسببت في اليابان نفسها في تلويث البيئة وفي قيام مشكلات كثيرة، مما جعل اليابانيين يفكرون في عزل المجمعات الصناعية عن المدن والمناطق الآهلة بالسكان، وقد وضعوا فعلا الخطط اللازمة لتحقيق ذلك في موعد غايته عام 2000م.
وتتحصل الخطة اليابانية في إنشاء مدن ومجتمعات حديثة لا يزيد عدد سكانها عن مئتي ألف نسمة، وتزويدها بجميع المرافق والتسهيلات العصرية، وتقام إلى جانب هذه المدن وحدات صناعية تتخذ فيها جميع الاحتياطات اللازمة لوقاية البيئة من آثار التلوث بالغاز أو بالنفايات المتخلفة عن المصانع، وذلك بتجهيز مداخنها ومنافذ نفاياتها بصاف معدة خصيصا لهذا الغرض.
لقد انتبه إنسان اليوم إلى خطورة التلوث على البيئة، سواء أكان موضعه الأرض أو المياه في البحار أو الأنهار، ولكن عبقرية الإمام الصادق (عليه السلام) هدته قبل ألف ومائتي عام إلى خطورة هذا التلوث، فنصح القوم بألا يعمدوا إلى تلويث الوسط الذي يعيش فيه الناس، أي تلويث البيئة بلغة هذا العصر. ومن عجب أن الآريين القدامى فطنوا إلى أهمية اجتناب تلويث الأرض والماء في وقت لم تكن لديهم فيه مصانع أو معامل، فكيف تنبهوا إلى هذا الأمر، ومن أين جاءتهم الفكرة؟
يذهب بعض علماء الاجتماع إلى أن الثقافة التي تحصلت للبشرية هي تراث لمدينة عظيمة قديمة كانت على وجه الأرض ثمَّ تدهورت لأسباب شتى، وإن الإنسان قد اكتسب الشيء الكثير من هذا التراث الحضاري، ومن جملته اهتمامه بالأرض والهواء وحرصه على عدم تلويثهما.
وقد اهتمت الشعوب الآرية، التي يسميها الأوروبيون بالشعوب الهنديةـ الأوروبية، بالمحافظة على البيئة واجتناب كل ما يلوثها منذ زمن بعيد.
ويقول الباحث الفرنسي (ماريجان موله) أن الشعوب الهندية الأوروبية هي أول الشعوب التي قامت بمد مجاري الفضلات تحت الأرض حرصا على عدم تلويث سطحها، وحدا بهم وسواسهم من تلويث الأرض إلى الامتناع عن دفن الموتى فيها، وإحراق جثثهم في مكان ناء عن العمران، أو وضع موتاهم في مكان مرتفع على الجبال أو التلال أو فوق جدران يبنونها، وتركها إلى أن تجف فلا يبق منها إلا العظام التي توضع بعد ذلك في كهف أو غرفة.
ولم يعرف دفن الموتى عند الشعوب الآرية إلا في فترات تاريخية متأخرة محاكاة لأقوام أخرى(2) ، وبصورة خاصة في أزمنة الحروب أو عند ظهور الأوبئة المعدية.
وعندما غزا الاسكندر المقدوني الهند، رأى أن الهنود يحرقون أجساد القتلى، فدهش من هذا التصرف واستفسر منهم عن أسبابه، ثم كتب بذلك تقريرا إلى أستاذه أرسطو، فأصبحت رسالته وثيقة تاريخية هامة تصور عادات الهند وتقاليدها في الحرص على طهارة الأرض ونقائها. ومما جاء في هذه الرسالة قوله: (سألت الهنود: لم تحرقون جثث الموتى ولا تدفنونها؟
فأجابوا: إذا دفناها، تلوثت الأرض، وهو ما يتعارض مع تقاليد ديننا. ثم سألتهم: إذا كان الموتى يلوثون الأرض، فلم دفنتم جثث الجنود وأحرقتم جثث الضباط.
فأجابوا: إن أجساد الجنود لا تنجس الأرض، على النقيض من جثث الضباط والأمراء التي تنجسها بشدة).
وأضاف الاسكندر إلى هذا قوله في الوثيقة عينها: (أحسست بأنهم إذا دفنوا الضباط والأمراء، لم يؤدوا التكريم والاحترام بالقدر الكافي والمناسب).
وقد اهتم أرسطو بهذه الرسالة اهتماما جعله يدرجها في كتابه (الاورغانون)، وهو الكتاب الذي تناول فيه مسائل المنطق، والذي تسائل فيه في معرض الحديث عن الموت عما إذا كان من الأفضل إحراق جثث الموتى كما يفعل الهنود.
ولقد كان من ديدن الشعوب الهندية الأوروبية أن تحرص على عدم تلويث البيئة في وقت لم تكن قضية البيئة قد أصبحت الشغل الشاغل لدول العالم جميعا، ولم يكن تعداد سكان أي مدينة في العالم يزيد على مائة ألف نسمة. ولئن لم تتوافر لدينا أي معلومات وافية عن عدد سكان مجن فارس والهند في القديم، فقد سجلت لنل كتب التاريخ أن مدينة منف. وهي العاصمة المصرية القديمة قبل الميلاد بألفي عام كان عدد سكانها مائة ألف، وكان عمر هذه المدينة وقتئذ ألف سنة.
ويقول الصينيون إن مدينة بكين كان يسكنها في عام (2000ق م) ألفين قبل الميلاد خمسمائة ألف نسمة، ولكن هذا القول يفتقر إلى أي سند تاريخي، وليس في تاريخ الصين آثار تدل على صحته، وطبيعي أن هذا الرقم على فرض صحته لا يعد شيئا بالقياس إلى عدد السكان في عواصم العالم ومدنه الكبيرة اليوم.
وأياً كان الأمر، فإن الفيلسوف الأخلاقي الصيني الشهير (كونفوشيوس) قد أمر إتباعه بالنظافة وعدم تلويث البيئة، وكنفوشيوس قد ولد في عام 551 وتوفي في عام 479 قبل الميلاد، وكانت الشعوب الهنديةـ الأوروبية قد عاشت قبله بمئات من الحقب، بل بآلاف منها. ولبس من المعروف على وجه اليقين متى بدأت هجرة الشعوب الآرية إلى الشرق، فمن المؤرخين من يقول إن هجرتهم بدأت قبل الميلاد بثلاثة آلاف سنة، ومنهم من يقول إنها بدأت قبله ألفين من السنين، ولكن هذه القديرات من الحدس أو التخمين، والفرق بينها لا يتجاوز خمسين سنة أو مائة.
ومهما يكن الأمر، فعندما أسدى كونفوشيوس نصائحه ومواعظه تلك لأتباعه، كان قد مر على استيطان الشعوب الهنديةـ الأوروبية في هذه الهضبة وقت طويل، ولا يستبعد أن يكون الزعيم الديني، الذي عاش عمره بين الشعوب الآريية. قد تعلم منها ونقل من تقاليدها احترامها للأرض والبيئة وحرصها على العيش في وسط طاهر غير نجيس.
ولم تصبح قضية منع التلوث ـكما ذكرناـ قضية عالمية إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وهي اليوم قضية تستأثر بعناية الدول والهيئات الدولية باعتبارها قضية ملحة لا تقبل الإرجاء والتأجيل.




1 - عبارة (إيتائي إيتائي) يقابلها عندنا تأوه المريض بقوله (آه آه).
2 - يقول المستشرق الأمريكي أولم ستيد أستاذ تاريخ الشرق بجامعة شيكاغو (المتوفي عام 1945م) إن ملوك لدولة الاكمينية في إيران دفنوا جميعا في مقابر من الرخام والأحجار المزدانة بالنقوش، منها قبر قورش وقبر داريوش الكبير، في حين أننا لا نجد مقبرة واحدة لملوك الدولة الساسانية، مع أنها أقرب إلينا من دولة الاكمينيين، ذلك لأن الموتى في عهد الدولة الساسانية كانوا يضعون على مرتفعات إلى أن تجففها الشمس. وفي هذا المقام نذكر أن المستشرق (جورج كامرون) هو أول من كشف أبجدية الكتابات الاكمينية وترجم آلافا منها، وبفضل الجهود التي بذلها في هذا الشأن، أصبحنا نعرف الكثير عن تاريخ إيران القديم.

علي العذاري
07-26-2012, 01:37 PM
النية والعمل في رأي الإمام الصادق (عليه السلام)

سقنا فيما تقدم طائفة غير قليلة من الآراء والنظريات العلمية التي قال بها الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) ودل بها على أنه كان ذا عبقرية فريدة في هذه الميادين. ولكن عبقريته لم تقتصر على هذه الميادين، بل شملت أيضا، الميادين الإنسانية والاجتماعية التي رفدها بآراء وأفكار أيديولوجية أنارت الطريق أمام البشرية. وخليق بنا أن نتأمل لنقف على أوجه التجديد والعمق فيها، ولندرك كيف سبق الكثيرين من الأيديولوجيين العظام الذين عرفهم العالم منذ القرن السابع عشر الميلادي.
يقول الإمام الصادق (عليه السلام) إن عمل الإنسان ينبغي أن يجيء مطابقا لعقيدته ومتفقا معها، وإن عقيدة المرء ينبغي أن ترجع إلى تفكيره الخاص وإرادته الخالصة.
ويقول أيضا إن الإنسان ولد صادقا أمينا، ولم يخلق ليكذب أو ليأتي بعمل يخالف عقيدته، إلا أن البعض ينحرف إلى الكذب، ويعمل على خلاف عقيدته(1)
ويقول كذلك بأن الطفل لا يعرف الكذب ولا يعمل إلا ما يمليه عليه قلبه وعقيدته، فإن أحب أحدا انجذب إليه، وإن كره أحدا نأى عنه، وإذا أحب شيئا مد يده إليه، وإن كره شيئا لم تقو يده على حمله. وهذا كله دليل على أن المرء صادق بطبيعته، وأن عمله يتفق أصلا مع تفكيره.
ولكن الملاحظ أن المرء إذا بلغ مبلغ الرشد، اختلفت أعماله عن عقيدته ورأيه، وحل الكذب محل الصدق، ولو عند البعض من الناس.
ويقول المشتغلون بعلوم الأحياء إن الإنسان الأول لم يكن قادرا على الكلام، ولم يكن بالتالي قادرا الكذب أو إيتان عمل يخالف رأيه ومعتقده، وما مكنه من الكذب ومخلفة الضمير إلا اعتياده الكلام بعد ذلك.
ولم يكن هناك خلاف بين الوضع الاجتماعي للإنسان الأول والوضع الاجتماعي للحيوان، فإن أحب أحدهما نظيره عايشه وائتلف معه، وإن كرهه دب بينهما النزاع والقتال.
وكان الإنسان الأول شبيها بالحيوان من حيث أنه لم يكن يستطيع الظهور بمظهر يخالف ما يبطن، فلما نطق وتكلم، عرف الكذب، وعرف كيف يظهر خلاف ما يبطن، وينطق بما لا يعتقد.
صحيح أن ارتقاء البشرية وحضارتها بدءا مع الكلام وقدرة الإنسان على نقل أفكاره ومشاعره إلى الغير والإصغاء إلى تجارب الآخرين وأفكارهم للاستزادة من المعلومات والتجارب، ولكن المؤكد كذلك أن الكلام والنطق كانا أداة للكذب والرياء.
ويقول الكاتب الدنمركي (بالو وان مولر) إن الإنسان لم يعرف في بدء نشأته أمرين يتعلقان بحياته، هما الكذب والموت. ولهذا الكاتب رواية عنوانها (موت هابيل) تعد عند الأدباء من الآثار النفيسة المعاصرة. وقد صور فيها بخياله البارع مأساة موت هابيل، وكيف أن آدم وحواء كانا يعتقدان في بادئ الأمر بأن ابنهما هابيل نائم، فلما طال نومه أكثر من يومين، ودب البلى في جسده، واجتمعت الطيور لنهش جثته، تنبها إلى موته على الرغم من أنهما جربا من قبل موت الحيوانات عند صيدها.
وكان الفيلسوف البلجيك العالم (مترلينك) المعروف بآرائه المادية يقول إن الصورة التي يطبعها نجم وقع شعاعه على لجة ماء قبل مئات الملايين من السنين لا تفنى، فكيف بالإنسان؟ وكان مترلينك يحضر بنفسه جلسات تحضير الأرواح ويردد قائلا: ما دام الإنسان لا يعرف الفناء، فلعل ما يبقى منه بعد موته يظل مرتبطا بأهله وعشيرته الأحياء على الأرض.
وإلى ما قبل القرن الماضي، كان الفقراء في دول أوروبا كإسبانيا وإيطاليا وفرنسا، يطوفون في الشوارع والأزقة في ظلام الليل مرددين بصوت مرتفع (أيها الناس، إن موتاكم في انتظاركم، وهم بحاجة إلى طعام وشراب، فارحموا موتاكم). فكان الناس يتصدقون عليهم بالطعام والشراب، وكان النساء الطيبات المؤمنات يعطين الفقراء كأسا من الشراب ظنا منهن بأن ذلك يروي غليل المتوفى.
وما زالت عادة التصدق على أرواح الموتى سائدة في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، مما يدل على أن القوم في هذه البلاد يعتقدون بالحياة بعد الموت، ولولا ذلك لما تصدقوا.
وهناك اعتقاد شائع في بعض الدول المتقدمة بأن إطعام الفقراء والمساكين كفيل بتخفيف حدة العطش والجوع عند الموتى من أقرباء المتصدقين.
وذكرنا في ما سبق إن الإمام الصادق (عليه السلام) يرى أن الإنسان يولد مفطورا على الصدق والأمانة، ويتصرف وفقا لما يعتقده، كما قلنا إن الإنسان الأول لم يعرف الكذب، وإن اختلف العلماء في تاريخ نشأة الإنسان الأول اختلافا شاسعا،ففي رأي بعض العلماء أن الإنسان كان موجودا على الأرض من ستين مليون سنة، وفي رأي غيرهم أن عمر الإنسان على الأرض أقصر من ذلك بكثير، وأنه وجد منذ أربعة ملايين سنة فقط كما يقول البعض الآخر إن الإنسان وجد في الدهر الثالث من عمر الكرة الأرضية، أي في الفترة التي انقرضت فيها الديناصورات (الحيوانات الضخمة) التي أدى تحلل أجسامها تحت الأرض إلى تكوين بحيرات النفط الشاسعة في أنحاء شتى من العالم.
وقد عثر في الصين على هيكل عظمي بشري موغل في القدم، والعلماء عاكفون على دراسته لمعرفة عمره، وبالتالي تجديد عمر الإنسان على الأرض، فإن ثبت أن عمر هذا الهيكل العظمي ستون مليون سنة، جاء ذلك معززا لرأي القائلين تجديد عمر الإنسان على الأرض، فإن ثبت أن عمر هذا الهيكل العظمي ستون مليون سنة، جاء ذلك معززا لرأي القائلين ن الإنسان الأول نشأ على الأرض في الدهر الثالث من عمرها، وهي الفترة التي اتخذت فيها الأرض شكلها الحالي، بعد ما انقطعت السيول الهائلة المستمرة والأمطار الغزيرة والأنهار العاتية، وانتظمت فيها سلاسل الجبال والسهول والوديان الحالية.
فالإنسان قد استقر على الأرض بعد اجتيازه مرحلة الحلقة المفقودة(2) ، وكان يمشي على أربع دون أن ينطق أو يتكلم، باستثناء أصوات تصدر هي أقرب إلى الصراخ والصياح، وكان الإنسان الأول بطئ الحركة فصار لقمة سائغة للحيوانات الضارية تفتك به قبل أن يتمكن من إفلات منها.
وكان جسمه مغطى بشعر كثيف يشمله من هامة الرأس إلى أخمص القدم ليقيه وقدة الحر وشدة البرد، ولكن هذا الشعر كان مرعى للحشرات من قمل وبراغيث، مما كان يضطره إلى حك جلده طول الوقت وتفلية شعره من هذه الحشرات.
أما الهم الآخر الذي كان يشغل الإنسان الأول، فهو الأكل والشرب. وكان طعامه الوحيد هو الحشائش والنباتات الخضراء، دون اللحم، ولقلة السعرات الحرارية (الكالوري) في النباتات، كان الإنسان الأول لا يكف عن الأكل لإحساسه الدائم بالجوع. ولأنه كان يمشي على أربع، فقد كانت يداه من الضعف بحيث لا تقويان على الإمساك بالأشياء كما هو حالهما اليوم. وكان يقطف الثمار بفمه، شأنه شأن البهائم، وقد ظل الإنسان الأول على هذه الحال ملايين من السنين حتى تطورت أعضاؤه واتخذت شكلها الحالي.
ويقول المفكر المعاصر (مارشال مكلوهان) إن أسباب رقي الإنسان وانتقاله إلى الحضارة أنه على أربع في بداية نشأته، فأدى المشي على الرجلين واليدين إلى تقسيم المخ إلى نصفي كرة وتقوية خلاياه وتنشيط الذاكرة والقدرة على الحفظ، وهي العوامل التي كانت سببا رئيسيا في انتقال الإنسان إلى مرتبة التمدن.
ويقول هذا المفكر: لو حدثت كارثة طبيعية أو حروب علمية وأطاحت بكل مظاهر التراث العلمي والثقافي الذي توارثناه جيلا بعد جيل، ولم يبق أحد على قيد الحياة من حفظة التراث وذاكريه، وبقي الأطفال الصغار وحدهم في هذا العالم، فمن المؤكد أن هؤلاء الأطفال سيتحولون إلى الهمجية والتوحش وحياة الغابات التي كان يحياها إنسان ما قبل الحضارة، ما داموا يعيشون منقطعين عن أي حضارة يسلكون بموجبها في الحياة.
أما عالم الاجتماع الكندي المعاصر (شواليه) فمن رأيه أن الإنسان الأول كان يمشي على أربع فأدى هذا إلى جعل شطري المخ يمارسان مهمة القيادة، وبفضل نشاط المخ بكامله أي بشطريه انتقل الإنسان إلى مرحلة الحضارة، وفي هذه المرحلة بدأ الإنسان يستعين بإحدى يديه اليمنى أو اليسرى بصورة مستمرة، مهملا اليد الأخرى التي باتت عاجزة عن النهوض بما تنهض به اليد النشطة، وكان إنسان ما قبل التاريخ يتميز بجهله للكذب وعجزه عن إظهار ما يخالف رأيه ورغبته.
فكأن الكذب كان من نتائج الحضارة. والغريب أن الإنسان المتحضر يكذب، ثم يسن القوانين الأخلاقية التي تسفه الكذب والرياء وتستهجنهما، ولكن قوانين السلوك شئ واحترامها شئ آخر.
والملاحظ في عالمنا اليوم، أن المجتمعات البشرية في قلب القارة الإفريقية أو في جزر أقيانوسية وهي التي لم تصل بعد إلى مرتبة الحضارة العصرية تقول الصدق ولا تعرف الكذب والرياء. بل إن دافيد ليفنجستون الذي اكتشف منابع النيل في إفريقيا ورسم الخريطة الجغرافية للقارة الإفريقية، والذي كان يوافي الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية بمذكرات وخرائطه، قد كتب يقول: (إن الأفريقيين السود لم يعرفوا الكذب، ولا هم قادرون عليه إن طلب منهم ذلك) إلا أن ذلك حتى منتصف القرن التاسع عشر، أي قبل أن تقع هذه القارة السوداء تحت سيطرة الاستعمار الغربي.
وقد أبدى الدكتور ليفنجستون معارضة شديدة لتجارة الرقيق، وبذل كل جهد ممكن للحيلولة دون قيام التجار العرب من الأفارقة بتصيد أبناء السود في القارة وبيعهم في أوروبا وأمريكا، وقد أقدم ليفنجستون على رفع العلم البريطاني في تنجانيقا، وطلب من السود أن يقولوا لآسريهم من البيض إنهم من رعايا بريطانيا لينجوا من البيع في سوق النخاسة، ولكنهم أبوا أن يكذبوا، ولم يستطيعوا حمل أنفسهم على قول ما ليس بصحيح. وكان مناوئو الدكتور ليفنجستون يقولون في الطعن غليه إنه لم يقصد برفعه العلم البريطاني على تنجانيقا تحرير السود، بل قصد تمكين البريطانيين من استعمار هذا الجزء وأجزاء أخرى من القارة الإفريقية.
ومما يذكر أن أخبار الدكتور ليفنجستون انقطعت بعد وصوله إلى قلب إفريقيا ولمدة عشر سنوات، مما حدا بجريدة (نيويورك هيرلد تربيون) إلى إيفاد الغامر ستانلي لتقصي آثاره(3) ، فذهب ستانلي إلى أفريقيا مرتين، في المرة الأولى للبحث عن الدكتور ليفنجستون، وفي المرة الثانية استصحب معه قافلة كان هو مرشدها وقاضيها. ومما رواه ستانلي في مذكراته أن واحدا من السود قتل زميلا له، فمثل أمامه للمحاكمة، وقضى عليه بالموت، ولكنه قال للقاتل إنه على استعداد لتخفيف الحكم عنه إذا ما تعهد بمسلمة الناس وعدم العودة إلى القتل، فكان رد الزنجي: (ولو أطلقت سراحي فلن أكف عن قتل زملائي الآخرين)، ويعلق ستانلي على هذا القول بقوله إن الزنجي لم يعرف الكذب ولم يستطع أن يخفي نية القتل ولو كان ذلك طلبا للنجاة.
ولكن، ما أن دخلت هذه القبائل الإفريقية وبلادها الحضارة المعاصرة، حتى عرفت الكذب والنفاق وصارت تتوسل بهما.
أنا الإمام الصادق (عليه السلام) فكان يبغض الكذب والنفاق، ويوصي تلاميذه بأن تكون أقوالهم مطابقة لنياتهم، وأن تكون عقيدة المسلم عقيدة يرفدها العقل والخيال، فيؤمن الإنسان بعقله وقلبه وخياله ظاهرا وباطنا دون كذب أو نفاق. وكان يحض أصحابه على اجتناب النفاق والرياء في جميع أعمالهم وفي كل الظروف، ضاربا المثل بآبائه الكرام الذين استشهدوا في سبيل الذياد عن العقيدة،، ولم يضعفوا أو يتخاذلوا تلقاء أي ضغط أو تهديد.




1 - ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: يولد كل مولود على الفطرة إلى أن يهوده أبواه أو ينصراه وفي رواية أخرى (إلا أن أبويه ينصرانه أو يهودانه أو يمجسانه).
2 - يقول العالم البريطاني دارون إن هناك حلقة مفقودة بين القرد والإنسان وقد مضت عليها دهور سحيقة. ولكن العلماء لم يكتشفوا حتى الآن الهيكل العظمي لهذه الحلقة المفقودة بما يثبت صحة ما ذهب إليه دارون ويجعلهم منه حقيقة مقبولة. ومن أسباب الشك في نظرية دارون أن شكل الإنسان كثير التنوع في السحنة واللون والعنصر. ولم يتأت للعلم الحديث حتى اليوم أن يقف على سر التغييرات التي طرأت على (جرثومة) الإنسان في حياته الأولى، وأدت إلى ما نراه اليوم من اختلاف في اللون والمعالم الخارجية. وهذا هو الذي دعا بعض العلماء إلى القول بأن الإنسان الأبيض والأسود قد جاء كل منهما إلى الأرض من عالم مختلف عن الآخر.
3 - ستانلي هو الذي كشف شلال فيكتوريا الذي يقوم على نهر النيجر، وله كتاب هام عن رحلته الإفريقية وقد ترجم هذا الكتاب إلى اللغة الفارسية وطبع بالحجر في بداية عصر الدستور في إيران، وهو كتاب جغرافي كبير الفائدة. (المترجم).

علي العذاري
07-26-2012, 01:39 PM
الفلسفة والحكمة والفرق بينهما في رأي الإمام الصادق (عليه السلام)

كان الإمام الصادق (عليه السلام) إماما في المذهب وحكيما وفيلسوفا وأديبا في عصره، وكانت علوم الدين والحكمة والفلسفة والأدب تدرس في مدرسته.
وللإمام نظرية في الفرق بين الفلسفة والحكمة، مر عليها حتى الآن ما يزيد على ألف ومائتي سنة ظهر في أثنائها عشرات من الفلاسفة والحكماء في الشرق والغرب، ولكن أحدا منهم لم يضع تعريفا لكل من الحكمة والفلسفة أجمع من التعريف الذي وضعه الإمام الصادق (عليه السلام).
ففي رأي فلاسفة الإغريق القدماء أن كل معرفة تدخل في نطاق الفلسفة.
وفي رأي رجال مدرسة الإسكندرية، التي كان لها شأن في تقدم العلوم والفلسفة، أن الحكمة والعلم شئ واحد، بدليل أنهم كانوا يطلقون اسم الحكمة على كل علم وفن، بما في ذلك الطب الذي كان يعد بابا من أبواب الحكمة(1)
وعند القدماء أن الفلسفة هي ينبوع تتفرع منه جميع العلوم، ولهذا سموها بعلن العلوم، لأن الفيلسوف كان متضلعا من جميع علوم زمانه، في حين أن الطبيب مثلا لم يكن يدعي الإلمام بالفلسفة.
ويقول الأديب الفيلسوف الفرنسي المعاصر (جان دولا كروا) إن اليونان كانت في القديم تعد الأدب والفن من أبواب الفلسفة، وإن الشعر والموسيقى والرسم والنحت وصنع التماثيل تستلهم صورها وزبدتها من الفلسفة. وفي عهد متأخر، فصل الأدب والفن عن الفلسفة.
ولأن العلوم الأساسية جميعا كانت داخلة في نطاق الفلسفة ومتفرعة منها، فلم تكن ثمة ضرورة للتفريق بين العلم والحكمة.
ساد هذا التفكير إلى عصر الإمام الصادق (عليه السلام) الذي وجده تفكيرا قاصرا، فوضع تعريفا من شأنه تحديد إطار مستقل لكل من العلم والفلسفة، فيتميز أحدهما عن الآخر.
صحيح أن للعلم في يومنا الحاضر تعريفا جامعا يحدد وظائفه ومجالاته، ويقرر له الاستقلال عن الحكمة, ولكن مناداة الصادق (عليه السلام) في عصره باستقلال العلم عن الحكمة كانت دعوة ثورية بمعنى الكلمة بمقاييس تلك الأيام.
وقد قسم الصادق (عليه السلام) نظريته بشأن تعريف العلم والفلسفة إلى شقين، فقال في الشق الأول إن العلم يوصل المرء إلى نتيجة واقعية حتى ولو كانت صغيرة ومحدودة ولكنها نتيجة حقيقية فعلا، أما الفلسفة فلا توصله إلى نتيجة ما.
وبهذا التعريف أصدر الصادق (عليه السلام)حكما قاطعا واضح السمات على حقيقة الفلسفة وحصيلة من يشتغلون بها على مدى العمر.
وبعبارة أخرى إن الصادق (عليه السلام) استدار وكأنه يخاطب المشتغلين بالفلسفة في العالم وقال لهم: إن أبحاثكم ومجادلاتكم بعيدة عن الحقيقة والواقع، فلا أنتم بها تنتفعون، ولا تنفعون غيركم، ولا فائدة من تحصيلها سواء لكم أو لغيركم.
والمعروف في تاريخ الفلسفة أن الذين أنكروا نظريات الفلاسفة أو شككوا فيها عرضوا أنفسهم لعدواة أولئك الفلاسفة وأتباعهم، ولو استخف أحد بصاحب أرض أو ضيعة ما لجلب على نفسه عداء هذا السيد، تماما كما لو استخف بثقافة مثقف أو رأي مفكر، لأن كل صاحب فكر أو ثقافة أو علم فخور بما عنده، ولا يرتضي أن يلقى بضاعته استخفافا من الغير وفي التاريخ رجال وصفوا بالعدل والحق، ولكنهم ضاقوا بكل من حاول الاستخفاف بقدرهم العلمي.
مثال ذلك أن مالكا بن أنس، مؤسس المذهب المالكي من مذاهب السنة، وأحد الأئمة الأربعة في الدين الإسلامي مع الشافعي وأبي حنيفة وابن حنبل كان معروفا بزهده وعلمه وتقواه في المدينة، فلما شاعت نظرية الصادق (عليه السلام) بشأن الفلسفة وعدم جدواها، قصده واحد من تلاميذه وأصحابه الأقربين، وهو إبراهيم الغزي، وقال للإمام مالك إن ما يدرسه من الحكمة والفلسفة عديم الجدوى، فتألم مالك ـوهو من هو ثقة وعلما وفضلاـ من تجريح الغزي له واستخفافه بعلمه وفضله، وامتنع ـ كما تقول الرواية ـ عن مقابلته إلى يوم وفاته. وقد وقعت وفاة مالك بن أنس في سنة 179 للهجرة عن عمر يناهز 86عاما.
فإذا كان الإمام التقي (مالك بن أنس) قد ساءه أن يستخف أحد بفضله أو يقلل من أهمية علمه، فكيف سائر الناس؟
وقد اعترض الفيلسوف الفرنسي المعاصر (جان دولا كروا) على نظرية الصادق (عليه السلام)، وقال إن نظرية الصادق (عليه السلام) كانت تسوغ في الأذن لو أنه قال إن الفلسفة لا جدوى منها اللهم إلا إذا وطأت للعلم وكانت تميهدا له ومقدمة، ومتى أفضت الفلسفة إلى العلم، كان جدواها كبيرة ونفعها جزيلا.
فمن رأي هذا الباحث الفرنسي أن الفلسفة بمفردها عديمة الجدوى، لأنها كالنظرية المجردة التي لا تفضي إلى شئ، أما إذا أفضت إلى العلم حيث التجربة والتطبيق فعندئذ تثبت جدواها العملية ويؤكد التطبيق صدقها.
وهناك معادلات وقوانين علمية طلع بها علماء بارزون، ولكنها بقيت معادلات وقوانين مجردة لا نفع منها إلى أن دخلت مرحلة التطبيق العلمي.
وها قد انقضى حوالي أربعمائة سنة على القوانين الفلكية التي انتهى إليها العالم الألماني (كبلر) بشأن حركة السيارات حول الشمس، وانقضى ما يقرب من ثلاثمائة سنة على قانون الجاذبية الذي اكتشفه (نيوتن) ولكن أحدا من علماء الفيزياء والفلك لم يحاول أو يشكك في صحة هذه القوانين الثابتة، إلى أن أطلق الروس أول سفينة فضائية في عام 1957، فتحققت بفضلها قوانين كبلر ونيوتن التي استعين بها في تنظيم هذه الرحلة الفضائية، وازداد انتفاع الإنسان بها في إطلاق المحطات الفضائية والأقمار الصناعية وتثبيتها في الجو، للاستعانة بها في الاتصالات اللاسلكية والبث التلفزيوني في أنحاء العالم، ولمتابعة التغييرات الطارئة في الجو من حرارة وبرودة، ومعرفة اتجاهات الرياح والأعاصير والأمطار والثلوج، والتقاط صور جغرافية للكرة الأرضية.
وكانت الحكمة من جملة الدروس التي يعلمها الإمام الصادق (عليه السلام) في مدرسته، مما أثار في الخاطر سؤالا هو: كيف يقوم الصادق (عليه السلام) بتدريس الحكمة في مدرسته في حين أنه يقول بعدم جدواها وفائدتها؟ وكيف يحمل طلابه، وهو الإمام والقائد الديني المترفع عن الزلل، على دراسة مادة يرى فيها أنها مادة لا تفيد في الحياة العملية؟
ولا بد للرد على هذا التساؤل من النظر إلى الشق الثاني من نظرية الإمام (عليه السلام) بشأن العلم والحكمة، كما لابد أن آراء الصادق (عليه السلام) بشأن الحكمة والعلم لا تنصرف إلى الدين أو المذهب، فالذي لاشك فيه أن الحقيقة في نظر الإمام (عليه السلام) هي الله وحده، وهي حقيقة ينبغي تنزيهها عن كل نقاش.
يقوم الشق الثاني من نظرية الإمام الصادق (عليه السلام) على محور الحكمة والعلم، وفيه يقول إن العلم لا ينظر إلى حقيقة مطلقة، ولكن الفلسفة قادرة على ذلك.
جاء في الشق الأول من نظرية الإمام الصادق (عليه السلام) إن العلم يميط اللثام عن الحقائق حتى ولو كانت صغيرة، فكيف يقول في الشق الثاني من نظريته بأن العلم لا ينظر إلى حقيقة مطلقة، بينما الفلسفة قادرة على ذلك؟ أليس هناك تعارض بين هاتين النظرتين؟
يقول الصادق (عليه السلام) إن العلم يكشف الحقيقة، ولكنه إن عجز عن كشف الحقائق الكبرى فلا يعجزه أن يدرك الحقائق الصغيرة المحدودة. ومع ذلك، يحدث أحيانا أن يعجز العلم عن إدراك كنه الحقيقة بسبب وجود تلك الحقيقة وجودا مادياً.
وللتمثيل على هذا ذلك نقول إن العين ترى كل شئ، ولكنها مع ذلك لا ترى نفسها مع أنها موجودة وتؤدي وظيفتها دون أن تدرك ما هو الهدف من مشاهدتها للأشياء وما هي الفائدة من ذلك.
أما الفلسفة، فإنها وإن لم تصل إلى حقيقة قاطعة، فهي تتطلع إلى معرفة الحقيقة المطلقة، وبالتالي معرفة سبب خلق العالم والبشر، وكنه الخالق، ومصير الإنسان، ونهاية العالم.
وقد مر على هذا القول اثنا عشر قرنا، وما زال إلى يومنا الحاضر قولا سديدا في التفرقة بين العلم والفلسفة، فالعلم عاجز إلى يومنا الحاضر عن معرفة الحقيقة المطلقة وتبين نهاية المطاف، وهو لا يعرف من أين تجئ الحقيقة ولا إلى أين تذهب. صحيح أن العلم ميزان دقيق يزن كل شئ، ولكن حيلته بعد كل الجد والبحث تقف عاجزة أمام الحقيقة المطلقة. أما الفلسفة فقادرة على الرد على هذه التساؤلات وتوضيح العلل والأهداف، والبحث في خاتمة المطاف، على الرغم من أن الفلسفة لم تصل إلى حقيقة واحدة في كل تاريخها الطويل.
يلوح من هذا التعريف أن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) يضع الحكمة في منزلة مقدمة على العلم، لأن العلم لا يستهدف الوصول إلى الحقيقة المطلقة، في حين أن الحكمة تهدف إلى ذلك وتجتهد في بلوغه، وما الحقيقة المطلقة إلا الله جل جلاله.
فبعد ما تفرغ الفلسفة من تناول القضايا الهامة، تصل إلى السؤال الجوهري، وهو: ما هي حقيقة الله؟ وما هو الهدف من الخليقة؟ وما هو مصير هذا العالم؟
ويتحصل من هذا أن الصادق (عليه السلام) كان يرى أن للحكمة فضلا في هداية الإنسان إلى معرفة الله، بينما العلم قاصر عن القيام بهذا الدور، اللهم إلا إذا قادنا العلم إلى المعرفة الشاملة التي تدخل الحكمة بدورها في إطارها. هذا مع أن الصادق (عليه السلام) كان إماما في الدين، وكان يرى أن الدين هو أفضل السبل للتوجه إلى الله ومعرفته، لا الحكمة ولا الفلسفة.
ومعروف إن المسلمين في القرن الأول الهجري لم يعنوا بالحكمة ضمن المعارف الإسلامية، وكانت الحكمة أصلاً أو فرعاً من الدين الإسلامي طوال القرون المتعاقبة، إلا أن علماء المسلمين انتفعوا بالحكمة في إثبات الآراء الدينية في قضايا الألوهية وما وراء الطبيعة، واستشهدوا بها في مباحثهم اعتباراً من القرن الثاني الهجري، مما يصحّ معه القول بأن النهضة العلمية والعمرانية للمسلمين وتقدّمهم المادّي قد بدأت كلها من هذا القرن.
مما ساعد على قيام الوسط العلمي وامتداد الحركة الثقافية، اختلاط العرب بشعوب غير عربية، ووقوفهم على ثقافات الشعوب والأمم الأخرى.
وعلماء المسلمين الذين حالوا التوسل بالفلسفة في بحث أصول التفكير الإسلامي، أو بالأحرى الاستفادة من قوانين المنطق ومسائل الفلسفة في إثبات الآراء الدينية ودعمها، هم واضعو علم الكلام في الإسلام، وعلم الكلام معناه الفلسفة الإسلامية، أو التوسل بالفلسفة في فهم الدين الإسلامي.
وقد حدا هذا بالمسيحيين إلى تقليد المسلمين من حيث التوسل بالفلسفة في شرح الدين المسيحي، وذلك عندما احتكوا بالمسلمين في الحروب الصليبية التي استمرت طوال قرنين، وعندما نقلت مؤلفات المسلمين إلى اللغة اللاتينية (وهي اللغة العلمية التي كانت سائدة في أوروبا) وعندما وقف المسيحيون على أركان الفلسفة الإسلامية، أي علم الكلام.
ولولا الحروب الصليبية التي هيأت لأوروبا أن تحتك بالشرق، لبقيت سادرة في جهلها للعلوم والثقافات الإسلامية إلى القرن السابع عشر، وهو القرن الذي بدأ فيه غرس أشجار الفاكهة الشرقية في أوروبا، وكان من المنطقي أن تنتقل ثقافة الشرق إلى أوروبا مع انتقال هذه المزروعات.
وعندما نقلت آثار العلماء المسلمين إلى أوروبا، وقف بعض علماء الغرب المسيحي على الفلسفة الإسلامية، وحاولوا من خلالها ربط الفلسفة بالمسيحية، ومن هنا جاء استلهامهم لمبدأ ثنائية الجسم والروح من علماء المسلمين.
ومن أكثر فلاسفة الغرب تأثرا بالفلسفة الإسلامية، الفيلسوف الفرنسي مالبرانش(2) (1638ـ1715م) الذي كان من أتباع مدرسة ديكارت المعروفة باسم (كارتيزيان).
وكانت فلسفة ديكارت قد انتشرت في أوروبا انتشارا واسعا، واكتسبت احترام المثقفين في كل قطر، وأصبحت مذهبا فلسفيا شهيرا قبل وفاته عام 1650م.
وتنهض فلسفة ديكارت على أساس الشك في كل شئ، ومن أقواله المأثورة: إن كل شئ قابل للشك إلا نفسه.
وما دام ديكارت كان يشك في كل شئ، فمن الطبيعي أن يشك حتى في الدين المسيحي وحتى في وجود الله.
كان هذا التوضيح ضروريا ليعرف القارئ مدى تأثير الفكر الإسلامي في أوروبا الغربية، حتى إن مالبرانش الديكارتي تحول من المذهب (الكارتيزي) إلى التأثر بالفلسفة الإسلامية.
أما ديكارت(3) ، فحسبنا في الإشارة إلى أثره في توجيه الفكر الأوروبي أن نذكر أن الناس أصبحت تعرفه فيلسوفا، ونسيت أنه كان أستاذا للرياضيات، وضابطا في الجيش وله طائفة من القوانين التي وضعها في الرياضيات والضوء اشتهرت باسم (القوانين الكارتيزيانية)، ولا يعرف خبرها إلا المشتغلون بالرياضيات والفيزياء، إذ إن شهرة ديكارت في الفلسفة قد غطت على شهرته في المجالات العلمية الأخرى.
وقد انجذب مالبرانش إلى أسلوب ديكارت وتفكيره، واستهوته فلسفته منذ الصغر، فوضع كتابا أسماه (طلب الحقيقة) نسج فيه على منوال ديكارت الفلسفي. وكان قصده من وضع هذا الكتاب التوسل بالفلسفة في شرح التفكير المسيحي بأسلوب ديكارتي، ولكن القارئ المتمعن لهذا الكتاب يلاحظ بوضوح أن مالبرانش كان في منهاجه وأسلبه متأثرا بالفلسفة الإسلامية والمتكلمين أكثر من تأثره بمنهاج ديكارت.
فالمتكلمون الإسلاميون يرون في مجالاتهم للتفكير الإسلامي أن الإنسان مركب من مادة وروح، وأن المادة ـوهي الجسمـ تفنى وأما الروح فباقية إلى الأبد، وأن الروح تحل في جسم الإنسان وتصبح جزءا مندمجا فيه مدى أيام حياته على الأرض، فلما تدركه منيته تغادره الروح إلى حيث تبقى حية إلى الأبد، وفي رأيهم أن خصائص الروح بعد الممات لا تتغير، فتظل محتفظة بجميع ما كانت عليه من صفات في حياة الجسم، كما تحتفظ بالشعور والإدراك اللذين كانا لها في الحياة البشرية، دون أن تحتاج إلى غذاء أو كساء.
وخليق بالذكر أن المتكلمين المسلمين يختلفون كذلك في كنه الروح وفي بقائها على قيد الحياة، فمنهم من يقول إنها باقية إلى الأبد مع فقدان الشعور والإدراك التي كانت لها في الجسم الحي، ومنهم من يقول إن الروح تحافظ على الشعور والإدراك وتعليل هؤلاء لهذا القول أن روح الإنسان مسؤولة عند ربه وعليها تقديم الحساب في يوم القيامة، فإن فقدت إدراكها وشعورها لم تستطع النهوض بهذه المهمة في اليوم الآخر.
وثمة حقيقة لا ريب فيها أن جميع المتكلمين والفلاسفة من المسلمين الذين اجتهدوا في التوسل بالآراء الفلسفية لشرح الدين، حرصوا على اجتناب كل ما يتنافى مع أصول الدين الإسلامي، ومن هنا اعترفوا ببقاء الروح، لأن يوم المعاد الذي تقام فيه دينونة البشر هو من أصول الدين، ولا تعارض من وجهة النظر الفلسفية بين قبول يوم المعاد وبقاء الروح خالدة.
وكل من يؤمن بالإسلام يؤمن بيوم المعاد باعتباره أصلا من أصول الدين، ويؤمن ببعث الجسم والروح مرة أخرى لتقديم الحساب، فإن كانت الأجساد تعرضت للفناء والعدم، فالله قادر على إعادتها إلى ما كانت عليه.
ولكن ليس هناك إجماع بين الفلاسفة على الاعتقاد بعودة الجسد إلى هيئته الأولى يوم القيامة، ولا عجب أن يقول بعض الفلاسفة بأن الجسد ينحل وينعدم، وأن العظام بصلابتها تغدو رميما بفعل الأيام، وأن ذرات التراب المتخلفة عن الجسد المنحل تتناثر في الجو ومياه الأنهار وتصبح جزءا من كائنات وعناصر أخرى في العالم، وهكذا تتواصل عملية التحلل والاستحالة، إلى أن يفقد جسد الإنسان جميع خصائصه، ويتغير تغيرا تاما بمرور القرون والأزمنة(4) ، ولكن الفلسفة ترتضي الحجج القائلة ببقاء الروح، لأنها تدرك أن المواد والكائنات لا تنعدم، وأن المادة لا تفنى، وأن روح الإنسان خالدة بعد الموت، وهي التي تهيئ للإنسان عودة في يوم المعاد.
فلما جاء المتكلمون المسلمين، أكدوا أن الروح باقية، ووفقوا في هذا بين الفلسفة والدين متوسلين إلى إثبات أصول الدين لا بالقواعد الدينية نفسها بل بالقواعد الفلسفية، على أن هناك متكلمين وفلاسفة آخرين من المسلمين تنكبوا السبيل إلى التوفيق بين النظريتين الدينية و الفلسفية، فاتهموا بالإلحاد والزندقة.
وصفوة القول إن الفلاسفة المسلمين (المتكلمين) يؤكدون أن الإنسان يتألف من جسد وروح، وأن قوام حياته رهن بالتجانس والاتحاد بين هذين العنصرين، وطالما ظل هذا الاتحاد قائما ظل الإنسان متمتعا بالحياة، فإن انقطع انقطعت معه الحياة وحل به الموت، وبحلول الموت يستقل كل من الجسد والروح بمصيره، فيبلى الجسد ويدب فيه دبيب الفناء، أما الروح فتبقى خالدة.
وفلاسفة الكلام عند المسلمين لا يحاولون إقامة البراهين على أن الروح باقية خالدة، ولا يبحثون في أصلها وعنصرها، وقصاراهم أن يقولوا إن الروح من أمر الرب(5) ، وهو الذي يكتب لها لبقاء والخلود كما أنه جل وعلا خالد.
فإذا عدنا إلى (مالبرانش) الذي استهواه المنهج الديكارتي في التفكير بادئ ذي بدء، وجدنا أنه يسلك مسلك فلاسفة المسلمين ويتبنى آراءهم، فيقول إن الإنسان يتألف من جسد وروح، وإن حياة الإنسان رهن باجتماع الروح والجسد واتحادهما معا، وإن هذا الاتحاد هو السبب الرئيسي للحياة والحركة، وإن انفصام الوحدة بين الروح والجسد يفضي إلى الموت وإلى فناء الجسد، وينصرف كل من العنصرين إلى حيث يستقل عن الآخر.
وعندما حاول مالبرانش أن يتوسل بالفلسفة في فهم الدين لمسيحي، كما فعل علماء المسلمين، درس آراءهم الفلسفية والعقائدية ووقف على سلامتها، وحذا حذوها.




1 - وإلى وقت قريب كان الطبيب عندنا يدعى بـ (الحكيم)، فإن كان أجنبيا وصف بأنه (حكيم صاحب).
2 - مالبرانش Malebranche (1638ـ1715م) فيلسوف فرنسي أنكر اتصال العقل بالمادة، وقال إن الحس والخيال في الإنسان ليسا منه وإنما من الله، واعتبر فكرة النظام أساسا للأخلاق، وله كتاب اسمه (طلب الحقيقة).
3 - رينيه ديكارت Rene Descartes (1596ـ1650م) فيلسوف رياضي فرنسي ورد التعريف به في هامش سابق، وتقوم فلسفته على الوصول إلى الحقيقة عن طريق الشك استنادا إلى الحدس والاستقراء، بادئا بالصغريات ومنتهيا بالكبريات، وقد ترك آثارا بعيدة في الفكر الغربي بنظرياته الهندسية والفيزيائية فضلا عن الفلسفية، وله كتاب مشهور عنوانه (مقال في المنهج) من أقواله المشهورة: (أنا أفكر إذن موجود)، وهي باللاتينية: (cogito,ergo sum) (المترجم).
4 - يرد القرآن الكريم على هذه الأقاويل في الآية78 و79 من سورة يس حيث يقول: (قال من يحيي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة، وهو بكل خلق عليم).
5 - كما جاء في القرآن الكريم: الآية 85 من سورة الإسراء: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا).

الشك واليقين عند الإمام الصادق (عليه السلام)
منذ أن عني فلاسفة الإغريق في أقدم العصور بمسائل الفلسفة، وإلى يومنا هذا، وهناك قضية شاغلة لاهتمام الفلاسفة والمفكرين هي قضية الشك واليقين وماهيتها، وهل ثمة أمل في أن يرتقي الإنسان إلى مرتبة تنفي منه الشك، وهل الفرق بين الشك واليقين هو مجرد خلاف ظاهري؟
يقول الإمام جعفر الصدق (عليه السلام) وقوله صحيح، أن الشك مصدره الجهل، فإن كنا على يقين من نتيجة معادلة رياضية ما، لم يخامرنا الشك من حولها، أما إن افتقرنا إلى هذا اليقين بالنسبة لقاعدة في علم النفس مثلا، لم يكن هناك من مفر من الشك فيها، فمسائل النفس شئ، والقواعد الرياضية مثل 2×2=4 شئ آخر. فالأولى تفتح الباب أمام الاستثناءات والحالات الشاذة والقوانين غير الثابتة فيرتاب المرء في نتائجها، أما الثانية فلا خلاف عليها ولا هي تحتمل شكا، ومعروف أن الأفراد يتباينون ويختلفون، ويستقل كل منهم بصفات وخصائص خلقية ونفسية تغاير ما لدى الغير منها، فيؤدي هذا الوضع إلى استحالة التوصل إلى قواعد نفسية عامة تنطبق على الناس جميعا مهما اختلفت مشاربهم وأمزجتهم ونشأتهم وصفاتهم.
والمتأمل لأوضاع الجنس البشري، يرى أن الناس من حيث اللون والعنصر والأصل والمنبت والقومية، وتختلف إلى جانب ذلك من حيث الاتجاهات الفكرية والسياسية والخصائص النفسية، فإن تحقق الوفاق والوئام في المجتمع ما بين جميع أفراده برغم اختلافهم، فما ذلك إلا لأن أفراد المجتمع، ولا سيما الضعاف منهم، قد أحسوا بضرورة التكيف في سلوكهم وتصرفاتهم مع السلطة القائمة التي تملك القدرة على الوفاء بمطالب هؤلاء والمحافظة على حقوقهم.
ولو نظرنا إلى الأسرة الواحدة باعتبارها وحدة المجتمع، لوجدناها تفتقر إلى التطابق التام في الآراء والسلوك بين أفرادها، وهم أقرب الأقرباء، لأن لكل من الأب والابن، والأم والبنت، والزوج والزوجة شخصيته الخاصة التي تستقل بميولها وآرائها ومزاجها وما إلى ذلك.
وقد سب لنا أن أشرنا إلى العالم النفسي الفرنسي (هنري برجسون) الذي عاش في النصف الأول من القرن العشرين، واكتسب شهرة عالمية بسبب تجاربه العلمية، وفي رأي هذا العالم أن نظريات علم النفس تصدق على القبائل التي تعيش على الفطرة والبداوة أو التي في طريقها إلى التمدن، أكثر من انطباقها على غيرها من الأقوام.
يقول برجسون إن تفكير أفراد القبيلة البدائية في أي موضوع يتشابه بل يتطابق، لأن معلوماتها محدودة وحاجاتها محدودة أيضا. ومتى ارتقى الإنسان واتسعت دائرة ثقافته ومعلوماته، اتسعت أيضا دائرة احتياجاته ومطالبه.
وقواعد علم النفس الموضوعة على أساس المقومات النفسية لقبيلة بدائية يمكن باطمئنان تطبيقها على كل فرد من أفراد هذه القبيلة، ولكن هذه القواعد لا تصلح لأفراد القبائل الأخرى.
ومع ذلك، فلا سبيل إلى إنكار القواعد العامة لعلم النفس، ولا إلى القول بانطباق هذه القواعد انطباقا عاما على كل حالة وفي كل موقف.
واليقين عند الإمام الصادق (عليه السلام) هو علم ما لا يتطرق إليه الشك أو الريبة، وهو أصل من أصول الدين الإسلامي لأن مصدره هو الله جل وعلا. يقول الإمام (عليه السلام) إن الله واحد، وهو خالق كل شئ، وهو مدبر العالم ومسيره وفقا لإرادته. ومن ينكر وجود الله، برهن على جهله المركب، وكان كالأصم الأبكم الذي لا يسمع ولا ينطق ولا يستطيع استخدام قدراته الفكرية للوصول إلى معرفة الله، ولا هو بقادر على أن ينتفع بتجارب الغير في معرفة الخالق، وحياته لا تخرج عن حدود الأكل والشرب والنوم وإشباع الغرائز دون التطلع إلى أي هدف سام وهؤلاء لا يسعون لفهم شئ، وينطبق عليهم حكم القرآن الكريم (إن هم إلا كالأنعام، بل هم أضل سبيلا)(1) .
فقد خلق الله الكائنات الحية ومنها الإنسان وخص كلا منهما بما يختلف فيه عن سواه، وهيأ له أسباب البقاء والتناسل إبقاء عليه من الانقراض، وخلق بعلمه وقدرته حيوانات تطيق الحر الشديد في البراري والصحاري، وأخرى تتحمل البرد القارص مهما اشتد، ومن الحيوانات ما ينام بقدرة الله وحكمته طوال أشهر الصيف في المناطق المتجمدة دون أن يحس جوعا أو عطشا ودون أن يتأثر وزنها أو صحتها بهذا البيات، والغريب في أمر هذه الحيوانات أن قلبها ينبض عادة خمسة آلاف مرة في الساعة، ولكنه ينبض في فترة البيات التي تمتد إلى ستة أشهر أو سبعة ستين أو سبعين نبضة في الساعة، نراه ينخفض عدد أنفاسه في فترة البيات الشتوي إلى 25مرة في الساعة.
فإن أنت دنوت من هذه الحيوانات في نومها ولمست أجسامها، لوجدتها باردة كالثلج، في حين أن الحياة سارية فيها، وأنها لن تلبث أن تستيقظ من بياتها عند مجيء الربيع.
أما الإنسان، فلو هبطت درجة حرارته إلى نصف درجة الجرارة الطبيعية لأدركه الموت، ولكن من حكم الله في خلقه أنه يبقي الحيوانات على قيد الحياة ستة أشهر أو سبع وأجسامها باردة في فترة البيات(2) .
ولكن الجاهل الذي عميت بصيرته وبصره لا يرى هذه الآيات الماثلة أمامه من صنع ربه.
وكما خلق الله حيوانات تعيش في الأجواء الباردة، خلق حيوانات أخرى تعيش في الأجواء الحارة كالجمل مثلا الذي يقطع الصحراء والفيافي آكلا العشب اليابس والشوك، متحملا العطش وقلة الماء، ويحمل راكبه ليلا ونهارا إلى أن يقع على مورد ماء، وهناك من الأنعام ما لو أكل العشب الجاف لاحتاج إلى شرب كميات كبيرة من الماء، وإن لم تجد الماء لهلكت.
هذه هي قدرة الله الذي منح الجمل طبيعة تجعله يتحمل الحر والعطش في جو لا يطيقه لا إنسان ولا غيره من الحيوانات.
ولو ضل الإنسان في طريقه في الصحراء وترك لناقته اللجام، لقادته إلى نقطة الماء، لأن الناقة تحس برطوبة الماء من مسافات بعيدة، وتهتدي إليه بهذه الحاسة الرهيفة التي هي من تدبير الله لكي يكفل ل (سفينة الصحراء) العيش في القفار. وفي استطاعة الجمل ادخار الماء ثلاثة أيام وأكثر، وخاصة إذا أدرك أنه سيجتاز الصحراء المقفرة.
فالإمام الصادق (عليه السلام) كان على حق عندما قال إن وجود الله لا ينكره إلا من كان ذا جهل مركب. أما من تسلح بسلاح العقل والفهم، ولو في حدود معينة، فلا يشك في وجود الله.
وللإمام (عليه السلام) نظرية حول العالم ونظامه لا تختلف عن نظريات علماء الفيزياء في هذا العصر، مع أنه قال بها قبل اثني عشر قرنا ونصف قرن.
يقول الصادق (عليه السلام) في عرض نظريته إنك إذا شاهدت حوادث طارئة كالطوفان والسيل والزلازل وما إلى ذلك من الظواهر الطبيعية في العالم، فاعرف أنها ليست دليلا على أن العالم فقد نظامه، لأن هذه الحوادث تتبع قواعد ثابتة، ولا تقع حادثة صغيرة أو كبيرة إلا وهي في حساب عند الله.
وعلماء اليوم الذين يخضعون للقواعد الرياضية والفيزيائية دون سواها من الغيبيات، يقولون بهذه النظرية عينها. أفلا يستحق الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) إكبارا لعلمه وفضله، وهو قد نادى بهذه النظرية قبل اثني عشر قرنا ونصف قرن؟
فالزلازل والطوفانات وهياج البراكين وما إليها هي في رأي علماء الفيزياء والجيولوجيا ظواهر تخضع لوانين الكون، ومن يعتبر الزلازل حادثا غير عادي يجهل قوانين الجيولوجيا التي تحدد أسباب حدوث الزلازل.
وقبل وقوف العلماء على القوانين الفيزيائية والجيولوجية التي تتحكم في الظواهر الطبيعية، كان الاعتقاد السائد طوال آلاف من السنين أن التغيير المفاجئ في الجو أو وقوع هذه الظواهر دليل على أن خللا قد أصاب نظام الكون، إذ ليس من المعقول مثلا أن تهبط درجة الحرارة في الصيف بصورة مفاجئة أم أن ترتفع في الشتاء بغتة.
أما اليوم، فقد أصبح في وسع العلماء أن يتغلبوا على عامل المفاجأة في الظواهر الطبيعية، لقدرتهم على التكهن بالأحوال الجوية قبل أسابيع وشهور.
ولا تختلف الزلازل في طبيعتها عن سائر التغييرات الجوية المفاجئة، ولو عرف الإنسان القانون الذي يحكم حدوث الزلازل، عليه التكهن بوقوعها زمانا ومكانا.
وكان الصادق (عليه السلام) يقول لتلاميذه إن الذي يراه الناس ويحسبون أنه دليل على خلل في نظام الكون، إنما يخضع لقوانين ثابتة لا تقبل التغيير.
ويؤكد جميع الفلاسفة أن للكون قواعد وأوضاعا لا تقبل التغيير، وأن ما يحسبه الإنسان تغييرا أدى إلى زلزال أو طوفان هو ناموس طبيعي من وضع الله، فالله قد خلق الكون بجميع أوضاعه ونظمه وحركاته وحوادثه، ووضع نواميس ضابطة لذلك، فكل حركات الكون خاضعة لهذه النواميس التي هي في سابق علم الله.
ويقول هؤلاء الفلاسفة إن التغييرات التي تطرأ على القوانين البشرية ناتجة عن جهل الإنسان وضعفه، وما دام الإنسان عاجزا عن التكهن بما ستكون عليه أوضاعه الاجتماعية أو الفردية، فهو يضع القانون ليومه، ويغيره متى قضت مصلحته بذلك.
ولئن كان الله قد وضع للكون في لحظة واحدة، فهي بفضل علم الله وقدرته قوانين أبدية سرمدية، وهذا ينطبق أيضا على القوانين التي أتى بها الأنبياء والمرسلون من عند الله بوحي من الله من عنده تعالى.
وجميع الفلاسفة، من كانوا يؤمنون بالله منهم ومن كانوا ماديين، يقولون بثبات القوانين التي تتحكم في الكون وعدم قابليتها للتغيير.
فهناك الفيلسوف الملحد (مترلينك) الذي يؤكد بدوره ثبات هذه القوانين، فيقول: لو انهدم العالم فجأة، وسقطت الشمس والنجوم وآلاف المجرات والنيازك والمجموعات الضوئية وغيرها، فهذا الخراب ليس حادثا مفاجئا أو غير متوقع، وإنما قد حدث طبقا لنظام كوني معين، ومن وقف على هذا القانون استطاع أن يحدد زمان وقوع هذا الخراب.
والوحيد بين المفكرين في القديم الذي تنبه إلى ثبات قواعد الكون ونظمه هو الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، بل إن الاعتقاد السائد عند القدامى هو أنكل قاعدة في الكون قابلة للتغيير، وأرسطو نفسه اعتبر الاعتقاد بتغيير الكون ونظمه وقواعده جزءا من أساس تفكيره الفلسفي، مما أكسب هذا الاعتقاد تقبلا وشيوعا باعتباره أمرا لا يقبل المناقشة أو الجدل.
يقول أرسطو إن العالم مركب من جزأين، هما المادة والصورة، وهما غير قابلتين للتجزئة أو الحل، ولا بد لكي تنطبق الصورة مع المادة من وجود حركة وتغيير، ولولا الحركة لما اتخذت المادة شكلها الحقيقي، فالحركة تلازم التغيير وتستلزمه، والتغيير يلازم قوانين الكون.
وظلت هذه النظرية إلى النصف الأول من القرن السابع عشر الميلادي أساسا من أسس التفكير الفلسفي الأرسطي، ولم يحاول أحد من الفلاسفة التشكيك فيها، إلى أن جاء الفيلسوف ديكارت (1650م) فأقام الدلائل على بطلان جوانب منها.
كان أرسطو تلميذا لأفلاطون، ولكننا لا نعرف على وجه اليقين آراء أستاذه أفلاطون في إمكان تغيير قوانين الكون، والمعروف أن أفلاطون بث آراءه على هيئة محاورات بقيت للأجيال المتعاقبة، ولكننا لم نعثر فيها على شئ عن إمكان تغير قوانين الكون، وهذا طبعا لا يقلل من أهمية آرائه وسيظل هو على الدوام من أعظم مفكري العالم القديم، وسيظل أسلبه الخطابي الفني الرائع مستأثرا بإعجاب الدارسين جيلاً بعد جيل.
وإلى عصر ديكارت، كان الفلاسفة يعتقدون أن قوانين الكون غير ثابتة وأنها عرضة للتغيير.
ومنذ مطلع القرن الثامن عشر الميلادي، وعلماء الفيزياء والفلك عاكفون على اكتشاف كل مجهول من أمر هذا الكون، وقد برز في طليعة العلماء والباحثين في هذه الفترة (كوبرنيكوس) و(كبلر) و(غاليلو) و(نيوتن). وباتساع نطاق الحركة العلمية وأبحاث هؤلاء العلماء، أدرك الجميع أن الكون أكبر بكثير مما يتوهمه القدماء في القرون السابقة.
وفي القرن التاسع عشر، اكتشفت مجرات أخرى خارجة عن نطاق المنظومات والكتل الضوئية في عالمنا هذا، وتبين أن كلا من هذه المجرات يحتوي على منظومات شمسية أخرى. ورصد العلماء حركات الشهب والنجوم، واعترفوا بأن العالم يخضع لنظام علمي دقيق لا تتأثر حركته بانفجار يقع في شمس، أو شهاب يسقط من أطراف هذا الكون العظيم، أي أن حدوث انفجار أو تلاش في بعض الشموس إنما يخضع بدوره لقوانين الكون الثابتة، ولا يؤدي بالتالي إلى إحداث اضطراب أو خلل في حركة المنظومات الكونية الأخرى.
واعتباراً من النصف الثاني من القرن التاسع عشر وإلى النصف الأول من القرن العشرين، أفضت البحوث العلمية المتصلة إلى اهتداء الإنسان إلى العالم الأصغر وهو عالم الذرة فعرف إن هناك قوانين أخرى ثابتة تخضع لها الذرة، وهي قوانين لا تتعطل ولا تتوقف ولو للحظة واحدة، ففي الذرة نواة، ولها إلكترون يدور حول فلكها ثلاثة كاتربليون مرة كل ثانية(3) (، ولا يحول حادث أو طارئ دون استمرار هذه الحركة.
ففي ذرة الحديد مثلا، يدور الإلكترون ثلاثة كاتربليون مرة في كل ثانية حول نواتها المركزية، وإذا وضع الحديد في بوتقة حامية لصهره، لم تتوقف حركة الإلكترون في الدوران حول نواة الذرة حتى ولو ارتفعت درجة الحرارة إلى درجة يتحول معها الحديد إلى غاز سائل. والسبيل الوحيد للحيلولة دون دوران الإلكترون حول نواة الذرة هو السعي لتفجير نواة الذرة وطرد الإلكترون منها، فيبحث عن نواة مركزية أخرى يدور في فلكها.
والقانون الذي ينظم دوران الإلكترون حول الذرة هو نفس القانون الذي يجعل الأرض تدور حول الشمس، حول المجموعة التي تعرف علميا باسم (الجاثي على ركبتيه)(4) ، والتي تدور بدورها حول المجرة، وتدور المجرة حول مركز آخر غبر معروف لنا، ولكن حركتها مؤكدة، وإن كان عمر الشمس كله لا يكفي لحساب حركة هذه الأجرام والمدة التي تستغرقها مجموعة (الجاثي على ركبتيه) في الدوران حول المجرة.
وفي هذا يقال إنه ليست هناك أدلة على وجود الله أقوى من الأدلة المستمدة من علم الفلك بكل أرقامه اللانهائية وقواه اللامحدودة، ومن شأن إدراك القوانين الحقيقية الثابتة أن يتحدث العلماء بقدرة الخالق وعظمة وجوده وصنيعه.
ولا يسع المرء إلا أن يدهش لما يقوله العلماء تخمينا من أن عمر الأرض هو خمسة مليارات من السنين، ومع ذلك فالمدة التي يقدرها العلماء لدوران المجرة حول مركزها مرة واحدة هي25 ألف مليار سنة.
بل أين هذه الأرقام من الذين يقولون إن عمر العالم عشرة آلاف سنة، وإن عمر الإنسان على الأرض ستة آلاف سنة؟ لا ريب في أن الحقيقة التي تتضح من طول المدة التي تستغرقها المجرة في الدوران حول مركزها هي أن عمر المنظومة الشمسية والكرة الأرضية أكبر بكثير مما كان العلماء يتصورونه حتى مطلع هذا القرن ذلك لأن التفكير الذي كان سائدا إلى مطلع القرن العشرين هو أن المجرات المتناثرة في الفضاء هي أجرام ثابتة لا تتحرك، في حين أنه قد ثبت من الناحية العلمية أنها تتحرك وتدور، وأن لها حركة وضعية كذلك (الحركة الانتقالية مع الحركة الوضعية).
والرقم الذي ذكر لدوران المجرة حول مركزها هو رقم افتراضي لا علمي، ولا بد لاحتساب مدة دوران المجرة حول مركزها من معرفة مسيرة المجرة وحدود الدائرة التي تدور حولها.
ولقياس مدى هذه الدائرة، لا بد من معرفة طول قوس الدائرة لإمكان الاستعانة بالقواعد الهندسية في استخراج محيط الدائرة، ولو عاش المرء خمسمائة مليون سنة أخرى لعجز عن أن يحدد مدى امتداد القوس الواحد من أقواس محيط الدائرة التي تدور حولها المجرة، ليستطيع بعد ذلك احتساب الدائرة كلها.
وحتى الآن لم تستطع الأجهزة الحديثة للرصد تعيين عدد المجموعات الضوئية ومجرات الكون، ولكن يقال بالتخمين إن عددها مائة مجرة، وهو رقم لا يثق فيه أحد من علماء الفلك.
والسبب الرئيسي في إيراد أرقام غير مؤكدة هو ضعف أجهزة الرصد الكهرضوئية المستخدمة في رصد جميع السيارات والمجرات في الكون، فإن أعظم أجهزة التلسكوب الموجودة في العالم لا تستطيع رصد الأجرام السماوية إلى مسافة 9 ملايين سنة ضوئية، ولكن أغلب الظن أن يتمكن الإنسان من رصدها هي وأجرام ومجرات مجهولة أخرى إذا ما وفق لصنع جهاز للرصد أقوى منه وأدق مئات المرات.
والسبب الآخر هو أن المجرات التي اكتشفها الإنسان حتى الآن إنما تقف في طريق المجرات الواقعة وراءها، فتحول دون رؤيتها ورصدها.
ومنذ أن اكتشف الإنسان مضاد المادة ظهرت نظرية تقول بوجود كون آخر له من السعة مثل كوننا هذا، أو لعله أوسع منه، وهو كون لا يحس الإنسان بوجوده وقد ذهب القدماء كذلك إلى أن لكل إنسان توأما ولكنه لا يراه.
وعالم مضاد المادة عالم لاشك في وجوده، ولكن الإنسان عاجز حتى الآن عن رصده ومشاهدته بالاستعانة بالأجهزة المتاحة، وما دام الإنسان عاجزا عن رؤية هذا العالم، فهو بالتالي عاجز عن توضيح صورته واستخلاص القوانين الفيزيائية أو الكيميائية المتعلقة به (أي بهذا العالم المضاد للمادة)، وما إذا كان يشبه كوننا أو يختلف عنه. إلا أن هناك فروضا لا تعدو أن تكون نظريات وتكهنات تخمينية، وهي في حقيقتها ضرب من الأساطير التي لا تعززها البراهين، كأسطورة حروب السفن الفضائية والحروب التي تشنها الكائنات التي تعيش في الأجرام السماوية على سكان كوكبنا هذا من بني آدم، وأن كنا لا ننكر أن بعضا من هذه الأساطير قد تحقق نظيرها في ما بعد.
وعلى سبيل المثال نذكر أن الكاتب الإنكليزي (روبرت كلارك) (المتخصص في كتابه القصص العلمية) نشر عام 1948م كتابا تحدث فيه عن قمر صناعي استقر في سماء لندن بارتفاع ستة وثلاثين ألف كيلو متر، ولأن دورته حول الأرض كانت تستغرق أربعا وعشرين ساعة، أي نفس المدة التي تستغرقها الأرض في الدوران حول نفسها، فقد استقر في سماء لندن بصورة دائمة.
فإذا عرفنا أن الأقمار الصناعية لم تطلق في الجو إلا في عام 1957م، فمعنى ذلك أن الخيال الروائي لروبرت كلارك قد سبق الواقع العلمي، أي أن أساطير كلارك وخيالاته الرومانتيكية قد تحولت إلى حقيقة علمية بعد ذلك بقليل.
ففي مناسبة احتفال العالم بالسنة الجيوفيزيائية الدولية، قام الاتحاد السوفييتي في الرابع من أكتوبر عام 1957م بإطلاق أول قمر صناعي إلى الفضاء، واسمه (سبوتنيك)، وكان يزن 83.600 كيلو غرام.
ولكن لم يفكر لا الروس ولا سواهم في صنع أقمار وسفن فضائية عملاقة، ولا فكروا في إطلاق قمر صناعي يصل إلى ارتفاع 36 ألف كيلو متر ثم يدور حول الأرض ويستقر في نقطة معينة في الفضاء إلا في عام 1969 عندما أطلق الروس هذا القمر إلى تلك المسافة بعينها واستقر فعلا في نقطةٍ معينة.
واليوم (أي في عام 1972 الذي أعد فيه هذا الكتاب في أصله الفرنسي) توجد ثلاثة من الأقمار الصناعية المستقرة (Sattlite) في مراكز ثابتة في الجو وهي تستقبل البرامج التليفزيونية والمكالمات الهاتفية من جميع أنحاء العالم وتنقلها إلى جميع أنحاء العالم.
ومما يذكر أن الكاتب الإنجليزي روبرت كلارك، الذي هداه تفكيره الروائي إلى حقيقة الأقمار الصناعية، وهي الحقيقة التي تأكدت علميا بعد ذلك بواحد وعشرين عاما، لم يدرس علوم الفضاء في أي جامعة، ولا كانت له دراسات جامعية، لأنه توقف عند المرحلة الثانوية، كما أن من غير المتصور أنه كتب روايته الموسومة (36 ألف كيلو متر) من قبيل التخيل المجرد، وأن هذا الخيال قد تحول بمحض المصادفة إلى حقيقة علمية تتمثل في (تلستار)(5) وهو القمر الصناعي الذي يدور مع دورة الأرض ويستقر في الجو على بعد 36 ألف كيلو متر من الأرض.
ومن هنا اهتم العلماء الروس بما كتبه روبرت كلارك، وأبدوا اهتماما مماثلا بكتابات العلماء في الغرب، وكذلك بالروايات والقصص التي تصدر في العالم الغربي، إذ ثبت من التجربة أن كثيرا من النظريات التي سيقت في قالب روائي خيالي قد تحولت في ما بعد إلى اكتشاف علمي أو اختراع علمي.
وهذا يدعونا إلى شئ من الاطمئنان في كتابات الروائيين التي تدور حول مضاد المادة، فليس من المستبعد أيضا أن تتحول تلك النظريات إلى حقائق علمية إما باكتشاف العالم المسمى بمضاد المادة، وإما باكتشاف عالم مشابه له.
ومن مقتضى العقل والمنطق، والعقل نعم الحاكم، أن هذا الكون بكل أبعاده وآماده إنما يخضع لقوانين ثابتة لا تتغير، ولولا ذلك لتغير العالم أو تبدد، ولأنقرض كل ما عليه، فلا بد من التسليم بصحة ما ذهب إليه الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) من أن هذا العالم خاضع لنظام ثابت من لدن عليم حكيم، ونرى أن علمي الفلك والفيزياء يؤكدان هذه النظرية أكثر من أي علم آخر.
ومن أبرز علماء الفيزياء في النصف الأول من القرن العشرين (الأمير دوبروي)(6) الفرنسي الذي ظفر بجائزة نوبل في الفيزياء عام 1929، والذي أخرج طائفة من الأعمال العلمية الرصينة، وهو أول من أثبت أن الإلكترون هو من الأمواج.
إن عالم الفيزياء يختلف عن الفيلسوف، فالأول يدقق في نظرياته ويقيم عليها البراهين بتجاربه العملية، أما الثاني فيسوق ما يتراءى له من آراء وأفكار مجردة.
والطبيعة عند عالم الفيزياء هي الموجودات والكائنات، وفي مذهب (دوبروي) أن في الطبيعة أمرا واحدا لا يتغير ولا يتبدل، هو القانون (الناموس) ولو أتيح للبشر ذات يوم أن يصنعوا أجهزة تلسكوبية أدق من الأجهزة الحالية، لاستطاعوا رصد الأجرام السماوية التي تبعد عنا مسافة مائة مليار سنة ضوئية والتي تعتبر جزءا من هذه الطبيعة.
يقول علماء الطبيعة إن الشيء الذي لا يوجد في الطبيعة لا يوجد أصلا، ولا يقول العقلاء بوجوده، لأن العقل لا يقول بوجود ما لاوجود له، فإن قبل العقل وجود شئ ما، كان دليلا على وجوده وبقائه.
والأمير دوبروي يقول بأن كل من في الطبيعة يتغير إلا القانون، فهو وحده الثابت.
وثمة يعرض للذهن سؤال هو: ماذا لو فني العالم، هل تبقى القوانين والنظم المتحكمة فيه آخذة مجراها؟
وفي الرد على هذا نقول إن من الأصول المقطوع بها في الفيزياء أن المادة لا تزول ولا تفنى، ولكنها تتغير وتتخذ أشكال متباينة وتصير من هيئة إلى أخرى.
فالتساؤل حول إمكان فناء العالم لا يستقيم من ناحية الفيزياء، لاستحالة انعدام المادة وفنائها، فالصحيح أن يقال أن العالم يتغير من صورة إلى أخرى، وهو حتى في هذا التغير يخضع لقوانين ثابتة لا تقبل التغيير.
ومن هنا يمكن القول بأن هذا العالم الفيزيائي الكبير والحاصل على جائزة نوبل الفيزياء قد أكد نظرية الإمام الصادق (عليه السلام) التي ساقها قبل ألف ومائتين وخمسين سنة والتي يقول فيها إن قوانين الكون ونظمه ثابتة لا تتغير.




1 ـ سورة الفرقان الآية44.
2 ـ درجة حرارة الإنسان الطبيعية هي 37 درجة بمقياس سنتيغراد، فإن هبطت إلى 24 أو دون ذلك مات. أما حيوانات المنطقة المتجمدة التي تنام طوال الصيف فتصل درجة حرارتها إلى ثلاث درجات فوق الصفر بمقياس سنتيغراد، وهذا لا يختلف عما قاله الإمام الصادق عليه السلام. (المترجم).
3 - يكتب هذا الرقم الفلكي بوضع خمسة عشر صفرا إلى يمين الرقم3. (المترجم).
4 - تسمى هذه المجموعة الكوكبية في اللغات الأوروبية بكم هيركولبس Hercules (المترجم).
5 - تلستار لفظة ذات مقطعين، يعني مقطعها الأول الاتصال عن بعد Tele ويقصد به الاتصالات التليفونية والتليفزيونية واللاسلكية، ويعني المقطع الثاني القمر. والمقصود بها أنها تمثل قمرا يتوسل به في تحقيق هذه الاتصالات من على مسافات بعيدة.
6 - يكتب اسم هذا العالم باللغة الفرنسية (دوبروكلي) ويحذف حرفا الكاف واللام عند النطق. (المترجم).

علي العذاري
07-26-2012, 01:40 PM
في رأي الصادق (عليه السلام) أن الإنسان يعمل على تقصير عمره

من النظريات البارعة الكبيرة الأهمية التي ساقها الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) نظرية تدور حول عمر الإنسان. فمن رأيه أن الإنسان خلق لكي يعمر طويلاً، ولكنه يتسبب بتقصير عمره بنفسه، ولو أن كل إنسان أتقى ربه وأدى الفرائض وعف عن المحرمات ولم يسرف في المآكل والمشرب وذلك كما أمر به القرآن الكريم، لاستمتع بحياة أطول.
ولا ريب في أن عمر الإنسان يتوقف، بعد مشيئة الله، على أمرين، هما: العناية بالصحة والاعتدال في الطعام.
وفي القرن الأول الميلادي، كان معـــدل عمر الإنـــسان في روما 22 سنة لا غير، وذلك بسبب نقص أســباب الرعاية الـــصحية(1) ، ولأن طبقة الأشراف وسراة القوم كانوا يفرطون في المآكل إلى درجة التقيؤ، وكان عامة الناس يقلدون الأشراف في ذلك.
وكانت تلحق بقاعات الطعام قاعة خاصة بالتقيؤ يطلق عليها اسم (ووميتوريو) ليستطيع الآكلون في قصور الأشراف إفراغ ما أكلوه فيها، سواء بوضع الأصابع في الفم أو بتناول دواء مسهل، وذلك لإفراطهم في تناول الطعام إلى حد قاتل.
وفي أوائل القرن العشرين الميلادي، كان معدل العمر في بريطانيا وفرنسا خمسين سنة، لأن الأوضاع الصحية وأساليب التغذية تحسنت تحسناً كبيراً عما كانت عليه. أما اليوم، فقد أصبح معدل العمر في أوربا ثمانيا وستين سنة للذكور وثمانية وسبعين سنة للإناث.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لو استطاع الإنسان التغلب على مرض السرطان والسكتة القلبية والجلطة والأمراض الأخرى التي تنتاب القلب، فهل يرتفع معدل عمره فوق المعدل الحالي؟
مما يؤسف له أن الرد على هذا السؤال ليس بالإيجاب، لأن من أهم أسباب إطالة العمر مراعاة القواعد الصحية في كل شيء، ولا سيما في المأكل والمشرب، في حين أن التغلب على هذه الأمراض المستعصية لن يزيد المعدل الحالي لعمر الإنسان بأكثر من سنتين. ولو استطاع الإنسان أن يتغلب على هذه الأمراض جميعاً، لبقيت له أمراض الشيخوخة والهرم التي عز على الإنسان حتى اليوم أن يعالجها على بساطتها. فإن أصيب الشيخ بمرض بسيط كالبرد والإلتهاب الداخلي والحصبة وأمراض الرئة، لكانت كفيلة بالقضاء عليه.
وتلوث البيئة هو من العوامل التي تؤيد نظرية الإمام (عليه السلام)، وهو ظاهرة خطيرة في بعض المناطق، قليلة الشأن في مناطق أخرى. وقد قامت منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة بدراسة أوضاع بعض المدن الأمريكية والمكسيكية من حيث التلوث، وانتهت في تقريرها إلى أن التلوث في بعض هذه المدن يفسد الهواء بحيث أن سكان هذه المدن إذ يتنفسون هواءها، فكأن الواحد منهم قد دخن كمية من السجاير تملأ علبتين في كل منها عشرين سسيجارة في اليوم أثراً غير صحي في جسم الإنسان، فكذلك استنشاقه للهواء الملوث يفسد صحته بنفس القدر.
ومن العوامل التي تضر بالصحة الضوضاء والأصوات المزعجة، وقد ثبت من الناحية العلمية بأن للصوت المزعج أو الضوضاء أثراً سيئاً في سلامة الإنسان وهدوء أعصابه.
ومنذ فترة والمهندس الفرنسي (كامي روجرون) الذي صمم بناء السفينتين الفرنسيتين البحريتين (ريشيليو) و (جان بار) قبل الحرب العالمية الثانية، عاكف على دراسة آثار الأصوات المزعجة والضوضاء في صحة الإنسان، وفي رأيه إن لهذه الأصوات تأثيراً في جسم الإنسان يساوي تأثير الأوكسجين في الحديد، فكما أن الأوكسجين يصيب الحديد بالصدأ والتآكل، فكذلك الضوضاء تصيب الجسم بالعلة والمرض مما يختزل من عمر الإنسان، وهو يرى أن أفضل البيوت التي تقام في المدن هي البيوت التي تركب فيها عوازل تحول دون وصول الضوضاء إلى داخلها مع مراعاة خفض أصوات الراديو والتلفزيون داخل البيوت منعاً لإزعاج السكان.
ويضيف (كامي روجرون) إلى ذلك أنه بالنظر إلى أن الضوضاء في المدن آخذة في التزايد، ولا سبيل يحول دون تزايدها، فلا بد من إنشاء منازل من الأبرق (الخرسانة المسلحة) تحتوي على عوازل تمنع نفاذ الصوت إلى داخلها، وفي رأي هذا الخبير أننا إذا ما استطعنا بناء هذه البيوت بكاملها من هذه المواد، فلا بد من إنشاء غرفة واحدة أو أثنتين بعد تجهيزهما بالعوازل ليستطيع المرء الإخلاد إلى الراحة فيهما والبعد بأعصابه عن كل ضجيج وعجيج.
ومرض العصاب ـ وهو صرب من الجنون ـ يعزى في بعض أسبابه إلى الآثار السيئة للضوضاء، فمن خصائص الضوضاء أن تتلف الأعصاب وتتسبب في انهيار عصبي أو جنون مفاجئ حتى لمن رأينا فيه بشاشة وجه وهدوء أعصاب.
ومن الآثار السيئة للضوضاء إحساس المرء بالتعب والإرهاق، ثم جنوحه إلى الكسل، والعزوف عن العمل دزن أن تكون هناك أسباب عضوية أخرى أدت إلى هذه الظواهر، والمصاب بالملل والإرهاف لا يدري لهما سبباً، ويعجز الطبيب عن تشخيص أي علة عضوية أدت إليهما.
وفي رأي روجرون أن الضوضاء تؤدي، فضلاً عن الإجهاد والإرهاق العصبي، إلى تقصير العمر ما بين خمس سنين وعشر.
كما ومن المؤكد أيضاً ـ أن للتغذية السليمة دوراً فعالاً في إطالة العمر، في حين أن سوء التغذية ـ أو الأنيمياـ يتسبب في تقصير عمر الإنسان، والأنيميا هي عارض من عوارض الحياة الميكانيكية العصرية.
ننتهي من كل ما تقدم إلى أن العلماء المعاصرين قد أثبتوا بصورة علمية صدق نظرية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) القائلة بأن في وسع الإنسان أن يعمر طويلاً لولا أنه يعمل بنفسه على تقصير عمره، ففي ظل الحياة الميكانيكية العصرية التي فشت في أوربا وأمريكا، حلت المواد الصناعية محل المواد الغذائية الطبيعية، وأصبح الإنسان يتناول أطعمة مجهزة من مواد كيميائية ومركبة، مما أضر بالصحة، وأدى إلى تقصير العمر.
فرعاة البقر والفلاحون في أمريكا كانوا يعيشون في الماضي على تناول الطعام الطازج كاللبن ومنتجاته واللحوم، آخذين هذه المواد الغذائية مباشرة من الماشية التي يرعونها، فاشتهروا بأعلى معدل للعمر، حتى لقد كانوا يعيشون في المعدل إلى ثمانين أو خمسة وثمانين، ولكن المعلبات والمياه الغازية والمشروبات المصنوعة التي تتألف من الحلوى والمواد الكيميائية، أصبح رعاة البقر والفلاحون ومربو المواشي يتناولون هذه الأطعمة والمشروبات كغيرهم في الولايات المتحدة.
وبعد ما كان رعاة البقر يصارعون الثيران ويقومون على رعي الماشية وهم على ظهور الخيل ساعات طويلة مهما طعنوا في السن، أصبحوا اليوم بل اعتباراً من الخمسينات من العمر، يشكون من سوء التغذية وأمراض المعدة والقلب وترسب حامض اليوريا وآلام المفاضل والعضلات وما إلى ذلك من الأمراض المقعدة عن العمل والمبددة للحياة السعيدة، في حين أن راعي البقر البالغ من العمر خمسين عاماً كان يعتبر في مطلع هذا القرن من الشباب ويزاول حياة كلها نشاط وحيوية وحركة، وإلى أوائل هذا القرن لم يكن يعرف سكان ولاية آلاسكا في شمال أمريكا الأمراض والأوبئة التي كانت فاشية في مناطق أخرى وكان أهل آلاسكا يحتفظون باسنانهم كاملة إلى أن يبلغوا السبعين أو الثمانين من العمر، لأنهم كانوا يتناولون الغذاء الطبيعي ويؤدون عملهم اليومي بكل نشاط دون اعتماد على الآلة.
وكان الطعام المألوف في الآسكا اللبن والحليب ولحم الوعل(2) وكميات كبيرة من السمك الذي يصيده السكان في الأنهر وعند السواحل، وكان منهم من يقوم برعي حيوان الوعل مع غيره من الحويانات.
وهناك كتاب عن تربية الوعل القطبي وضعه المؤلف الأمريكي ألن رويس أوتس (الذي تخصص في حياة شعوب الآسكا وتاريخها وتوفي في عام 1960) وقد قال في كتابه هذا إنه رأى بنفسه في خريف العام 1935م قطعاناً من الوعل تهاجر من المناطق الشمالية، واستمرت هذه الهجرة خمسة أيام، وكان اصطكاك قرون القطيع بعضها بالبعض الآخر يحدث صوتاً كهزيم الرعد، ومع ذلك فإن الإنسان القطبي كان قادراً على استئناس هذا الحيوان القوي البنية وتربيته والاستفادة بلبنه ولحمه.
ويقول هذا الكاتب إنه ليس في منطقة الآسكا طبيب، ولو أم الأطباء هذه الولاية لما وجدوا فيها عملاً مريحاً لأن الناس عموماً أقوياء قليلو المرض وعمر الرجل والمرأة يصل في المعدل إلى تسعين سنة للرجل ومائة للمرأة.
وقد نشر هذا الكتاب في العام 1935.




1 - صور المؤرخ الفرنسي المعاصر (جيروم دو كاركوبي تو) المتخصص بتاريخ روما القديمة عاصمة الروم وشوارعها الممتدة وعماراتها الفخمة واقواس النصر فيها (وعددها 37) وحماماتها العامة، وما فيها من دور للعرض والمسرح والخمارات والفنادق، وقال أن المراحيض والمباول لم تكن تقام في هذه المدينة العظيمة. ولم تكن المدن الأوربية الأخرى بأحسن حالاً من روما، ولا أنظف منها، فإلى ما قبل الحرب العالمية الثانية، لم تكن تجد في بيوت باريس مراحيض، وكانت النفايات تنقل في أوعية إلى خارج الدار، وقصر فرساي العظيم، الذي كان يعيش فيه إلى جانب الأسرة المالكة الفرنسية عشرة آلاف من الموظفين والخدم، لا يحتوي على مراحيض أو دورات مياه. ولكن بلدية باريس أرغمت السكان بعد الحرب العالمية الثانية على بناء مراحيض ودورات مياه في المنازل، ومدت شبكة المجاري المعروفة باسم (باجو) راجع مجلة (مرآة التاريخ) الفرنسية:.25 Miriore de L,Histoire,, Tom 101,Anne.
2 - الوعل: تيس الجبال، وله قرنان مُحدَّبان كالسيف.

علي العذاري
07-26-2012, 01:42 PM
الرضاعة السليمة في رأي الإمام الصادق (عليه السلام)



من مظاهر عبقرية الإمام الصادق (عليه السلام) رأيه في الرضاعة السليمة، وتوجيهه الأمهات إلى إرضاع الطفل وهو راقد إلى الناحية اليسرى من أمه. وطوال قرون ممتدة ظلت الحكمة من هذه النصيحة خافيه على الكثيرين، الذين كانو يعتبرونها تدخلاً فيما لا يعنيه، وتزيداً لا لزوم له.
وعندما سئل الإمام محمد بن إدريس الشافعي، الذي ولد بعد وفاة الصادق (عليه السلام) بعامين (أي في سنة 150 للهجرة في مدينة غزة وتوفي في القاهرة في عام 199 هـ) عن رضاعة الطفل وهو راقد إلى الجانب الأيمن من أمه أو إلى الجانب الأيسر، رد قائلاً: لا فرق بين الأيمن و الأيسر، وللأم أن ترضع طفلها كما تشاء وبالأسلوب الذي يشعره بالراحة.
ورأي البعض أن الإمام جعفراً (عليه السلام) قد خالف ما جرت عليه الأمهات من وضع الطفل في الناحية اليمنى عند إرضاعه، وأن الأكرم للأم وللطفل أن يكون في ناحية الميمنة عند الرضاع.
وهكذا خفيت الحكمة من هذه النظرية في الشرق وفي الغرب، حتى عصر النهضة والتجديد، ولم يقع أحد على الفوائد المرتجاة من تطبيقها عملياً عند الرضاعة.
وفي القرن الثامن عشر الميلادي وهو عصر النهضة والتجديد، أنشئت جامعة كورنيل(1) في ولاية نيويورك (والتي يعزى الفضل في تأسيسها إلى عزرا كورنيل الذي عانى في صغره عناءً شديداً من مشكلات الرضاعة ومتاعبها) ومن هنا اعتزم أن يلحق بالجامعة مستشفى، وأن يلحق بالمستشفى معهداً لدراسة مشكلات الرضاعة والطفولة.
ولما استكملت الجامعة مرافقها، بدأ هذا المعهد في دراسة كل ما يتعلق بالطفولة والرضاعة، حتى أصبح من أهم المؤسسات العلمية المتخصصة في شؤون الطفل في العالم.
وقل أن تجد موضوعاً يتعلق بالطفل أو بالرضاعة إلا وقد وفاه هذا المعهد دراسة وبحثاً وخرج فيه بأسلم النتائج العلمية. وقد يندهش المرء إذا عرف إن هذا المعهد عني كذلك بدراسة اللوحات الزيتيه التي رسمها كبار الفنانين للأطفال والتي تقتنيها المتاحف الرئيسية، ولوحظ أن معظم هذه الصور كانت تمثل الأم حاملة طفلها من الناحية اليسرى. ذلك أن عدد الصور التي درست كان 466 صورة، تبين أن 373 صورة منها تمثل أمهات يحضن أطفالهن إلى الناحية اليسرى، في حين أن 93 صورة كان الطفل فيها محمولاً من الناحية اليمنى، أي أن 80%من الصور الموجودة في المتاحف، والتي تمثل، الأمومة، قد أظهرت الطفل محمولاً من الناحية اليسرى.
وفي ولاية نيويورك عدداً من مراكز الولادة ورعاية الطفل التابعة لمؤسسة كورنيل الجامعية للأطفال، وكلها توافي المعهد العلمي للجامعة بالتقارير والملفات الطبية الخاصة بالأطفال والأمهات لدراستها.
ويؤخذ من التقارير التي أرسلت إلى هذا المعهد العلمي في فترة غير قصيرة أن الطفل في أيامه الأولى يكون أهدأ وأقل بكاءً لو نام إلى الجانب الأيسر لأمه، أما إن نام إلى الناحية اليمنى، فهو يستيقظ في فترات قصيرة متقطعة وينخرط في البكاء.
ويلاحظ أن هذه الدراسة تتناول الأطفال البيض والسود دون تفرقة، وقد برهنت في جميع الحالات على أن الطفل، سواء أكان أبيض أو أسود أو هندياً أحمر، يجد مزيداً من الراحة والهدوء إذا رقد إلى الجانب الأيسر لأمه.
وقد أنفقت جامعة كورنيل وقتاً طويلاً في بحث هذا الموضوع إلى أن تم اكتشاف الأشعة التي يسرت على الأطباء رؤية الجنين في رحم أمه وتصويره، وتعرف باسم (هولو جرافي) وقد تبين من استخدام جهاز (هولو جرافي) أن ضربات قلب الأم تحدث أمواجاً تنتشر في جسمها وتصل إلى سمع الطفل. وبعد أن عرف الأطباء هذه الحقيقة، رغبوا في معرفة الآثار التي تظهر في الطفل عند توقف ضربات قلب الأم، ولا سيما لأن توقف نبض قلب الأم كان معناه الموت للأم وللطفل معاً، ومن ثم أجرى الأطباء تجارب على الحيوانات المرضعة، فتبين لهم إن إيقاف نبضات قلب الحيوان الحامل ينعكس على جنينه على الفور، وهي نتيجة تحققت من التجارب التي أجريت على فصائل شتى من الحيوانات، وقطع الأطباء بأن توقف قلب الأم يؤثر تأثيراً مباشراً في الجنين، وبوفاة الأم، يموت الجنين بدوره، لأن الجنين يتغذى من الشريان الأورطي المتصل بقلب الأم ويتأثر بنبضات قلبها، ولو توقف هذا النبض لانقطع الغذاء عن الجنين ولمات في بطن أمه.
وقد استنتج الأطباء من هذه التجارب أن الجنين لا يعتاد سماع ضربات قلب أمه وحسب، بل إن حياته ترتبط أيضاً بهذه الضربات وبالدفء الذي تشيعه، فإن توقفت الضربات انقطع الغذاء عن الجنين ومات. ولأن الطفل قد اعتاد على سماع ضربات قلب أمه منذ كان جنيناً في الرحم، فهو يرتبط بأمه ويتعلق بها ويشعر بهدوء وراحة بالقرب من نبضات قلبها، وهذا هو السر في أن حمل الطفل من ناحية الأم اليسرى يجعله أكثر اطمئناناً وهدوءً، وهو ما يفتقر إليه الجانب الأيمن للأم.
ولولا جهود المعهد العلمي الجامعي الذي أسسته جامعة كورنيل في دراسة أوضاع الطفل ومشكلاته الصحية والنفسية واسباب الرعاية السليمة التي تتاح له في أيامه الأولى، لما عرفنا أهمية النظرية التي ساقها الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في هذا المقام، ومؤداها أن الرضاعة تقتضي من الأم توسيد طفلها إلى جانبها الأيسر لا الأيمن.
وقد ارتأى مركز الولادة ورعاية الطفل التابع لجامعة كورنيل تجهيز جميع فروعه ووحداته بجهاز يوضع في غرفة الأطفال الحديثي الولادة ومهمته بث صوت شبيه بنبضات قلب الأم، وزودت أسرة الأطفال بجهاز مهمته نقل صوت هذه الضربات إليهم.
ومعروف أن قلب الشخص البالغ السليم يدق عادة مرة في الدقيقة، ومن التجارب التي أجريت على الأطفال زيادة عدد نبضات القلب إلى 120 نبضة في الدقيقة، فكان من أثر ذلك انزعاج الأطفال وارتفاع عقائرهم في البكاء، فإن اعيدت النبضات إلى وضعها الطبيعي، وهو 72 دقة في الدقيقة، كف الأطفال عن البكاء. وقد جربت هذه التجربة وأعيدت في مراكز الرضاعة مراتٍ كثيرة، فكانت نتيجتها واحدة.
وهناك تجربة أخرى أجريت على الأطفال الرضع، فقد وضعت مجموعة منهم في غرفة بها جهاز يقلد ضربات قلب الأم بحيث يسمعه الأطفال، ووضعت مجموعة أخرى في غرفة يخيم عليها الهدوء، وليس فيها جهاز كهذا. فاتضح للأطباء إن الأطفال الذين تضمهم المجموعة الأولى، وهم الذين يسمعون صوت النبضات، يزيد وزنهم بسرعة تفوق سرعة الوزن لدى أطفال المجموعة الثانية.
وقد قام الدكتور (لي سولك) وهو طبيب متخصص في طب الأطفال في معهد كورنيل الجامعي بجولة حول العالم لدراسة التقاليد التي تجري عليها الشعوب والأمم في إرضاع الطفل ورعاية الطفولة، وكتب في تقريره يقول إنه رأى في مناطق شتى من العالم أمهات يحتضن أطفالهن في الجانب الأيسر، وذلك أثناء نهوضهن بأعمالهن أو عند عبور الطرق.
كما لاحظ أن معظم الأمهات اللائي يحضن أطفالهن من الناحية اليمنى هن عسراءات (أي يستخدمن من أيديهن اليسرى).
وما قاله الدكتور (لي سولك) في تقريره إنه سأل عدداً من الأمهات عن سبب حملهن لأطفالهن من الناحية اليسرى وإرضاعهن لهم في هذا الوضع، فلم تستطع الأمهات تعليل ذلك ولا خطر ببال إحداهن أن تقول للدكتور سولك بأن الطفل يأنس بسماع صوت القلب عندما تحمله أمه من الناحية اليسرى، وهو الصوت الذي ألفه منذ أن كان جنيناً في الرحم.
وروى الدكتور سولك أن بعضاً من الأمهات قلن له إن أطفالهن يستيقظون في جنح الليل ويبكون طلباً للطعام، ولا يجدون مشقة في الاهتداء في الظلام إلى الثدي الأيسر دون مساعدة الأم، ولم تستطع الأمهات تعليل هذه الظاهرة، فقام الدكتور سولك من ناحيته بتعليلها، قائلاً أن الطفل يهتدي إلى الثدي الأيسر بسماعه ضربات قلب الأم، ولا تعليل سوى ذلك لهذه الظاهرة.



1 - تأسست جامعة كورنيل المشهورة في ولاية نيويورك في عام 1865 م بفضل أريحية المثري عزرا كورنيل الذي وقف جميع ممتلكاته وثرواته على هذه الجامعة، ومات معدماً.

علي العذاري
07-26-2012, 01:43 PM
حركة الموجودات في رأي الصادق (عليه السلام)



للإمام جعفر الصادق (عليه السلام) نظرية باهرة أخرى تتعلق بحركة الأجسام، مؤداها أن لكل شيء حركة، وإن كان من الجماد، ولكن أعيننا لا ترى هذه الحركة.
وإذا كان هذا الرأي قد بدا غير معقول في أيام الصادق (عليه السلام) فهو قد أصبح اليوم حقيقة علمية مقررة لا سبيل إلى الشك فيها، إذ قد ثبت علمياً بأنه لا يوجد جسم أو عنصر في العالم إلا وله حركة، وأن من المستحيل تصور جسم معدوم الحركة.
وهذا الرأي الذي ساقه الإمام الصادق (عليه السلام) قبل أثني عشر قرناً ونصف قرن، هو من مبتدعاته التي سبق بها عصره، وقد أضاف إليه قوله إن توقف الحركة معناه موت بني البشر، وقال أيضاً أن الحركة تستمر حتى بعد الموت، ولكنها تتخذ شكلاً آخر. ولولا الحركة، لما بليت الأجسام وصارت رميماً.
ولا يحس الإنسان بمرور الزمن ولا يدرك كنهه إلا من خلال الحركة، فإن توقفت الحركة في الكون فقدنا الإحساس بمرور الزمن.
ومن هذا القبيل عينه إحساسنا بالمكان، إذ أننا نستمد هذا الإحساس من الحركة ولولاها لما استطعنا معرفة الأبعاد الثلاثة وتعيين المكان.
وهناك نوعان من الحركة المستمرة داخل كل جسم جامد. هما الحركة داخل الذرة، وقد سبق الحديث عنها في الفصول المتقدمة حيث أوضحنا أن الالكترون يدور في فلك نواة الذرة ثلاثة كاتر بليون مرة في كل ثانية، والحركة المتعلقة بذبذبات واهتزازات الجزئيات، فالجزيء في كل مادة يهتز اهتزازات يتفاوت عددها بين الصفر وعشرة تريليون مرة في كل ثانية تبعاً للبرودة أو الحرارة أو عند انتقال من حالة إلى أخرى(1) .
يصف الكاتب المسرحي الفرنسي مولر الذي أسس (الكوميدي فرانسيز) بطل إحدى مسرحياته بقوله (إنه بلا حركة، ولكنه حي)، أي أن الدهشة عرته إذ وجد شخصاً حياً ولكنه منعدم الحركة، ولكن هذه الملاحظة الساخرة من جانب مولر لا تثير السخرية في يومنا هذا، لأن الحركة موجودة ومستمرة في الإنسان وفي الأشياء حتى بعد الموت، كما أثبت ذلك العلم الحديث، وهو هو نفسه الذي قال به الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عندما أكد أن الحركة باقية ,عن الإنسان وكل الأشياء سائرة إلى الخالق الفاطر وأن الإنسان باقٍ ما بقي الدهر، وإن كانت ذرات جسمه تتغير وتتحول إلى طاقة دون أن تفقد الحركة التي تلازمها وتتحرك معها.
ويقول الإمام الصادق (عليه السلام) إن كل شيء يرجع إلى الله وينجذب إلى خالقه.
كانت هذه النظرية تعتبر إلى عهد قريب فكرة عرفانية ونظرية فلسفية لا نظرية علمية، فقد فسر العرفاء المسلمون الغاية من مصير الإنسان بأنها الرجوع إلى الله.
وبمرور الزمن، ووقوف العرفاء المسلمين على آراء الملل الأخرى، طرأت لهم فكرة جريئة أخرى بشأن يوم المعاد أو الرجوع إلى الله مؤداها ـ كما سبق أن أوضحناـ أن المخلوق يرجع إلى الخالق ويتحد به، وقد عرفت هذه الفكرة باسم (وحدة الوجود) وشاعت لدى العرفاء في الشرق والغرب، فلما وجد الفيلسوف الهولندي البرتغالي الأصل اسبينوزا(2) ، أرسى نظريته الفلسفية على أساس وحدة الوجود.
ومحصل فكرة وحدة الوجود أن جميع ما في الكون من عناصر وكائنات، ومنها الإنسان، إنما هي مظهر من مظاهر وجود الله. وبانتشار مؤلفات اسبينوزا في منتصف القرن السابع عشر الميلادي، انتشرت هذه الفكرة في الغرب بعد ما كانت منتشرة كفكرة عرفانية في الشرق.
وقد تعرض اسبينوزا للتكفير واتهامه بالهرطقة، فجمعت كتبه من المكتبات والمطابع، وانصرفت عنها دور الطباعة خوفاً من سطوة السلطات الدينية وبطشها.
ومع أن حرية الرأي والبحث التي دعت إليها مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) قد أخذت تنتشر في ربوع الشرق، فغن دعاة نظرية وحدة الوجود لم يجرؤوا على المجاهرة برأيهم السافر، لان الخلفاء والحكام كانوا في بعض الأحيان يوقعون عقوبات صارمة على الداعين إلى هذه الفكرة، فمن نجا منهم من مصير القتل لم ينج من تكفير العلماء ورجال الدين، وصار شانه كالمصاب بالجذام الذي يفر منه الناس، بل شراً من ذلك، لأن المصابين بالجذام كانوا يودعون في دار للرعاية خارج المدينة بعيداً عن المجتمع، وكانت تخصص لهم في بعض الأحيان مزارع يعيشون فيها بمنأى عن الناس، حيث يزاولون حياتهم الطبيعية.
أما الذين يحكم عليهم التكفير، فهؤلاء لم يكونوا يجدون شفقة من أحد، ولا كانوا يؤتمنون على عمل يرتزقون منه، فإن الكافر تاجراً قاطعه الناس، وإن كان ذا حرفة لم يجد من يستعين به في أي مهمة، فإن خرج من بيته ضايقه الناس حتى يضطر في آخر الأمر إلى الاعتزال أو ترك الدار أو الهجرة إلى حيث لا يعرفه أحد.
و تلقاء ذلك كان من الطبيعي لدعاة فكرة وحدة الوجود أن يتحدثوا عنها لا تصريحاً بل تلميحاً وبرموز وإشارات وعبارات ملتوية لئلا يفتضح أمرهم ويكون جزائهم التكفير على أيدي رجال الدين.
زمن هنا توسلوا إلى التعبير عن المعاني العرفانيه والصوفية باستخدام مصطلحات مادية مثل الخمر والخمار والساقي والكأس والحبيب والمدامه والشراب وما إلى ذلك، وانتقلت هذه المصطلحات إلى الشعر الذي نظمه الصوفيون، فأصبح لهذا الشعر من المعاني الظاهرة ما يختلف عن معانيه الباطنة التي يدركها الصوفيون والعرفاء وحدهم، وبهذه الكيفية استطاعوا أن يجتنبوا توجيه تهمة الكفر إليهم، وأن ينجوا من عقاب الحكام.
والمعروف أن التفكير الصوفي أخذ ينمو وينتشر في المجتمع الإسلامي منذ القرن الثالث للهجرة، وكان الصوفيون والعرفاء في هذه الفترة يؤولون كلام الصادق (عليه السلام) ومؤداه أن كل شيء منجذب إلى ربه وخالقه، بأن المقصود منه هو اندماج الوجودين في وحدة واحدة، ولا قال بها، وكان من رأيه أن الإنسان هو صنيع الخالق ومخلوقه طبقاً للعقيدة الإسلامية، لأن الله هو خالق كل شيء، وكل شيء راجع إليه.
وعندما وضعت للعلوم تعريفات خاصة بكل منها في عصور متأخرة، اعتبرت الفلسفة والعرفان من جملة هذه العلوم، وعدت نظرية الإمام الصادق (عليه السلام) القائلة بأن كل شيء منجذب إلى ربه بأنها نظرية عرفانية لا علمية.
وقد أثبتت العلوم في يومنا هذا لأن نظرية الإمام الصادق (عليه السلام) قريبة من الحقيقة العلمية الملموسة، وإن كان من السابق لأوانه أن نقطع بأن جميع الأشياء منجذبة إلى شيء واحد (أو بعبارة الصادق: كل الأشياء منجذبة إلى الله).
ومن الثابت أن الموجات التي تنطلق من الإلكترون تتجه إلى ناحية واحدة، ولا تتبعثر في كل اتجاه إلا إذا كانت للموجات خاصيته مغناطيسية فعندئذ تكون الموجات كهرطيسية وتنتشر في كل اتجاه وهذه الموجات الكهرطيسية هي التي تستخدم في البث الإذاعي والتلفزيوني. والمثال الحي على أن الإلكترون ينطلق في اتجاه واحد، هو عقرب البوصلة الذي نراه إلا متجهاً ناحية الشمال حيث يوجد المجال المغنطيسي للقطب الشمالي.
والبوصلة اختراع اهتدى إليه المسلمون(3) وانتفع به في الرحلات البحرية انتفاعاً عظيماً، ولولاه لما استطاع البحار البرتغالي فاسكو دو جاما أن ينجه من رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقية إلى الهند، ولما استطاع كريستوف كولمبوس الإيطالي أن يكتشف أمريكا في هذه الفترة عينها، ولما استطاع ماجلان البرتغالي أن يطوف بسفينته حول العالم ويثبت كروية الأرض بطريقة علمية.
ومازالت البوصلة إلى هذا اليوم جهازاً من أهم الأجهزة في السفن والطائرات والنفاثات الجوية، صحيح أن الطائرات تظل على اتصال دائم بأبراج المراقبة في المطارات، ولكنها مع ذلك لا تستطيع الاستغناء عن البوصلة.
والبروفيسور (داش) الأستاذ بجامعة واشنطن الأمريكية وهو من أبرز علماء الفيزياء والفلك في الولايات المتحدة الأمريكية، قد وضع نظرية عملية بشأن الكون لو أقيمت عليها البراهين التجريبية لجاءت معززة لنظرية الصادق (عليه السلام) بشان انجذاب الأشياء أو رجوعها إلى الخالق.
ومعروف أن شغل العلماء الشاغل منذ القرن التاسع منصرف إلى محاولة تحديد معالم الكون وتحديد الحركة التي تجري فيه، ولكن الأمر حتى الآن لا يعدو كونه نظريات مجردة.
وقد استطاع العلم أن يثبت صحة بعض النظريات المتعلقة بالكون والكائنات، مثل قانون دوران السيارات حول كرة الشمس وما إلى ذلك، اكتشفت هذه القوانين في معظمها قبل القرن التاسع عشر الميلادي.
ولكن كل ما قيل حتى اليوم عن هيئة الكون وحركاته (باستثناء ما تم رصده بالمراقب الفلكية) لا يخرج عن نطاق النظريات المجردة.
ومن ذلك مثلاً أن نظرية النسبية لأينشتين لم تثبت بالتجريب العلمي إلا ما يتعلق بانحراف شعاع الضوء عند اقترابه من كتل الجاذبية أو اصطدامه بها.
ويذهب مؤيدو نظرية النسبية لأينشتين إلى أن هذه النظرية إنما تستند إلى معادلة رياضية، وأن المعادلات الرياضية لا سبيل إلى الشك فيها (كالقول مثلاً بأن حاصل ضرب 2*2هو 4، أو أن حاصل قسمة 20 على 5 هو 4) ولكن المعادلات الرياضية شبيهة إلى حد كبير بميزان القباني، فإذا تعادلت كفتا الميزان، ثبت الشاهين في وضع عمودي عند خط الوسط، لا يميل يمنة ولا يسرة، دليلاً على أن الكفتين متساويتان، ولكن وقوف هذا المؤشر عند خط الوسط، وإن دل على تساوي الكفتين، لا يدل على الوزن الذي تحمله كل كفة منهما، ولا على السلعة الموضوعة في هذه الكفة أو تلك، وهل هي من الفحم أو من الذهب.
وقد عاشت النظريات الرياضية وهي تتمتع بتصديق الناس وثقتها، واعتبرت نظرية أينشتين حقيقة ثابته لا تقبل الشك. ومع ذلك فقد تبين بعد اختراع أجهزة الرصد الكهرضوئية أن هناك أجراماً سماوية تبعد عن الكرة الأرضية بمسافة 9 آلاف مليون سنة ضوئية في حين أن أينشتين حسب قطر العالم بثلاثة آلاف مليون سنة ضوئية.
وكما سبق أن ذكرنا، فإن علماء الفلك الأمريكيين عاكفون على صنع جهاز راديو تلسكوبي جديد قوامه 27 هوائياً راديو تلسكوبياً، على هيئة حرفy في اللغة الإنكليزية، وبين كل طرف من أطراف هذا الحرف مسافة 21 كيلو متر، ولهذا الجهاز مجال تعمل فيه الهوائيات الراديو تلسكوبية قطره 30 كيلو متراً.
وعند استعمال هذا الجهاز لا يستبعد أن تتغير جميع النظريات الخاصة بالكون، إذ سيكون في مقدوره رصد عوالم أوسع مما أمكن رصده حتى اليوم.
والأمر الذي لا شك فيه، هو ما ذهب إليه أينشتين من تحديد قطر الكون ليس صحيحاً، إذ أن العلم قد أثبت خلاف ذلك.
ومحصل نظرية البروفيسور (داش) أستاذ الفيزياء والفلك المذكور بجامعة واشنطن، أن أجهزة الرصد الراديو تلسكوبية قد غيرت المعارف البشرية بشأن النجوم، إذ تبين للعلماء أن هناك أجراماً سماوية من نوع المجرة تتحرك في اتجاه نقطة ما بسرعة تفوق سرعة الضوء بخمسة وتسعين مرة(4) .
وتتحرك هذه الجرام كيفما اتفق، مما يؤكد إنها لا بد أن تلتقي في نقطة الهدف، ويصطدم بعضها بالبعض الاخر. وليس من سبيل للتكهن بما يمكن أن يؤدي إليه هذا التصادم، وهل يولد طاقة أو طوفاناً من الأمواج يضطرد ويمضي إلى نهاية الكون، وهل تنشأ عن هذا التصادم عوالم أخرى تخضع لقوانين خاصة بها.
ولم يحدد البروفيسور (داش) لا زمان تصادم هذه الأجرام التي تنطلق بهذه السرعة الفائقة ولا مكانه، ولا استطاع أن يبن خط سير هذه الأجرام لسبب بسيط هو أنها تنحرف أمام الكتل ذات الجاذبية الشديدة التي تجذبها إليها. ولكنه قال أن المدارات التي تسير فيها هذه الكتل تتسع بحيث يصعب على أجهزة الكمبيوتر تحديد اتجاهها أو مقارنة بعضها بالبعض الآخر أو تحديد نقطة التقائها.
فإن صحت هذه النظرية، وكانت هناك فعلاً كتل لها قوة جاذبية شديدة تعترض سير المجرات، فمعنى ذلك أن هذه الكتل تتكون من مادة لتستطيع التمتع بهذه القدرة الفائقة على الجاذبية.
بقيت مشكلة في هذه النظرية، وهي أن المجرات أجرام وعناصر مادية، فكيف يتأتى للمادة أن تتحرك بهذه السرعة؟
يقول (داش) إن الأجرام السماوية التي تنطلق بهذه السرعة هي من الحالة الرابعة للمادة التي تعرف باسم (البلازما)، أما الحالات الثلاث الأخرى التي كانت معروفه من مدة غير قصيرة فهي الحالات الجامدة والسائلة والغازية، وقد أضيفت إليها هذه الحالة الرابعة وهي (البلازما).
ومع ذلك، يقول علماء الفيزاء إن البلازما لا تسطيع بدورها أن تنطلق بهذه السرعة، وإلا فقدت كيانها، وتحولت إلى موجات.
يؤخذ مما تقدم وفقاً لنظرية البروفيسور (داش) أن الأجرام السماوية الشديدة البعد عن منظومتنا تسير بسرعة فائقة نحو نقطة غير معلومة لنا، وهذا يدل على أن المجرة أو المجموعة التي تضمها منظومتنا الشمسية والمجرات الأخرى تسير بدورها في اتجاه تلك النقطة عينها.
فإن أمكن تأكيد هذه النظرية، برهنت عملية على صدق نظرية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) القائلة أن كل شيء منجذب إليه، وكل شيء يرجع إلى الله. بينما البروفيسور (داش) يقول إن كل شيء منجذب إلى نقطة واحدة أو مركز واحد.
فلا فرق بين نظرية داش (لو ثبتت علمياً) ونظرية الصادق (عليه السلام) إلا في العبارات والألفاظ، فالانجذاب في رأي الصادق (عليه السلام) هو انجذاب إلى الله وهو في رأي داش الانجذاب إلى مركز واحد(5) .
وتختلف نظرية (داش) عن نظرية (آبه لمتر)(6) الأستاذ بجامعة لوون ببلجيكا التي تتعلق بسعة الكون، وقد سبق عرضها في الفصول المتقدمة، ومؤداها أن الأجرام والمجرات السماوية تنطلق في اتجاه السعة الكونية، والمعروف أن الفترة التي عاش فيها (آبه لمتر) قبيل الحرب العالمية الثانية كان حظها من المراصد الفلكية، الأجهزة الاعتيادية التقليدية، إذا أن المراقب الراديو تلسكوبية وأجهزة الكمبيوتر لم تكن قد لعبت بعد دورها الضخم في عصر الفضاء، وفي رصد الأجرام البعيدة، وحساب سرعة حركتها، وحل المعادلات الرياضية المعقدة بدقة وسرعة. وكان علماء الفلك والرياضيات في ذلك الوقت يستخدمون عقولهم في إجراء العمليات الحسابية المتعلقة بالفضاء وبسرعة السيارات التي تدور فيه.
ومع إنه قد أصبح من الميسور الآن متابعة حركة الأجرام السماوية وحساب سرعتها بالأجهزة العصرية المتقدمة، ومع أن بين أيدي العلماء فعلا نظرية (داش) المتعلقة بحركة العوالم صوب مركز معين، إلا إننا لا نستطيع إنكار نظرية (آبه لمتر)، كما أن نظرية (داش) لم تتحقق حتى الآن.
وتشمل نظرية (داش) هذه على نقطتين غامضتين، هما:
أولاً: كيف يتأتى للمادة أن تتحرك بسرعة تفوق سرعة الضوء 95 مرة؟ فالرد أن المجرات التي تسير بهذه السرعة ليست مادة، وإنما هي بلازما كما يقول علماء الفيزياء.
وثانياً: ما هو المركز الذي تتجه صوبه هذه السيارات في سيرها السريع؟ إن البروفيسور (داش) لم يورد شيئاً يوضح به هذه النقطة الغامضة.
فإن كانت الجاذبية التي تتحكم في منظومتنا الشمسية تتحكم في العالم الخارجي عن هذه المنظومة، فالذي لا ريب فيه أن المراكز الذي تتجه جميع الأجرام والمجرات صوبه هو مركز مادي له جاذبية عظيمة قادرة على اجتذاب المجرات والأجرام السماوية إليه. وإلى يومنا هذا، لم يتسن لأجهزة الرصد الدقيقة اكتشاف هذا المركز المادي الذي تتناهى قوة جاذبيته عن التصور. ومما يزيد الأمر صعوبة أن صاحب النظرية لم يعين هذا المركز الجاذب الذي تتجه غليه الأجرام والمجرات.




1 - ينبغي عدم الخلط بين الجزيء والذرة، فالجزيء هو أصغر جزء في المادة، وله جميع خواصها الفيزيائية والكيميائية، بحيث أن تقسم الجزيء يفقده هذه الخواص، ويتألف الجزيء عادة من عدد من الذرات، وعند اهتزاز الجزيئات يتحول جامدها إلى سائل ثم إلى غاز، وكلما زيدت الأجسام دفئاً أو حرارة زاد عدد اهتزازات الجزيئات في الجسم. (المترجم).
2 - اسبينوزا فيلسوف يهودي هولندي من أصل برتغالي ولد عام 1623م وتوفي عن أربعة وخمسين عاماً سنة 1677م. ولما شاعت نظريته حول وحدة الوجود، فهجرته أسرته، وأصبح وحيداً وهو في حوالي الأربعين من عمره، فاضطر إلى الاشتغال ببيع الخضر والفاكهة ليقيم أوده، وقد نصح بالتوبة والرجوع عن عقيدته الفلسفية لكي يعود إلى منصبه العلمي في الجامعة فرفض وعاش في خصاصة إلى أن مات.
3 - يعزى اختراع البوصلة إلى الصينيين في عام 2636ق م ولكن المسلمين نقلوها من الصين وأدخلوا عليها تحسينات واستخدموها، ثم أخذها الأوربيون من البحارة المسلمين، ولهذا اشتهر هذا الجهاز في اوربا بأنه من صنع المسلمين. (دائرة المعارف البريطانية).
4 - إن السرعة التي تفوق سرعة الضوء بخمسة وتسعين مرة تساوي 285 ألف كيلو متر في الثانية، وهي سرعة لا يسع مادة أو جسماً أن ينطلق بها إلا إذا كان ضرباً من ضروب الموجات، (المترجم).
5 - الله سبحانه وعالى في رأي الصادق ـ عليه السلام ـ ليس له مكان محدد فهو في كل مكان ولا يحده حد ولا يوجد في مان فما من مركز مركز لله سبحانه..
6 - آبه لمتر عمل قبل الحرب العالمية الثانية أستاذاً للرياضيات والفلك في جامعة لوون في بلجيكا.(المترجم)

الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في دروسه

كان الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) من أكثر الأساتذة حلماً وصبراً في إلقاء دروسه على طلابه والإصغاء إلى تعليقاتهم واستيضاحاتهم، والرد على استفساراتهم ومناقشتهم. وإلى جانب دروسه اليومية التي كان يلقيها في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) ولا تنقطع حلقاته المنتظمة، فقد درج بعد كل درس على أن يفسح صدره لطلابه من سائل أو ناقد أو مستوضح، وكان لا يترك سؤالاً إلا بعد أن يستوفيه جواباً، مهما استغرق ذلك من وقت، ولو كان ذلك على حساب وقت الراحة أو وقت تناول الطعام في داره، فإن طالت الجلسة، بعث بمن يجيء غليه بالطعام من بيته ليتناوله بزهده وبساطته.
ولأنه كان يفسح للأسئلة وقتاً كافياً، فقد كان يرجو طلابه ألا يقاطعوه أثناء القاء دروسه، وأن يرجئوا كل ما يعن لهم إلى ما بعد الفراغ من الدرس.
وكان من عادة الإمام الصادق (عليه السلام) أن ينتهي من دروسه عند حلول موعد صلاة الظهر، فيؤم الناس للصلاة ثم ينصرف إلى داره.
وما أكثر المناقشات التي دارت في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) بين الإمام وبين طلابه أو مخالفيه في الرأي، أو بين فريق من الطلاب وبين فريق آخر منهم.
ومن ذلك مثلاً ما رواه صاحب (أصول الكافي)(1) نقلاً عن محمد بن اسحاق، قال:
سأل عبد الله الديصاني هشاماً بن الحكم قائلاً:
ألك رب؟
فقال: بلى.
قال: أقادر هو؟
قال: نعم قادر، قاهر.
قال: أيقدر أن يدخل الدنيا كلها في البيضة، فلا تكبر البيضة ولا تصغر الدنيا؟
قال هشام: النظرة. (أي أعطني مهلة).
فقال له: قد انظرتك حولاً. ثم خرج عنه.
فركب هشام إلى عبد الله (عليه السلام)، فاستأذن عليه، فأذن له: يا ابن رسول الله، أتاني عبد الله الديصاني بمسألة ليس المعول فيها ألا على الله وعليك.
فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): عماذا سألك؟
فقال: قال لي كيت وكيت.
فقال: أبو عبد الله (عليه السلام): يا هشام كم حواسك؟
قال: خمس
قال: أيها أصغر؟
قال: الناظر.قال: وكم قدر الناظر؟
قال: مثل العدسة أو أقل منها.
فقال له: يا هشام فانظر أمامك وفوقك، وأخبرني بما ترى.
فقال: أرى سماء وأرضاً ودوراً وقصوراً وجبالاً وأنهاراً.
فقال له لأبو عبد الله (عليه السلام): إن الذي قدر أن يدخل الذي تراه العدسة أو أقل منها قادراً أن يدخل الدنيا كلها البيضة، لا تصغر البيضة ولا تكبر البيضة.
فاكب هشام عليه، وقبل يديه، ورأسه، وقال: حسبي يا ابن رسول الله، وانصرف إلى منزله، وغدا عليه الديصاني فقال له: يا هشام، إني جئتك مسلماً ولم أجئك متقاضياً للجواب.
فقال له هشام: إن كنت جئت متقاضياً فهاك الجواب. فخرج الديصاني عنه حتى أتى باب أبي عبد الله (أي الصادق (عليه السلام) )، فاستأذن عليه، فأذن له، فلما قعد قال له: يا جعفر بن محمد، دلني على معبودي.
فقال له ابو عبد الله (عليه السلام): ما اسمك؟
فخرج عنه ولم يخبره باسمه. فقال له أصحابه: كيف لم تخبره باسمك؟
قال: لو كنت قلت له (عبد الله) لكان يقول من هذا الذي أنت له عبد.
فقالوا له: عد إليه، وقل له يدللك على معبودك ولا يسالك عن اسمك، فرجع إليه قائلاً:
يا جعفر بن محمد، دلني على معبودي ولا تسألني عن اسمي.
فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): اجلس، وإذا غلام له صغير في كفه بيضة يلعب بها.
فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): ناولني يا غلام البيضة، فناوله إياها. فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): يا ديصاني، هذا حصن مكنون له جلد غليظ، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق، وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة، وفضة ذائبة، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة، ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة، فهي على حالها، لم يخرج منها خارج مصلح فيخير عن صلاحها، ولا دخل فيها مفسد فيخبر عن فسادها، لا يدري للذكر خلقت أو للأنثى، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس، أترى لها مدبراً؟
قال: فأطرق الديصاني ملياً، ثم رفع رأسه فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك إمام وحجة من الله على خلقه، وأنا تائب مما كنت فيه.




1 - أورد صاحب (أصول الكافي) في باب التوحيد صورة من مناظرات الإمام مع أحد الملحدين سماه (أبا شاكر)، وهو عبد الله أبو شاكر الديصاني الملحد وقد نقلنا الحوار بنصه وفصه من هذا الكتاب، فضلاً عن أنه ورد في غيره من كتب الحديث. (المترجم).

علي العذاري
07-26-2012, 01:44 PM
مناظرات الإمام الصادق (عليه السلام) مع الملحدين

وللإمام الصادق (عليه السلام) مناظرات علمية كثيرة مع الملحدين والزنادقة، منهم من كان يأتيه ويسأله سؤال استفهام واسترشاد، ومنهم من كان على عناده وسابق رأيه، وفي كلتا الحالتين، كان الصادق (عليه السلام) يستقبلهم بصدر رحب وحلم عظيم ووجه باش، فكم من معارض وملحد جاءه وخرج من عنده مقتنعاً مسترشداً، وكم غيرهم خرج من مجلسه وهو متماد في غيه وجهله، ولكن الكل يكن له الاحترام والتبجيل.
رُوي أن ثلاثة من الدهريه اتفقوا على أن يعارض كل واحد منهم ربع القرآن، وكانوا بمكة، وتعاهدوا على ا، يجيئوا بمعارضته في العام القابل(1) .
وكان من هؤلاء الثلاثة عبد الكريم بن أبي العوجاء، وهو من الملاحدة المشهورين الذي اعترف بدسه الأحاديث الكاذبة على أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله).
وكان ابن أبي العوجاء في بداية أمره موحداً مؤمناً حسن السيرة والسلوك يتردد على مدرسة الحسن البصري، فلما انحرف عن التوحيد، اعتزل حوزة الحسن البصري.
وانتهى أمره بالقتل لأنه ملحد، قتله محمد بن سليمان عامل الكوفة من قبل المنصور العباسي.
كان ابن أبي العوجاء يوماً هو وعبد الله بن المقفع في المسجد الحرام، فقال ابن المقفع: ترون هذا الخلق، وأومأ بيده إلى موضع الطواف. ما منهم أحد أوجب له اسم الإنسانية إلا ذلك الشيخ الجالس يعني أبا عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام)، أما الباقون فرعاع وبهائم.
فقال ابن أبي العوجاء: وكيف أوجب هذا الاسم لهذا الشيخ دون هؤلاء؟.
فقال: لأني رأيت عنده ما لم اره عندهم.
فقال أبن أبي العوجاء: لا بد من اختبار ما قلت فيه منه.
فقال ابن القفع: لا تفعل، فإني أخاف أن يفسد عليك ما في يدك.
فقال: ليس ذا رأيك، لكن تخاف أن يضعف رأيك عندي في احلالك إياه هذا المحل الذي وصفت.
فقال ابن المقفع: أما إذا توسمت علي، فقم إليه وتحفظ من الذل، ولا تثن عنانك إلى استرسال فيسلمك إلى عقال.
فقام أبن أبي العوجاء إلى الصادق (عليه السلام) فلما رجع منه قال: ويلك يا أبن المقفع، ما هذا ببشر، وإن كان في الدنيا روحاني يتجسد إذا شاء ظاهراً، ويتروح إذا شاء باطناً، فهو هذا.
فقال له: كيف ذلك؟
فقال: جلست إليه، فلما لم يبق عنده أحد غيري، ابتداني فقال: إن يكن الأمر على ما يقول هؤلاء، وهو على ما يقولون ـ يعني أهل الطواف ـ فقد سلموا وعطبتم، وإن يكن الأمر كما تقولون وليس هو كما تقولون، فقد استويتم وهم.
فقلت: يرحمك الله، وأي شيء نقول، وأي شيء يقولون؟ ما قولي وقولهم إلا واحد.
فقال: وكيف يكون قولك وقولهم واحد، وهم يقولون إن لهم معاداً وثواباً وعقاباً، ويدينون يأن للسماء إلهاً وإنها عمران، وأنتم تزعمون ان السماء خراب ليس فيها أحد.
قال: فأغتنمتها منه، فقلت له: ما منعه إن كان الأمر كما يقولون أن يظهر لخلقه يدعوهم إلى عبادته حتى لا يختلف فيه اثنان. ولم يحتجب عنهم، ويرسل إليهم الرسل، ولو باشرهم بنفسه كان أقرب إلى الإيمان به؟
فقال لي: ويلك كيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك، نشوك(2) بعد أن لم تكن، وكبرك بعد صغرك، وقوتك بعد ضعفك، وضعفك بعد قوتك، وسقمك بعد صحتك، وصحتك بعد سقمك، ورضاك بعد غضبك، وغضبك بعد رضاك، وحزنك بعد فرحك، وفرحك بعد بغضك، وبغضك بعد حبك، وعزمك بعد إنابتك(3) ، ورغبتك بعد رهبتك، ورهبتك بعد رغبتك، ورجاؤك بعد يأسك، ويأسك بعد رجاؤك، وخاطرك لما لم يكن في وهمك وغروب ما أنت معتقده عن ذهنك.
وما زال يعد علي قدرته التي هي في التي لا أدفعها، حتى ظننت انه سيظهر فيما بيني وبينه(4) .
ودخل أبن أبي العوجاء على الصادق (عليه السلام) يوماً فقال: أليس تزعم أن الله تعالى خالق كل شيء؟.
فقال أبو عبد الله (عليه السلام): بلى.
فقال: أنا أخلق.
فقال له: كيف تخلق؟
فقال: أحدث في الموضوع، ثم ألبث عنه، فيصير دواب، فكنت أنا الذي خلقتها.
فقال ابو عبد الله (عليه السلام): أليس خالق الشيء يعرف كم خلقه؟
قال: بلى
قال: أفتعرف الذكر من الأنثى وتعرف عمرها؟ فسكت ابن أبي العوجاء. ثم أنه عاد في اليوم الثاني إلى الصادق (عليه السلام) فجلس وهو ساكت لا ينطق.
فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): كأنك جئت تعيد بعض ما كنا فيه.
فقال: أردت ذلك يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)
فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ما أعجب من هذا، تنكر الله وتشهد أني ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله): فقال: العادة تحملني على ذلك.
فقال له الصادق (عليه السلام) فما يمنعك من الكلام؟
قال: إجلال لك ومهابة، ما ينطق لساني بين يديك، فإني شاهدت العلماء، وناظرت المتكلمين، فما تداخلني هيبة قط مثلما تداخلني من هيبتك.
فقال الصادق (عليه السلام): يكون ذلك، ولكن أفتح عليك سؤالاً، ثم أقبل عليه فقال له: أمصنوع أنت أم غير مصنوع؟
فقال له ابن أبي العوجاء: أنا غير مصنوع.
فقال له الصادق (عليه السلام): فصف لي لو كنت مصنوعاً كيف كنت تكون؟ فبقي عبد الكريم مليا لا يحير جوابا وولع بخشية كانت بين يديه وهو يقول:
طويل عريض، عميق قصير، متحرك ساكن، كل ذلك من صفة خلقه.
فقال له الصادق (عليه السلام) فأن كنت لم تعلم صفة الصنعة من غيرها، فاجعل نفسك مصنوعا لما تجد في نفسك مما يحدث من هذه الأمور.
فقال له عبد الكريم: سألتني عن مسألة لم يسالني أحد عنها قبلك، ولا يسالني أحد بعدك عن مثلها.
فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): هبك علمت أنك لم تسال في ما مضى، فما علمك أنك لم تسأل في ما بعد؟ على أنك يا عبد الكريم نقضت قولك، لأنك تزعم أن الأشياء من الأول سواء، فكيف قدمت وأخرت؟
ثم قال: يا عبد الكريم أنزيدك وضوحاً؟ أرأيت لو كان معك كيس فيه جواهر، فقال لك قائل: هل في الكيس دينار؟ فنفيت كون الدينارفي الكيس، فقال لك قائل: صف لي الدينار، وكنت غير عالم بصفته، هل لك أن تنفي كون الدينار في الكيس وأنت لا تعلم، قال لا.
فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فالعالم أكبر وأطول وأعرض من الكيس، فلعل في العالم صنعة من حيث لا تعلم، صفة الصنعة من غير الصنعة.
فانقطع عبد الكريم، وأجاب بعض أصحابه، وبقي معه بعض.
فعاد في اليوم الثالث فقال: أقلب السؤال، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): سل عما شئت.
فقال: ما الدليل على حدوث الأجسام؟
فقال (عليه السلام): أني ما وجدت صغيراً ولا كبيراً إلا وإذا ضم إليه مثله صار أكبر، وفي ذلك زوال وانتقال عن الحالة الأولى، ولو كان قديماً ما زال ولا حال، لأن الذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل، فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث، وفي كونه في الأولى دخوله في العدم، ولن تجتمع صفة الأزل والعدم في شيء واحد.
فقال عبد الكريم: هبك علمت بجري الحالين والزمانين على ما ذكرت، واستدلت على حدوثها، فلو بقيت الأشياء على صغرها، من أين لك أن تستدل على حدوثها؟
فقال الصادق (عليه السلام): إنما نتكلم على هذا العالم الموضوع، فلو رفعناه ووضعنا عالم آخر، كان لا شيء أدل على الحدث من رفعنا إياه ووضعنا غيره، ولكن أجبت من حيث قدرت إنك تلزمنا وتقول: إن الأشياء لو دامت على صغرها لكان في الوهم لأنه متى ما ضم شيء منه إلى مثله كان أكبر، وفي جواز التغيير عليه خروج من القدم، كما بان في تغيير دخوله في الحدث أن ليس وراءه يا عبد الكريم، فانقطع ابن أبي العوجاء.
ولما كان في العام القابل، التقى الإمام في الحرم، فقال له بعض شيعته إن أبي العوجاء قد أسلم.
فقال الصادق (عليه السلام): هو أعمى من ذلك، لا يسلم، فلما بصر بالصادق (عليه السلام) قال: سيدي ومولاي.
فقال له الإمام (عليه السلام) ما جاء بك إلى هذا الوضع؟
فقال: عادة الجسد وسنة البلد ولنبصر ما الناس فيه من الجنون والحلق ورمي الحجارة.
فقال له الصادق (عليه السلام): أنت بعد على عتوك وضلالك يا عبد الكريم.
فذهب يتكلم، فقال له الإمام (عليه السلام): لا جدال في الحج، ونفض رداءة من يده، وقال:
إن يكن الأمر كما تقول، وليس كما تقول، وهو كما نقول، نجونا وهلكت(5) .
وسأل أبن أبي العوجاء الصادق (عليه السلام) يوماً في تبديل الجلود في النار.
فقال: ما تقول هذه الآية: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها)(6)
هب هذه الجلود عصت فعذبت فما بال الغير يعذب؟
قال أبو عبد الله (عليه السلام): ويحك هي هي، وهي غيرها، قال: أعقلني هذا القول، فقال له الصادق (عليه السلام) أرأيت أن رجلاً عهد إلى لبنة فكسرها ثمَّ صب عليها الماء وجبلها(7) ثمَّ ردها إلى هيئتها الأولى، ألم تكن هي هي وهي غيرها، فقال: بلى أمتع الله بك(8)



1 - المناقب لابن شهر آشوب.
2 - نشأ في نسخة اخرى.
3 - الإنابة: الرجوع. وفي نسخة أخرى ابانك، وفي نسخة اناءك وهي الإبطاء.
4 ـ (الكافي) كتاب التوحيد منه، باب حدوث العالم وإثبات المحدث.
5 - توحيد الصدوق، باب حدوث العالم.
6 - الآية 56 في سورة النساء.
7 - أي طبعها ولينها.
8 - البحار (141:4).

علي العذاري
07-26-2012, 01:44 PM
الموت والفناء في نظر الصادق (عليه السلام)




يعتقد سواد الناس، ولو من الناحية السطحية، أن الموت حقيقة تدل على أن الحياة عبث، ولا طائل من وراءها، وانه دليل على بطلان كل شيء، كما أن هناك من يعتقد أن الموت عقوبة ظالمة للعباد.
ولكن الواقع أن الموت يؤدي وظيفة هامة بالنسبة للإنسان والحيوان والكائنات الحية، ولولاه لأنقرض نسل الإنسان ولضاقت الأرض بسكانها، ولاعتدى القوي على الضعيف.
إلى هذا المح الإمام الصادق (عليه السلام) في الدروس التي كان يلقيها على بعض طلابه.
وقد ذكرنا ذلك بالعالم الشهير (ألكسيس كاريل) مؤلف كتاب (الإنسان ذلك المجهول) الذي بذل جهداً كبيراً لاستقصاء أسرار الموت وأسبابه عساه يحول دون وقوع هذه الأسباب، ولكنه انتهى بأن ندم على هذا الجهد، وانصرف إلى أعمال علمية أخرى.
وقد جاء في دائرة معارف (كولومبيا) الأمريكية في ترجمة (ألكسيس كاريل) بأنه كان ذو شخصيتين، لكل واحدة منهما اتجاهها الخاص، وكأن بينهما صراعاً أما الشخصية الأولى فهي شخصية العالم المفكر الذي وكده وضع حد للموت، وأما الشخصية الثانية فشخصية مفكر فيلسوف هاله ما رآه من العالم المفكر فحثه على أن ينصرف عن البحوث التي يجريها للتخلص من الموت، وفي هذا الصدد، توجه شخصية الفيلسوف حديثها إلى شخصية العالم قائلة: لم كل هذا السعي في سبيل إطالة أعمار مجموعة من الناس، دأبها الأنانية وحب الذات وإنزال الظلم بالآخرين وتكديس الثروات، ولو كان سبيلها إلى ذلك إراقة دماء أقوام آخرين؟ أفلا يدرك العالم المفكر أن قيمة الإنسان تقاس لا بطول العمر بل بنوعيته وبما ينتجه من فكر، وأن رجلا واحداً يتحلى بالقيم الإنسانية ويقدم العون للآخرين، خير من مئات وآلاف جافتهم الإنسانية وتجردوا من القيم.
وقد كتب الفوز في هذا الجدال بين قوة العلم وقوة الفيلسوف (إلكسيس كاريل) الفيلسوف الحكيم، ومن هنا انصرف كاريل عن مباحثه الدائرة حول إطالة عمر الإنسان.
ومع ذلك، خلف كاريل بعض النظريات، منها نظرية تقول إن حقن الشيوخ بدم الشباب من نفس الفصيلة كفيل بإطالة أعمارهم وتبديد آثار الشيخوخة، ولهذه النظرية قيمتها ووزنها لدى علماء الأحياء حتى الآن.
وجدير بالذكر أن ألكسيس كاريل كان أول طبيب جراح نجح في إجراء عملية فتح شريان القلب وترقيعه في ثلاث دقائق، فلا غرو أن يفوز بجائزة نوبل في الطب، هذا وقد توفي كاريل عام 1944م.
وقد دار حديث عن الموت بين الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) وواحد من تلاميذه، واستصوبت أن أورده بنصه كما رواه المفضل بن عمر، وهو من أخلص تلاميذ الصادق (عليه السلام).
المجلس الرابع:
قال المفضل(1) : فلما كان اليوم الرابع، بكرت إلى مولاي، فستؤذن لي، فأمرني بالجلوس، فجلست، فقال عليه السلام: من التحميد والتسبيح والتعظيم والتقديس، للاسم الأقدم والنور الأعظم العلي العلام ذي الجلال والإكرام، ومنشئ الأنام، ومفني العوالم والدهور، وصاحب السر المستور، والغيب المحظور، والاسم المخزون والعلم المكنون.
وصلواته وبركاته على مبلغ وحيه، مؤدي رسالته، الذي بعثه بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، ليهلك من هلك عن بينه، ويحيى من حي عن بينة، فعليه وعلى آله من بارئه الصلوات الطيبات، والتحيات الذاكيات الناميات، وعليه وعليهم السلام.
الموت والفناء وانتقاد الجهال وجواب ذلك:
وقد شرحت وقد شرحت لك يا مفضل من الأدلة على الخلق، والشواهد على صواب التدبير والعمد في الإنسان والحيوان والنبات والشجر وغير ذلك، ما فيه عبرة لمن اعتبر. وأنا أشرح لك الآن الآفات الحادثة في بعض الأزمان التي اتخذها أناس من الجهال ذريعة إلى جحود الخلق والخالق، والعمد والتدبير، وما أنكرت المعطلة والمنافية من المكاره والمصائب، وما أنكروه من الموت والفناء.
ومما ينتقده الجاحدون للعمد والتقدير للموت والفناء، فإنهم يذهبون إلى انه ينبغي ان يكون الناس مخلدين في هذه الدنيا، مبرئين من هذه الآفات، فينبغي أن يساق هذا الأمر إلى غايته، فينظر ما محصوله.
أفرأيت، لو كان كل من دخل العالم ويدخله يبقون، لا يموت أحد منه من ألم تكن الأرض تضيق بهم، حتى تعوزهم المساكن والمزارع والمعائش، فإنهم والموت يفنيهم أولاً فأولاً، يتنافسون في المساكن والمزارع، حتى تنشب بينهم في ذلك الحروب وتسفك فيهم الدماء، فكيف كانت تكون حالهم لو كانوا يولدون ولا يموتون، وكان يغلب عليهم الحرص والشره وقساوة القلوب، فلو وثقوا بأنهم يموتون لما قنع الواحد منهم بشيء يناله، ولا أفرج لأحد عن شيء من أمور الدنيا، كما قد يمل الحياة من طال عمره، حتى يتمنى الموت والراحة من الدنيا...
فإن قالوا: إنه ينبغي أنه يرفع عنهم المكاره والأوصاب حتى لا يتمنوا الموت ولا يشتاقوا إليه، فقد وصفنا ما كان يخرجهم إليه من العتو والأشر، الحامل لهم على ما فيه فساد الدنيا والدين.
وإن قالوا: إنه كان ينبغي ان لا يتوالدوا لكيلا تضيق عنهم المساكن والمعائش.
قيل لهم: إذا كان يحرم أكثر هذا الخلق دخول العالم والاستمتاع بنعم الله تعالى ومواهبه في الدارين جميعاً، إذن لم يدخل العالم إلا قرن واحد، لا يتوالدون ولا يتناسلون...
فإن قالوا: إنه كان ينبغي أن يخلق في ذلك القرن الواحد من الناس مثل ما خلق ويخلق إلى انقضاء العالم.
يقال لهم: رجع الأمر إلى ما ذكرنا من ضيق المساكن والمعائش عنهم، ثم لو كانوا لا يتوالدون ولا يتناسلون، لذهب بالقرابات وذوي الأرحام والانتصار بهم عند الشدائد، وموضع تربية الأولاد والسرور بهم، نفي هذا دليل على أن كل ما تذهب إليه الأوهام ـ وما جرى به التدبير ـ خطأ وسفه من الرأي والقول.
ولعل طاعناً يطعن على التدبير من جهة أخرى فيقول: كيف يكون ها هنا تدبير، ونحن نرى الناس في هذه الدنيا أن القوي يظلم ويغضب، والضعيف يظلم ويسام الخسف، والصالح فقير مبتلى، والفاسق معافى موسع عليه، ومن ركب فاحشة أو انتهك محرماً لم يعالج بالعقوبة.
فلو كان في العالم تدبير، لجرت الأمور على القياس القائم، فكان الصالح هو المرزوق، والطالح هو المحروم، وكان القوي يمنع من ظلم الضعيف، والمنتهك للمحارم يعالج بالعقوبة.
فيقال في جواب ذلك: إن هذا لو كان هكذا لذهب موضع الإحسان الذي فضل الله به الإنسان على غيره من الخلق، وحمل النفس لى البر والعمل الصالح احتساباً للثواب وثقة بما وعد الله عنه، ولصار الناس بمنزلة الدواب التي تساس بالعصا والعلف ويلمح لها بكل واحدٍ منهما ساعة فساعة فتستقيم على ذلك ولم يكن أحد يعمل على يقين بثواب أو عقاب، حتى كان هذا يخرجهم عن حد الإنسية إلى حد البهائم، ثم لا يعرف ما غاب، ولا يعمل غلا على الحاضر من نعيم الدنيا، وكان يحدث من هذا أيضاً أن يكون الصالح إنما يعمل للرزق والسعة في هذه الدنيا ويكون الممتنع من الظلم والفواحش إنما يكف عن ذلك لترقب عقوبة تنزل به من ساعته، حتى تكون أفعال الناس كلها تجري على الحاضر، لا يشوبه شيء من اليقين بما عند الله، ولا يستحقون ثواب الآخرة والنعيم الدائم فيها، مع إن هذه الأمور التي ذكرها الطاعن من الغنى والفقر والعافية والبلاء ليست بجارية على خلاف قياسه، بل قد تجري على ذلك أحياناَ.
فقد ترى كثير من الصالحين يرزقون المال لضروب من التدبير، ولكيلا يسبق إلى قلوب الناس أن الكفار هم المرزقون، والأبرار هم المحرومون، فيؤثرون الفسق على الصلاح، وترى كثيراً من الفساق يعالجون بالعقوبة إذا تفاقم طغيانهم وعظم ضررهم على الناس وعلى أنفسهم، كما عولج فرعون بالغرق وبختنصر (نبوخذنصر)(2) بالتيه وبلبيس بالقتل.
وإن أمهل بعض الأشرار بالعقوبة وأخر بعض الأخيار بالثواب إلى الدار الآخرة لأسباب تخفى على العباد، لم يكن هذا مما يبطل التدبير، فإن مثل هذا يكون من ملوك الأرض ولا يبطل تدبيرهم، بل يكون تأخيرهم ما أخروه وتعجيلهم ما عجلوه داخلاً في صواب الرأي والتدبير، وإذا كانت الشواهد تشهد وقياسهم يوجب أن للأشياء خالقاً حكيماً قادراً، فما يمنعه أن يدبر خلقه، فإنه لا يصلح في قياسهم أن يكون الصانع يهمل صنعته إلا بإحدى ثلاث خلال، إما عجز وإما جهل وإما شرارة، وكل هذا محال في صنعته عز وجل وتعالى ذكره. وذكر أن العاجز لا يستطيع أن يأتي بهذه الخلائق الجليلة العجيبة، والجاهل لا يهتدي لما فيها من الصواب والحكمة، والشرير لا يتطاول لخلقها وإنشائها. وإذا كان هذا هكذا، وجب أن يكون الخالق لهذه الخلائق يدبرها لا محالة، وإن كان لا يدرك كنه ذلك التدبير ومخارجه، فإن كثيراً من تدبير الملوك لا تفهمه العامة ولا تعرف أسبابه، لأنها لا تعرف دخيلة الملوك وأسرارهم، فإذا عرف سببه وجد قائماً على الصواب والشاهد المحنة(3) .
تلك كانت نظرية الصادق (عليه السلام) بشأن الموت وحكمته، وكانت له نظريات أخرى في الحركة والوجود أوردناها في ما سبق، وكلها تشهد له بنفاذ النظرة، وصفاء المذهب، وسلامة المنطق، وجلاء البصر والبصيرة، والقدرة على استكناه حقائق الأشياء، والاستعداد التلقائي لاستيعاب فلسفة الحياة والكون واستنباط ما استتر من خفاياها وما غفلت عنه كبار العقول المفكرة.
حقاً، لقد كان الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) واحد عصره، وقمة القمم في علوم الدين والدنيا في عصور كثرة ممتدة.



1 - أبو عبد الله بن عمر الجعفي الكوفي، ولد في أواخر القرن الأول الهجري في الكوفة، وعاصر الإما الباقر (عليه السلام)، ثم اتصل بالإمام الصادق (عليه السلام)، وبعده بالإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، وأخذ عنهما الحديث والرواية، واستقى الكثير من الأحاديث والعلوم من مدرسة الصادق (عليه السلام)، ونظم وألف عدداً من الكتب مما أخذه عن الإمام وهي:
1ـ كتاب الإهليلجة، وهو من إملاء الإمام الصادق (عليه السلام) على المفضل (وقد ذكرها المجلسي في المجلد الثاني من كتابه (بحار الأنوار) في باب التوحيد مع الشرح والبيان).
2ـ كتاب كنز الحقائق والمعارف، ويسمى أيضاً كتاب التوحيد. طبع مستقلاً عدة مرات.
3ـ الوصية.
4ـ كتاب ما افترض الله على الجوارح من الإيمان.
5ـ كتاب الإيمان والإسلام.
6ـ كتاب علل الشرائع: وقد ذكر النجاشي في رجاله كتابين آخرين، وهما كتاب (أعمال اليوم والليلة)، وكتاب (بدء الخلق والحث على الاعتبار)، وأغلب الظن أن هذا هو نفس كتاب التوحيد. وكان المفضل بالإضافة إلى مكانته العلمية موضع ثقة الإمام والجميع، وكان وكيلاً للإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام، وتوفي سنة 183ه قال الكاظم (عليه السلام) فيه: أما إن المفضل كان انسي ومستراحي. (المترجم).
2 - كان بختنصر أعظم ملوك الكلدانيين، امتد ملكه في بابل من سنة 604 إلى سنة 561 ق.م وقد وصف بالقوة والبأس وجاء ذلك في التوراة كثيراً لأنه هاجم اليهود سكان مملكة يهوذا الصغيرة هجوماً ساحقاً وانزل بهم عقاباً شديداً وأجلى أكثرهم إلى بابل ودمر عاصمتهم أورشليم تدميراً كاملاً.
3 - توحيد المفضل ص166ـ 175، طبع النجف المكتبة الحيدرية 1969م.








تم بحمد الله
نقله إلى العربية
الدكتور نورالدين آل علي

البرنس العراب
07-26-2012, 11:34 PM
سلمت يداك استاذنا الغالي
وبارك الله لك في سعيك
لنشر العلم وفائدة العباد
تحياتي لك ياطيب